كفر مالك.. اعتداءات وحصارٌ استيطاني من الجهات الأربع ولا خيار سوى الصمود

31.08.2026 05:09 PM

وطن للأنباء: على سفوح الجبال الشرقية لمدينة رام الله، تقف كفر مالك مطلة على الأغوار، محاطة ببساتين الزيتون ومصادر المياه التي شكلت على مدى عقود جزءاً من حياة سكانها ومصدر رزقهم.

لكن الموقع الجغرافي للقرية وما تتمتع به من أراض واسعة ومصادر طبيعية، جعلها هدفاً متواصلاً لمشاريع الاستيطان ومصادرة الأراضي منذ بداية الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية، فيما تصاعدت في السنوات الأخيرة الإجراءات التي ضيقت على الأهالي سبل الوصول إلى أراضيهم ومواردهم.

ويقول الدكتور حمدالله بعيرات، الأستاذ الجامعي من كفر مالك، لوطن للأنباء: حملة مصادرة الأراضي والتضييق على الناس في الوصول إلى أراضيهم ومصادر رزقهم مستمرة منذ عام سبعة وستين.

ويشير بعيرات إلى أن شق الطرق الاستيطانية أدى إلى عزل مساحات واسعة من أراضي القرية، موضحاً أن الطريق الذي يخترق أراضي كفر مالك ترك معظم أراضيها شرق طريق ألون عرضة للمصادرة، أو خارج أي ترتيبات تفاوضية مستقبلية.

ومع توسع المستوطنات والبؤر الاستيطانية، يجد سكان كفر مالك أنفسهم أمام واقع جغرافي جديد، تحيط فيه البؤر الاستيطانية بالقرية وتفصلها تدريجياً عن أراضيها ومحيطها.

ويوضح عبد الفتاح حمايل، القيادي من كفر مالك، لوطن للأنباء، إن القرية تعرضت لحصار متزايد من خلال ما يعرف بالبؤر الاستيطانية الرعوية.

ويشير حمايل إلى إقامة بؤرة جديدة في منطقة تل العصور، التي تعد من أعلى مناطق الضفة الغربية، إضافة إلى السيطرة على منطقة عين سامية، التي كانت تشكل متنفساً ومصدراً للمياه لأهالي كفر مالك والقرى المجاورة.

ولا تتوقف تداعيات الاستيطان عند مصادرة الأرض، إذ يقول الأهالي إنهم يواجهون اعتداءات متكررة على ممتلكاتهم ومواشيهم، ما يهدد مصدر رزق يعتمد عليه عدد من العائلات.

نايف عوض، أحد سكان القرية، يشير لوطن للأنباء، إلى أراض ٍ مزروعة بالقمح لم يتمكن أصحابها من الاستفادة منها، بسبب صعوبة الوصول إليها ووجود الرعاة والمستوطنين في المنطقة.

وفي مشهد آخر من معاناة المزارعين ومربي المواشي، تتكرر الاعتداءات على الحظائر والممتلكات.

يقول جهاد ساري، عضو مجلس قروي كفر مالك، لوطن للأنباء، إن حظيرة للأغنام تعرضت قبل أشهر لاقتحام وسرقة المواشي من قبل المستوطنين، فيما طالت الاعتداءات مركبات وممتلكات أخرى في القرية.

ويضيف أن الاعتداءات تطال أيضاً قطعان الأغنام التي تخرج للرعي خارج القرية، مؤكداً أن أصحابها باتوا يخشون فقدانها أو سرقتها.

وفي قلب هذا المشهد، تبرز عين سامية باعتبارها واحدة من أهم مصادر المياه في المنطقة، وسط اتهامات من سكان كفر مالك بمحاولات منعهم من الوصول إليها.

ويقول ساري إن المياه المستخرجة من عين سامية تخدم أعداداً كبيرة من المواطنين: "البؤرة الاستيطانية اللي تحتل عين سامية، المياه هذه تشرب منها حوالي مية وخمسين ألف مواطن."

ويضيف أن الاعتداءات على المنطقة تتكرر، وأن العاملين فيها يتعرضون لمحاولات منع من الوصول إلى المياه.

وبالتزامن مع ذلك، يقول الأهالي إن عمليات الهدم تطال منشآت زراعية وحظائر وممتلكات مدنية، ما يزيد من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على سكان القرية.

ومع استمرار التوسع الاستيطاني، يقول أهالي كفر مالك إن الخناق يضيق تدريجياً على القرية، وإن البؤر الاستيطانية باتت تحاصرها من أكثر من اتجاه.

الدكتور حمدالله بعيرات يصف المشهد بالقول: "بدأ من الشرق، ثم امتدت للشمال الشرق، ثم من الشمال والتفتت للجنوب، ثم حالياً من الغرب."

وبذلك، لا يرى سكان كفر مالك ما يحدث باعتباره سلسلة من الحوادث المنفصلة، بل مساراً متواصلاً يقولون إنه يهدف إلى عزل القرية عن أراضيها ومحيطها، ودفع سكانها إلى التخلي عن الأرض تحت وطأة القيود والاعتداءات وتراجع القدرة على الوصول إلى مصادر الرزق.

ويقول عبد الفتاح حمايل إن ما تواجهه كفر مالك يندرج، من وجهة نظره، ضمن واقع أوسع تعيشه القرى والبلدات الفلسطينية في الضفة الغربية: "وضع كفر مالك لا يختلف عن وضع بقية القرى والريف الفلسطيني بشكل عام.. الضفة الغربية تتعرض إلى هجوم منفلت من أي معايير الانضباط من قبل الاحتلال عبر أدواته الاستيطانية."

ويطالب أهالي القرية بوقف ما يصفونه بالهجمة الاستيطانية، وإنهاء الاعتداءات التي يقولون إنها تستهدف الأرض والمياه والممتلكات.

أما الدكتور بعيرات، فيدعو إلى وقف الاستيطان وما يصفه بالدعم الدولي له، قائلاً: "لا بد من وقف هاي الهجمة الاستيطانية المدعومة من الحكومة الإسرائيلية اليمينية، وأيضاً الدعم الغربي المباشر لحركة الاستيطان في الضفة الغربية."

ورغم كل هذه الضغوط، يتمسك سكان كفر مالك بالبقاء في أرضهم، مدركين أن فقدان الأرض لا يعني فقط خسارة مصدر رزق، بل فقدان جزء من تاريخ القرية ومستقبل أبنائها.

يقول جهاد ساري، عضو مجلس قروي كفر مالك: "والله إحنا أهل كفر مالك صامدين، وإن شاء الله نظل صامدين لآخر نفس فينا".

ويأتي ذلك في وقت يضع فيه القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان قيوداً على تصرفات قوة الاحتلال تجاه الأراضي والممتلكات والموارد الطبيعية للسكان المدنيين، ويحظر الاستيلاء عليها أو تدميرها بصورة غير مشروعة، مع تأكيد حماية السكان المدنيين وحقوقهم الأساسية في ظل الاحتلال.

وبين بؤرة استيطانية تتوسع، وأرض يصعب الوصول إليها، وحظيرة تُهدم أو مواشٍ تُسرق، يبقى أهالي كفر مالك متمسكين برسالة واحدة: أن البقاء في الأرض هو خط الدفاع الأخير عن وجودهم، وأن الرحيل ليس خياراً.

تصميم وتطوير