محمود كلّم يكتب لوطن: فلسطين... المعركة على السردية والهوية

27.08.2026 06:27 AM

 لم تعد المعركة الفلسطينية تُخاض على الأرض وحدها. هناك معركة أخرى لا نسمع ضجيجها، لكنها لا تقل خطورة؛ معركة تجري في الذاكرة والوعي، وفي الطريقة التي سنروي بها حكاية فلسطين لأبنائنا وأحفادنا.

من يملك حق رواية فلسطين؟ ومن يملك القدرة على حماية صورتها من أن تُشوَّه أو تُختصر أو تُكتب من وجهة نظر الآخرين؟

هذه هي معركة السردية.

فالصراع على فلسطين لم يكن يوماً صراعاً على الجغرافيا وحدها، بل كان أيضاً صراعاً على معنى المكان؛ على أسماء القرى والمدن، وعلى تفاصيل الحياة فيها، وعلى حكايات أهلها، وعلى كل ما بقي في الذاكرة بعد أن تغيرت خرائط كثيرة.

ومن يملك الرواية لا يملك الماضي فقط، بل يشارك في صناعة المستقبل.

هنا يأتي دور الفن.

الفن ليس ترفاً يمكن تأجيله إلى أن تنتهي الصراعات. وفي الحالة الفلسطينية، كان في أحيان كثيرة وسيلة لحفظ ما كان يمكن أن يضيع. وحين يرتبط بالمكان والذاكرة، يصبح وثيقة من نوع آخر؛ وثيقة لا تُكتب بالحبر وحده، بل باللون والصورة والكلمة والموسيقى والسينما.

لوحة يمكن أن تحفظ ملامح قرية لم يعد الجيل الجديد يعرفها إلا من الكتب.

وأغنية قد تحمل اسم مدينة إلى طفل وُلد بعيداً عنها.

ورواية تستطيع أن تعيد إلى الذاكرة بيتاً لم يبقَ منه سوى صورة قديمة.

وفيلم يستطيع أن يقدّم الإنسان الفلسطيني كما هو، بحياته وأحلامه وخوفه وفرحه، لا مجرد رقم في خبر أو صورة عابرة على شاشة.

هنا تكتسب المقاومة الفنية معناها.

الفن المقاوم ليس شرطاً أن يكون شعاراً سياسياً صريحاً، ولا أن تتحول اللوحة إلى منشور أو الرواية إلى خطاب. أحياناً تكون المقاومة أبسط من ذلك بكثير: أن تحافظ على اسم مكان، أو صورة بيت، أو أغنية، أو حكاية تناقلتها عائلة من جيل إلى جيل.

أن ترفض أن يصبح الفلسطيني مجرد رقم، وأن يتحول المكان إلى اسم بلا ذاكرة، وأن يُترك التاريخ لمن يريد أن يكتبه وحده.

حين يرسم الفنان الفلسطيني شجرة زيتون، فهو لا يرسم شجرة فقط.

وحين يرسم مفتاحاً قديماً، فهو لا يرسم قطعة من معدن.

وراء هذه الأشياء حكايات كاملة؛ بيوت وأسماء ووجوه وغياب طويل.

ومن هنا، لا يُقاس انتماء الفن بالشعارات التي يرفعها، بل بقدرته على حفظ الحياة والمكان والذاكرة، ومنحها حضوراً يتجاوز اللحظة ويصل إلى الأجيال القادمة.

والانتماء لا يعني أن يتحول الفنان إلى خطيب، ولا أن يتخلى عن استقلال الفن وجمالياته؛ بل يعني أن يعرف من أين جاء، وأن يدرك قيمة المكان الذي يتحدث عنه، وأن يعرف ما الذي يمكن أن يضيع إذا لم يجد من يحفظه.

لكن الذاكرة وحدها لا تكفي.

فالذاكرة التي لا تتحول إلى معرفة تصبح حنيناً، والحنين وحده لا يحمي الهوية.

لهذا نحن بحاجة إلى عمل حقيقي ومنظم: حفظ الصور والوثائق، وتسجيل شهادات الذين عاشوا الأحداث قبل أن يغيبوا، وجمع أسماء القرى والبيوت والعائلات، وحفظ الأغاني والحكايات الشعبية، وإعادة تقديم الثقافة الفلسطينية بأدوات العصر.

فالجيل الذي ينشأ اليوم لا يعيش كما عاش آباؤه. عالمه مختلف، وأدواته مختلفة؛ الهاتف في يده، والصورة أمامه، والفيديو أقرب إليه من الكتاب، والمنصات الرقمية جزء من حياته اليومية.

لذلك لا يكفي أن نقول له: تذكر فلسطين.

علينا أن نعطيه ما يساعده على معرفتها وفهمها وروايتها بنفسه. وإذا لم نفعل ذلك، فستكون هناك روايات أخرى جاهزة لتقول له من هي فلسطين، وماذا كان فيها، ومن عاش فيها، وكيف يجب أن يتذكرها.

وهنا تكمن خطورة المعركة المقبلة.

ليست المسألة في أن نصرخ أعلى من الآخرين، وإنما في أن نملك ما نقوله، وأن نعرف كيف نوثقه ونقدمه، وكيف نحافظ عليه من التشويه والنسيان.

ولا نحتاج إلى اختراع تاريخ جديد. القضية الفلسطينية لا تحتاج إلى مبالغات حتى تصبح قوية. الحقيقة، بكل ألمها وتفاصيلها الإنسانية، تكفي.

والفن يستطيع أن يقدم هذه الحقيقة بطريقة تصل إلى القلب قبل أن تصل إلى الكتب.

قد تتغير الخرائط، قد تُهدم البيوت، وقد يغيب الشهود.

لكن صورة قد تبقى، وكتاب قد يبقى، وأغنية قد تبقى، ولوحة صادقة قد تمنح إنساناً لم يرَ قريته يوماً صورة عنها، وتمنحه إحساساً بأن ذلك المكان كان حقيقياً، وأن وراء اسمه حياة كاملة.

لهذا يصبح الفن واحداً من أهم أدوات حماية الذاكرة الفلسطينية؛ ليس لأنه يطلق النار، بل لأنه يمنع الحقيقة من الموت.

ولا ينبغي أن يبقى الفنان والكاتب والمخرج والمصور والموسيقي بعيدين عن هذه المعركة. هم ليسوا مطالبين بصناعة دعاية، وإنما بأعمال صادقة؛ أعمال تحفظ الإنسان قبل الشعار، والتفاصيل قبل الخطابة، والحقيقة قبل المبالغة.

فأخطر ما يمكن أن يحدث لشعب ليس أن تُنتزع منه الأرض فحسب، بل أن تُنتزع منه ذاكرته، ويُسلب حقه في أن يروي تاريخه ويصوغ روايته.

والأخطر من ضياع المكان أن يأتي يوم يبحث فيه الفلسطيني عن فلسطين في كتب الآخرين، وفي أفلامهم، وفي رواياتهم.

عندها لا تكون الخسارة في الأرض وحدها، بل في اللغة التي نصف بها الأرض، وفي الذاكرة التي نعرف بها أنفسنا.

لذلك فإن الدفاع عن فلسطين لا يكون بالسياسة والميدان وحدهما. هناك دفاع آخر لا يقل أهمية: الدفاع عن الاسم، والصورة، واللون، والأغنية، والكتاب، والحكاية.

صون حق الفلسطيني في أن يروي حكايته، لا أن تُروى عنه.

فالمعركة القادمة لن تكون فقط حول من يملك المكان، بل حول من يملك حق تعريف الحقيقة، ومن يملك أدوات حفظ الذاكرة، ومن يستطيع أن يجعل هويته حاضرة في وعي الأجيال.

ومن هنا، فإن الفن الفلسطيني ليس هامشاً في المعركة.

إنه في قلبها.

والفنان، حين يخلص لفنه ولإنسانه وذاكرته، ليس مجرد شاهد على التاريخ؛ إنه أحد حُرّاسه.

قد ينتصر الأقوى في لحظة، وقد يفرض روايته في زمن، لكن القوة لا تستطيع وحدها أن تحدد ما سيبقى في ذاكرة الناس.

ما يبقى هو ما يجد من يحفظه، ومن يرويه، ومن يرفض أن يتركه للنسيان.

ولهذا ستبقى فلسطين بحاجة إلى من يكتبها، ويرسمها، ويصورها، ويغني لها، ويوثق حكايات أهلها، ويضعها بين يدي الأجيال القادمة.

فربما لا نستطيع أن نعرف كيف ستبدو خرائط الغد.

لكننا نستطيع أن نضمن ألا يضيع اسم فلسطين من الذاكرة.

وأن يبقى هناك دائماً من يقول للأجيال القادمة:

هنا كانت فلسطين... وهنا ما زالت.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير