في ذكرى رحيل درويش
خالد فحل يكتب لوطن: لم يرحل محمود درويش ، الذي رحل

كان جسده فقط. أمّا الشاعر، فقد ترك لنا ما هو أصعب من الغياب: ترك لنا لغةً لا نستطيع أن نقرأ فلسطين بعدها بالطريقة نفسها.
كلما مرّت ذكرى رحيله، أشعر أن الغياب الفلسطيني يزداد اتساعًا. ليس لأن شاعرًا كبيرًا غاب، بل لأن رجلًا كان يعرف كيف يحمل وطنًا كاملًا على كتفيه، ثم يضعه في قصيدة، رحل وتركنا نبحث عن فلسطين بين الكلمات والخرائط والأنقاض.
كان درويش أكثر من شاعر فلسطيني. كان أحد الذين أعادوا تعريف العلاقة بين الفلسطيني ووطنه. جعل من المنفى مكانًا للذاكرة، ومن الذاكرة وطنًا، ومن القصيدة بيتًا لا تستطيع الجغرافيا أن تهدمه.
لم يكن يكتب عن فلسطين من الخارج؛ كان يكتب من داخل جرحها. ولذلك بدت قصيدته أحيانًا كأنها نافذة تطل على بيت فقدناه، أو كأنها يدٌ تمتد من الماضي لتربت على كتف حاضرنا المكسور.
كان يعرف أن الوطن ليس شجرةً وحدودًا وترابًا فقط. الوطن هو الأم التي تنتظر، والخبز الذي له رائحة البيت، واللغة التي نحاول بها أن نقول إننا ما زلنا هنا.

وحين كتب الحب، لم يتخلَّ عن فلسطين. وحين كتب الموت، لم يبتعد عن الحياة. وحين كتب عن نفسه، كان يكتب عن أجيال كاملة من الفلسطينيين الذين وجدوا أنفسهم فجأة غرباء في المكان الذي كان يجب أن يكون بيتهم.
لهذا لم يعد درويش ملكًا لقصيدته وحدها. صار جزءًا من ذاكرتنا اليومية. نستعيره حين نعجز عن التعبير، ونعود إليه حين تضيق اللغة، ونجد في أبياته أشياء لم نكن نعرف كيف نقولها.
رحل محمود درويش، لكن فلسطين لم تفقد شاعرها تمامًا. لقد تركها في القصيدة، وترك القصيدة لنا.
ربما لهذا لا نشعر أننا نرثيه كل عام، بل نشعر أنه يطل علينا من مكان ما، ويسألنا عن البلاد التي أحبها، وعن الذين ما زالوا يحملون مفاتيح البيوت، وعن وطنٍ ظلّ طويلًا يبحث عن صورته في المرآة.
ربما لم يكن أكثر ما يؤلم في رحيل محمود درويش أنه مات، بل أنه تركنا وحدنا أمام قصيدته.
ترك لنا وطنًا من الكلمات، ثم مضى.
ومنذ ذلك اليوم، كلما قرأنا درويش، اكتشفنا الحقيقة التي لا نحب أن نعترف بها:
لم يكن محمود درويش يكتب عن المستقبل… كان يكتب عن فلسطين التي سنفتقدها.


