هل لإسرائيل دور في أزمة سبتة لمعاقبة إسبانيا على دعمها لفلسطين؟

03.08.2026 07:55 AM

كتب اسماعيل الريماوي: لم تعد أزمة تدفق المهاجرين غير النظاميين إلى مدينة سبتة الإسبانية قضية حدودية أو إنسانية فحسب، بل أخذت أبعادًا سياسية خطيرة، في ظل اتهامات وتحليلات داخل إسبانيا تربط ما يجري بمواقف حكومة مدريد الداعمة للفلسطينيين، وبالانتقادات الحادة التي وجهتها لإسرائيل بسبب حربها على قطاع غزة.

فإسبانيا لم تكن دولة أوروبية صامتة أو مترددة أمام ما يجري في غزة، بل برزت خلال السنوات الأخيرة باعتبارها واحدة من أكثر الدول الأوروبية انتقادًا للسياسات الإسرائيلية، ومن أكثر الحكومات الغربية وضوحًا في المطالبة بوقف الحرب وحماية المدنيين الفلسطينيين.
كما اتخذت مدريد مواقف سياسية تجاوزت حدود البيانات الدبلوماسية التقليدية، ودعمت الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وطالبت بإنهاء الحرب، وانتقدت ما وصفته بالانتهاكات الجسيمة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني.
وقد جعلت هذه المواقف الحكومة الإسبانية في مواجهة سياسية متصاعدة مع إسرائيل، التي اعتبرت أن خطاب مدريد يتجاوز حدود النقد السياسي، فيما رأت الحكومة الإسبانية أن الدفاع عن حقوق الفلسطينيين ورفض استهداف المدنيين يمثلان موقفًا أخلاقيًا وقانونيًا لا ينبغي التراجع عنه.
في هذا السياق، يرى سياسيون وخبراء إسبان أن أزمة سبتة قد لا تكون منفصلة عن التوتر القائم بين مدريد وتل أبيب، وأن تدفق أعداد كبيرة من المهاجرين إلى المدينة قد يُستخدم كأداة لإرباك الحكومة الإسبانية وإضعافها داخليًا.
وتذهب بعض التحليلات إلى أن إسرائيل قد تكون معنية بالضغط على إسبانيا بسبب دعمها السياسي للفلسطينيين، ومحاولة دفع حكومة بيدرو سانشيز إلى الانشغال بأزمات داخلية بدل الاستمرار في قيادة المواقف الأوروبية المنتقدة للحرب على غزة.
وبحسب هذه الرؤية، فإن إغراق سبتة بأزمة إنسانية وأمنية قد يخلق حالة من التوتر داخل المجتمع الإسباني، ويزيد الضغوط على الحكومة، ويمنح اليمين المتطرف فرصة لتوظيف ملف الهجرة ضدها.
لكن هذه الاتهامات تبقى في إطار المواقف والتحليلات السياسية، وتحتاج إلى أدلة وتحقيقات مستقلة لإثبات وجود دور مباشر أو منظم لإسرائيل في الأحداث.
حيث زاد السجال بين مندوب إسرائيل الدائم لدى الأمم المتحدة داني دانون ووزير النقل الإسباني أوسكار بوينتي من الشكوك حول وجود خلفيات سياسية للأزمة.
فقد انتقد دانون الحكومة الإسبانية، مشيرًا إلى أنها تواصل توجيه الانتقادات لإسرائيل، بينما تواجه حالة طوارئ بسبب تدفق المهاجرين إلى سبتة.
وقال إن على إسبانيا أن تفسر للعالم «لماذا تقيم مستوطنات في إفريقيا»، قبل أن تستمر في إعطاء إسرائيل الدروس.
أما رد الوزير الإسباني، الذي قال فيه إن «كل شيء أصبح أكثر وضوحًا»، فقد فُهم على أنه إشارة إلى أن ما  يحدث قد لا يكون مجرد أزمة هجرة عفوية، بل ربما يرتبط بمحاولات سياسية للضغط على مدريد.
وجاء هذا السجال في وقت تشهد فيه العلاقات الإسبانية الإسرائيلية توترًا واضحًا بسبب موقف مدريد من الحرب على غزة، ما جعل أزمة سبتة تُقرأ في سياق أوسع من مجرد قضية حدودية.
في الوقت الذي التزمت فيه دول أوروبية كثيرة الحذر أو اكتفت بالدعوات العامة إلى التهدئة، اتخذت إسبانيا موقفًا أكثر وضوحًا في دعم الحقوق الفلسطينية.
فقد رفضت الحكومة الإسبانية تجاهل حجم الكارثة الإنسانية في غزة، وانتقدت استمرار العمليات العسكرية، وطالبت بحماية المدنيين، ودعمت الاعتراف بدولة فلسطين.
ولم يكن هذا الموقف مجرد خلاف دبلوماسي عابر، بل شكل تحولًا في الخطاب الأوروبي تجاه القضية الفلسطينية، وأظهر أن داخل أوروبا أصواتًا ترفض منح إسرائيل غطاءً سياسيًا مفتوحًا مهما اتسعت الخسائر البشرية في غزة.
ولهذا يرى بعض المراقبين أن إسبانيا أصبحت هدفًا لحملات سياسية وإعلامية متصاعدة، وأن الضغط عليها قد يهدف إلى معاقبتها على خروجها عن الموقف الأوروبي التقليدي الأكثر تحفظًا تجاه إسرائيل.
لم يعد استغلال ملف الهجرة كملف إنساني فقط، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى وسيلة ضغط بين الدول.
ففتح الحدود أو تخفيف الرقابة عليها أو السماح بتدفق أعداد كبيرة من المهاجرين يمكن أن يخلق أزمة أمنية واجتماعية وسياسية داخل الدولة المستهدفة.
وفي حالة سبتة، فإن الأزمة تحمل حساسية مضاعفة، بسبب موقع المدينة على الساحل الشمالي للمغرب، وكونها واحدة من أهم بوابات العبور من إفريقيا إلى أوروبا.
وقد يؤدي تدفق عشرات الآلاف من المهاجرين إلى زيادة التوتر داخل إسبانيا، وإثارة الجدل حول سياسات الحكومة، ومنح القوى اليمينية المتطرفة فرصة لتصوير الحكومة على أنها عاجزة عن حماية الحدود.
ومن هنا، يرى بعض المحللين أن أي جهة تسعى إلى إضعاف الحكومة الإسبانية قد تجد في ملف الهجرة أداة مؤثرة لإرباكها سياسيًا.
في المحصلة قد تكون سبتة اليوم مدينة حدودية تواجه أزمة هجرة، لكنها في الوقت نفسه قد تكون ساحة جديدة للصراع على المواقف السياسية.
فإسبانيا، التي اختارت أن ترفع صوتها دفاعًا عن الفلسطينيين، وأن تنتقد الحرب الإسرائيلية على غزة بوضوح، تجد نفسها أمام ضغوط متزايدة وأزمات داخلية تهدد بإضعاف حكومتها وإرباك قرارها السياسي.
وإذا ثبت أن أزمة الهجرة تُستخدم للضغط على مدريد، فإن الرسالة ستكون خطيرة: كل دولة أوروبية تخرج عن الصمت، وتدافع عن الفلسطينيين، وتنتقد الجرائم المرتكبة في غزة، قد تواجه محاولات للعقاب أو الإرباك.
لكن دعم الفلسطينيين ليس جريمة، وانتقاد الحرب ليس عداءً، والدفاع عن المدنيين ليس موقفًا ينبغي أن تُعاقب عليه الدول.
وقد يكون السؤال الذي تفرضه أزمة سبتة اليوم: هل يُراد لإسبانيا أن تتراجع عن دعم فلسطين تحت ضغط الأزمات، أم أن مدريد ستتمسك بموقفها، وتثبت أن العدالة لا تتغير عندما تصبح مكلفة سياسيًا؟
فغزة لم تعد اختبارًا للفلسطينيين وحدهم، بل أصبحت اختبارًا للعالم كله… واختبارًا لقدرة الدول على الدفاع عن مبادئها، حتى عندما تُحاصر بالضغوط.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير