خلال منصة مواطنات: الديمقراطية لا تنتهي بصندوق الاقتراع.. المطلوب تحويل الانتخابات إلى مشاركة ومساءلة مستدامة
- دعوات لتحويل الوعود الانتخابية إلى التزامات قابلة للقياس وتعزيز حضور الشباب والنساء في صناعة القرار
وطن للأنباء: لا تنتهي الديمقراطية بإغلاق صناديق الاقتراع وإعلان النتائج، بل تبدأ بعدها مرحلة أكثر أهمية تتمثل في متابعة أداء المؤسسات المنتخبة، ومساءلتها، ومراقبة تنفيذ الوعود والبرامج الانتخابية، وفق ما خلصت إليه حلقة جديدة من منصة "مواطنات" التي أطلقتها جمعية المرأة العاملة الفلسطينية للتنمية بالشراكة مع شبكة وطن الإعلامية.
وناقشت الحلقة، بمشاركة المحامية والناشطة الشبابية لميس أبو هلال والناشط الشبابي جهاد نمورة، واقع المشاركة المدنية بعد الانتخابات، وسبل الحفاظ على الزخم الشعبي الذي يرافق الحملات الانتخابية وتحويله إلى حضور مدني مستدام قادر على التأثير في السياسات والقرارات العامة.
وأكدت أبو هلال أن الانتخابات ليست لحظة لاختيار الممثلين فحسب، وإنما بداية لعلاقة مستمرة بين المواطن والمؤسسة المنتخبة، موضحة أن المواطن عندما يمنح صوته فإنه يمنح الثقة أيضاً، ومن حقه لاحقاً أن يعرف ما إذا كانت الوعود الانتخابية تحققت، وما إذا كانت الخطط التي طرحتها القوائم قد نُفذت.
وشددت على أن المشاركة لا ينبغي أن تقتصر على يوم الانتخابات، بل يجب أن تمتد إلى السنوات الأربع التي تليها، عبر قنوات حقيقية تتيح للمواطنين الحوار والوصول إلى المعلومات ومتابعة أداء المؤسسات المنتخبة.
الانتخابات بداية العلاقة وليست نهايتها
وأشارت أبو هلال إلى أن مسؤولية استمرار المشاركة تقع على عاتق الطرفين، إلا أن المؤسسات المنتخبة تتحمل مسؤولية أكبر في فتح المجال أمام المواطنين، من خلال توفير المعلومات والمساحات اللازمة للحوار والمتابعة والمساءلة.
وفي المقابل، أكدت أن على المواطن أن يدرك أن دوره لا يتوقف عند الإدلاء بصوته، وأن لديه أدوات متعددة للمشاركة والمساءلة، من بينها طلب المعلومات، وتقديم الشكاوى والعرائض، والمشاركة في اللقاءات العامة، والتواصل مع أعضاء المجالس المنتخبة، ومتابعة الخطط والموازنات.
الشباب.. وقود الانتخابات ثم إلى الهامش؟
وفيما يتعلق بدور الشباب بعد الانتخابات، انتقد جهاد نمورة ما وصفه بغياب الممارسات الحقيقية التي تضمن استمرار حضور الشباب في الشأن العام.
وقال إن الشباب غالباً ما يجري استنهاضهم خلال الحملات الانتخابية باعتبارهم "وقود المرحلة"، والاستفادة من طاقاتهم وجهودهم لدعم القوائم، لكن هذه العلاقة تتراجع بعد انتهاء الانتخابات، ليعود الشباب إلى الهامش قبل أن يجري تذكّرهم مجدداً مع اقتراب دورة انتخابية جديدة.
واعتبر أن ذلك يحول العلاقة مع الشباب إلى علاقة مرتبطة بالمصلحة الانتخابية، داعياً إلى بناء حضور شبابي مستدام لا يرتبط بموسم انتخابي محدد.
من الوعود الانتخابية إلى التزامات قابلة للقياس
وأكد المشاركون أهمية الانتقال من التعامل مع البرامج الانتخابية باعتبارها رسائل سياسية عامة إلى اعتبارها التزامات واضحة يمكن قياسها بمؤشرات محددة.
وضربت الحلقة مثالاً بالوعود المتكررة بشأن الاهتمام بالشباب والنساء، معتبرة أن مجرد القول «سنهتم بالشباب والنساء» لا يكفي، ما لم يترافق مع إجراءات واضحة يمكن للمواطنين متابعتها وتقييم مدى تنفيذها.
وبحسب النقاش، يمكن للشباب والنساء بعد الانتخابات أن يلعبوا دوراً رقابياً في مقارنة الوعود التي قدمتها القوائم خلال الحملات الانتخابية بما يتحول منها إلى قرارات وسياسات وممارسات فعلية على الأرض.
حضور النساء والشباب لا يكفي.. أين التأثير؟
وتطرقت الحلقة إلى مشاركة النساء والشباب في العملية الانتخابية، مؤكدة أن وجودهم في الحملات أو القوائم لا يعني بالضرورة امتلاكهم قدرة حقيقية على التأثير في القرار.
وقالت أبو هلال إن التحدي يتمثل في الوصول إلى مواقع التأثير الفعلي، والمشاركة في اللجان والنقاشات التي تُصنع فيها القرارات، وأن تكون أصوات الشباب والنساء ومقترحاتهم موضع أخذ جدي في صياغة السياسات والخطط.
القيادات النسوية لا تُبنى في أسبوع انتخابي
وفيما يتعلق بالقيادة النسوية، أكدت أبو هلال أن بناء القيادات لا يمكن أن يرتبط بموسم انتخابي، وإنما يحتاج إلى مسار طويل ومستمر في العمل العام.
ودعت إلى الاستثمار في بناء قدرات النساء، وتوفير برامج تدريب مستمرة، ومساحات للحوار، وفرص حقيقية للمشاركة في اللجان والمبادرات، وربط الشابات بخبرات وقيادات نسوية سابقة.
وشددت على ضرورة الانتقال من تدريب النساء على الظهور والخطابة فقط، إلى تمكينهن من فهم القوانين، وصياغة وتسويق السياسات، وإدارة الحملات، وبناء التحالفات، ومتابعة تنفيذ القرارات.
مجالس الظل.. مدرسة عملية للمشاركة والمساءلة
وطرح المشاركون مجالس الظل والمبادرات الشبابية باعتبارها أدوات عملية لتدريب الشباب على ممارسة أدوارهم في الرقابة وصناعة القرار.
وأوضح النقاش أن مجالس الظل تتيح للشباب خوض تجربة عملية تحاكي مواقع صنع القرار، وفهم مصادر المعلومات والظروف المحيطة بالقرارات، وتحليل ما يمكن تطبيقه وما قد تعوقه الظروف، بما يجعل عملية المساءلة أكثر واقعية ومنطقية.
وسائل التواصل الاجتماعي.. «فرصة ذهبية» للشباب
كما اعتبرت الحلقة منصات التواصل الاجتماعي أداة متاحة أمام الشباب لمتابعة القضايا العامة والتعبير عن آرائهم وممارسة الضغط المجتمعي.
ودعا المشاركون إلى استخدام هذه المنصات ليس فقط للتعبير، وإنما لجمع المعلومات والتحقق منها، ومقارنة الوعود الانتخابية بالأداء الفعلي، وتقديم مؤشرات واضحة للرأي العام حول مدى تنفيذ البرامج.
وشددوا في الوقت ذاته على أن المساءلة يجب أن تستند إلى معلومات دقيقة وحقائق، لا إلى الشائعات أو المواقف الشخصية.
المساءلة ليست معارضة
وأكد نمورة أن ثقافة المساءلة تحتاج إلى تغيير، بحيث لا يُنظر إلى المواطن الذي يسأل أو يراقب على أنه خصم للمؤسسة المنتخبة أو يسعى إلى تعطيل عملها.
وشدد على أن المساءلة حق للمواطن ومسؤولية على المؤسسة، وأن الهدف منها يجب أن يكون تحسين الأداء وضمان الشفافية والاستجابة لاحتياجات المجتمع، مع ضرورة أن تستند الأسئلة والملاحظات إلى معلومات دقيقة وأن تركز على المشكلات لا على الأشخاص.
المطلوب.. نفس طويل لا ينتهي بإيميل أو توصية
وفي ختام الحلقة، أكد نمورة على أن المشاركة المدنية لا يمكن أن تكون مرتبطة بفعالية أو توصية عابرة، مؤكداً أن الاستدامة هي أساس عملية المتابعة والمساءلة.
وقال إن الشباب بحاجة إلى الاستمرار في متابعة القوائم والكتل المنتخبة، وعدم انتظار الانتخابات المقبلة لتقييم أدائها، بحيث يصبح التصويت في المستقبل مبنياً على سجل حقيقي من الإنجاز والالتزام بالوعود، وليس على الانتماء أو المحبة أو الخصومة السياسية.
من صندوق الاقتراع إلى صناعة القرار
وخلصت الحلقة إلى أن الشباب والنساء ليسوا مجرد ناخبين، وأن مؤسسات المجتمع المدني ليست مجرد جهات تنشط خلال الحملات الانتخابية، فيما لا ينبغي أن تنتهي مبادرات الحوار ومجالس الظل بانتهاء الانتخابات.
وأكدت الرسالة الختامية للحلقة أن الديمقراطية لا تبدأ يوم الانتخابات ولا تنتهي بإعلان النتائج؛ فصندوق الاقتراع يمنح المواطنين فرصة اختيار ممثليهم، لكن حماية هذا الاختيار تتطلب المتابعة والسؤال والمناقشة والرقابة والمطالبة بالمعلومات ومحاسبة من جرى انتخابهم.
وبذلك، فإن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل الطاقات الشبابية والنسوية والمجتمعية التي تظهر خلال الانتخابات إلى ثقافة مدنية مستدامة تجعل المواطن شريكاً دائماً في الشأن العام، والمؤسسات المنتخبة أكثر شفافية واستجابة ومساءلة.



