تحدي التشرذم وأهمية الوحدة… انتفاضة فلسطينية جديدة

05.07.2021 02:10 PM

وطن للأنباء: الانتفاضة الفلسطينية المستمرة ضد نظام الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي في فلسطين لم تبدأ في حي الشيخ جراح الفلسطيني في القدس الذي يواجه سكانه تطهيراً عرقياً وشيكاً ولكن التهديد بطرد العائلات الثماني قد حفز بالتأكيد التعبئة الشعبية الجماهيرية لأن الانتفاضة المستمرة هي في نهاية المطاف تعبير عن نضال فلسطيني مشترك في أعقاب أكثر من سبعة عقود من الاستعمار الاستيطاني الصهيوني.

اتسمت هذه العقود بالتهجير القسري المستمر ، وسرقة الأراضي ، والاعتقال ، والقهر الاقتصادي ، وتعنيف وضرب  الفلسطينين بوحشية. تعرض الفلسطينيون أيضاً لعملية تفتيت متعمدة ، ليس فقط من الناحية الجغرافية إلى الغيتوات والبانتوستانات ومخيمات اللاجئين ولكن أيضاً اجتماعياً وسياسياً.

ومع ذلك فإن الوحدة التي شهدناها خلال الشهرين الماضيين حيث تم حشد الفلسطينيين في جميع أنحاء فلسطين المحتلة وخارجها في كفاح مشترك مع الشيخ جراح تحدى هذا التشرذم مما أثار دهشة كل من النظام الإسرائيلي والقيادة السياسية الفلسطينية على حد سواء.

وفي الواقع لم نشهد حشداً شعبياً بهذا الحجم منذ عقود ولا حتى أثناء إدارة ترامب التي اعترفت بالقدس عاصمة لإسرائيل بالإضافة لاتفاقيات التطبيع بين إسرائيل ودول العربية وتسريع الاستعمار الاستيطاني الصهيوني. 

إلى جانب المظاهرات في الشوارع استخدم الفلسطينيون أشكالاً بداعية من المقاومة وشمل ذلك تنشيط الحملات الشعبية لإنقاذ الأحياء الفلسطينية في القدس من الدمار والتطهير العرقي ، وتعطيل اقتصاد النظام الإسرائيلي ، والمشاركة المستمرة برسائل واضحة تطالب بالحرية والعدالة للفلسطينيين.

القدس: محفزة للوحدة
كما هو الحال في العديد من المجتمعات الفلسطينية يواجه سكان الشيخ جراح الطرد المستمر والوشيك والتطهير العرقي منذ عقود.

في الواقع انخرط الفلسطينيون في الشيخ جراح منذ فترة طويلة في معارك قانونية ضد النظام الإسرائيلي في محاولة  لإحباط وإلغاء عملية الطرد الأمر الذي من شأنه أن يخدم الهدف النهائي لإسرائيل المتمثل في تهويد القدس بالكامل.

في أواخر أبريل / نيسان 2021 رفضت المحكمة المركزية في القدس طعون سكان الشيخ جراح ضد ما وصفته المحاكم بـ "إخلاء" ثماني عائلات فلسطينية وأمرت بإخلاء منازلهم بحلول 2 مايو / أيار 2021 وبعد رفض المحكمة اتجهت العائلات لحملة "أنقذوا الشيخ جراح" الشعبية لحماية الحي من التطهير العرقي. 

اجتذبت الحملة التي تم الترويج لها عبر وسائل التواصل الاجتماعي مشاركة محلية واسعة واهتماماً دولياً لأسباب ليس أقلها أنها تلخص التجربة الفلسطينية في نزع ملكية أرضه ونتيجة لذلك فقد أعطت زخماً لحملات أخرى "لإنقاذ" الأحياء عبر فلسطين المستعمرة من التطهير العرقي والاستعمار ، بما في ذلك سلوان وبيتا ولفتا.

على مدى الشهرين الماضيين احتج الفلسطينيون في جميع أنحاء فلسطين المحتلة في صراع في الشيخ جراح ، بما في ذلك فلسطينيون يحملون الجنسية الإسرائيلية في مدن مثل حيفا ويافا واللد وقوبلت هذه الاحتجاجات والمظاهرات بقمع عنيف من قبل النظام الإسرائيلي ، وهو رد فعل لم يسبق له مثيل ولا غير متوقع.

في الواقع خلال الانتفاضة الثانية قُتل 13 مواطنًا فلسطينياً في اقتحامات شنتها قوات الاحتلال في أكثر حملة قمع دموية منذ يوم الأرض عام 1976. وطوال هذه الانتفاضة المستمرة ، رافق العنف من قبل قوات ا الاحتلال والحشود المسلحة من المستوطنين الإسرائيليين التي كانت مهمتها مهاجمة وقتل المواطنين الفلسطينيين ومداهمة وتدمير منازل وسيارات ومحلات تجارية فلسطينية.

ومع ذلك ، كانت الاحتجاجات في المسجد الأقصى هي التي سيطرت على وسائل الإعلام الدولية ، لا سيما أن هذا كان موقعاً لاحتجاجات جماهيرية ناجحة في عام 2017 ضد  البوابات الحديدية لإلكترونية الموضوعة عند مداخل الأقصى والتي قوبلت بقمع عنيف من قبل قوات الأمن الإسرائيلية التي اقتحمت المسجد الأقصى مما أدى إلى إصابة مئات المصلين الفلسطينيين بالرصاص المطاطي وعبوات الغاز والقنابل الصوتية.

نتيجة لهذا الهجوم ومحاولات التطهير العرقي المستمرة من قبل النظام الإسرائيلي في القدس الفلسطينية ، ردت حكومة حماس في غزة بصواريخ استهدفت المدينة وفي المقابل ردت إسرائيل بقصف مكثف لأكثر من عشرة أيام على غزة ، مما أدى في النهاية إلى مقتل 248 فلسطينياً من بينهم 66 طفلاً.

وعلى الرغم من مزاعم النظام الإسرائيلي بأنه كان يستهدف فقط البنية التحتية العسكرية لحماس ، فقد تم تدمير البنية التحتية المدنية الحيوية ، والمباني السكنية بأكملها ، وحتى الأبراج الإعلامية وقالت ميشيل باشيليت ، مفوضة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة ، إن قصف غزة قد يرقى إلى مستوى جرائم الحرب.

تعطيل الاقتصاد الإسرائيلي
بينما كانت غزة تتعرض للهجوم ، استمرت التعبئة الشعبية في جميع أنحاء فلسطين المحتلة في 18 مايو حيث دعا الفلسطينيون إلى إضراب عام في أحد أكبر مظاهر الوحدة الجماعية منذ سنوات وسرعان ما تم تبنيه من قبل لجنة المتابعة العليا للمواطنين العرب في إسرائيل ، وفيما بعد من قبل السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية لكن الجهات الفاعلة هي التي سيطرت على السرد من خلال تصريحات مختلفة باللغتين العربية والإنجليزية تدعو إلى مشاركة واسعة ودعم دولي لدعم شعبي غير مسبوق.

وجاء الإضراب ردا على الاعتداءات على غزة والنضال في شوارع القدس والذي شهد مشاركة واسعة ومهمة خاصة من الفلسطينيين الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية ، والذين أكدوا مرة أخرى ارتباطهم وتقاسمهم النضال مع الفلسطينيين في غزة والقدس والضفة.

وكان هذا الإضراب  أيضاً تكتيكاً لتعطيل الاقتصاد الإسرائيلي بشكل فعال حيث يشكل الفلسطينيون الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية ما نسبة 20٪ من القوة العاملة و24٪ من الممرضات و 50٪ من الصيادلة في إسرائيل.

يتألف قطاع البناء الإسرائيلي في الغالب من فلسطينيين ، ومعظمهم من الضفة الغربية وفي يوم الإضرابشارك جميع عمال الحرف اليدوية والمهن الصناعية والبناء تقريبًا ، مما أدى إلى تعليق الصناعة تماماً لمدة يوم كامل.

كما اجتمعت النقابات العمالية الفلسطينية قبل الإضراب ودعت النقابات العمالية الدولية إلى التضامن معها واتخاذ إجراءات ضد القمع الإسرائيلي.

وقد تجلى هذا النوع من العمل من قبل عمال الرصيف في ميناء ليفورنو الإيطالي ، الذين رفضوا تحميل أسلحة ومتفجرات إسرائيلية على السفن قبل أيام قليلة من الغارة قائلين: "إن ميناء ليفورنو لن يكون شريكاً في مذبحة الشعب الفلسطيني ".

استمرت الاحتجاجات في الأيام التي أعقبت الاستهداف الاسرائيلي، وإن كانت على نطاق أصغر وباهتمام إعلامي أقل لكنه أشعل الإضراب حيث أصبح التركيز على الاضطهاد الاقتصادي موضوعًا للتعبئة الجماهيرية بين الفلسطينيين ثم وبعد نجاح الإضراب تم الإعلان عن حملة لتعزيز القوة الشرائية الاقتصادية الفلسطينية.

وشدد القائمون على الحدث الذي أطلق عليه "أسبوع فلسطين الاقتصادي"  على أنه على الرغم من الخنق الاقتصادي الذي فرضه النظام الإسرائيلي على الفلسطينيين ، إلا أنهم ما زالوا يتمتعون بقوة شرائية جماعية وهذا الخطاب بشكل خاص  تم اعتماده في الانتفاضة الأولى حيث أدت الإجراءات الشعبية مثل الحركة التعاونية والدعوة إلى مقاطعة المنتجات الإسرائيلية إلى تحدي التبعية الاقتصادية والاعتماد على النظام الإسرائيلي.

ويعتمد المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني على إخضاع الاقتصاد الفلسطيني ، الذي دمره تأسيس دولة إسرائيل عام 1948 وما تلاه من احتلال للأراضي الفلسطينية. حيث تم غزو وتدير معظم القطاعات الإنتاجية والزراعية ومنع الفلسطينيين من العمل في معظم مجالات الاقتصاد الجديد، وامتد هذا الوضع إلى الضفة الغربية وقطاع غزة في أعقاب حرب عام 1967 ، التي وضعت هذه الأراضي تحت الاحتلال العسكري الإسرائيلي.

وأدت اتفاقيات أوسلو للسلام في أوائل التسعينيات إلى مزيد من القهر الاقتصادي للفلسطينيين ، مما أدى فعلياً إلى تسليم السيطرة المباشرة وغير المباشرة على الاقتصاد الفلسطيني إلى النظام الإسرائيلي بالإضافة لتعميق التشرذم الاجتماعي للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة.

في حين ادعى البعض أن البروتوكولات الاقتصادية ستحقق الرخاء الاقتصادي للجميع ، إلا أنها في الواقع عززت المحسوبية الرأسمالية الفلسطينية مما زاد من ترسيخ فجوة الثروة والانقسامات الطبقية في المجتمع.

شجع أسبوع الاقتصاد الفلسطيني أنشطة مختلفة في جميع أنحاء فلسطين المحتلة من حيفا إلى رام الله  للترويج للمنتجات  الفلسطينية المحلية على المنتجات الإسرائيلية التي احتكرت السوق بوفرة وبأسعارها التنافسية حيث طرح الأسبوع الاقتصادي الفلسطيني مفهوماً أكثر شمولية للهيمنة الاستعمارية باعتبارها متشابكة مع الرأسمالية ، حيث يعد التحرر الاقتصادي جانب رئيسي  ومهم من النضال التحرري الوطني الأوسع.

فهم الوحدة في انتفاضة الوحدة
في أعقاب "وقف إطلاق النار" في 21 مايو / أيار بين إسرائيل وحماس ، تحول اهتمام وسائل الإعلام الدولية بعيدًا عن الانتفاضة ، وسيطرت المناقشات الحتمية بشأن إعادة إعمار غزة منذ ذلك الحين على الأخبار وعلى الرغم من الدمار الهائل والخسائر البشرية في غزة ، إلا أن العديد من الفلسطينيين اعتبروا النتيجة انتصاراً لحماس.

لكن من المهم التأكيد على أن الانتفاضة التي بدأت قبل قصف غزة تتجاوز حماس ورواية انتصارها وفي الواقع ونظراً للتعبئة الجماهيرية عبر فلسطين وإحياء الروابط الشعبية في مواجهة التشرذم القسري ، فقد أُطلق على هذه الانتفاضة الجديدة اسم "انتفاضة الوحدة" 

في الآونة الأخيرة أسست النساء الفلسطينيات طالعات وهي حركة نسوية تسعى من بين أشياء كثيرة لتجاوز هذا التقسيم الجغرافي مع التأكيد على أن التحرير الفلسطيني هو نضال نسوي ويأتي هذا التعبير الأخير عن الوحدة الفلسطينية نتيجة لهذه الجهود المستمرة لإحياء النضال الفلسطيني المشترك لكن الخطاب الدولي فشل في يالاعتراف بذلك بل في الواقع ، غالباً ما يُطلق على القمع المتواصل في أراضي عام 1948 وصفًا مضللًا بالعنف الطائفي الذي يتأرجح على حافة حرب أهلية بين اليهود والعرب ، وهو إطار يفصل بوضوح بين المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل والفلسطينيين في غزة والقدس كما أنه لا يصف واقع الفصل العنصري حيث يعيش اليهود الإسرائيليون والمواطنون الفلسطينيون في إسرائيل حياة منفصلة تماماً وغير متكافئة حيث يوصف الفلسطينيون في الداخل المحتل على أنهم "عرب إسرائيليون" في محاولة لفصلهم عن هويتهم الفلسطينية.

في أفضل الأحوال يتم تصوير وضعهم في الاتجاه السائد على أنه حالة غير استثنائية لمجموعة أقلية تواجه تمييزاً من قبل الأغلبية اليهودية بدلاً من الناجين الأصليين من التطهير العرقي عام 1948 الذين يواصلون مقاومة المحو الاستيطاني الاستعماري.

ويعتبر الفشل في الاعتراف بالاحتجاجات الأخيرة داخل أراضي عام 1948 كجزء متميز من انتفاضة فلسطينية أكبر وموحدة أمراً لافتاً للنظر بشكل خاص بالنظر إلى جمالياتها حيث تميزت معظم التظاهرات ببحر من الأعلام الفلسطينية وأصوات هتافات فلسطينية مميزة.

غزة فصلت أيضاً عن النضال الفلسطيني من خلال هذه الخطابات السائدة حيث تم تفسير قصف النظام الإسرائيلي المستمر على أنه حرب بين إسرائيل وحماس وهي رواية مشوهة تنتقص عن قصد من حقيقة أن غزة هي بالفعل ركيزة في النضال الفلسطيني.

الوحدة رغم كل الصعاب
في حين أن نطاق التعبئة ونطاق المشاركة الشعبية الذي شهدته الأسابيع القليلة الماضية كان مثيرًا للإعجاب فإن تكلفة هذه الانتفاضة كانت ولا تزال مرتفعة بالإضافة إلى الوحشية في غزة تعرض الفلسطينيون في جميع أنحاء فلسطين المستعمرة لعنف وحشي واعتقالات وفي الأسابيع القليلة الماضية في إطار عملية "القانون والنظام" التي قامت بها قوات الاحتلال الإسرائيلي ، تم اعتقال الآلاف من المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل ، معظمهم من الشباب من الطبقة العاملة حيث تستخدم الاعتقالات الجماعية كشكل من أشكال العقاب الجماعي لترهيب وتخويف الفلسطينين.

في الضفة الغربية لا تزال السلطة الفلسطينية ملتزمة بالتنسيق الأمني ​​مع الإسرائيليين وتقوم باعتقال العديد من النشطاء المشاركين في الاحتجاجات ويذكر أن اعتقال النشطاء السياسيين وخاصة أولئك الذين ينتقدون السلطة الفلسطينية ليس بجديد. ويتبع نمط القمع السياسي في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة.

لقد تم تهميش السلطة الفلسطينية التي تهيمن عليها فتح في الضفة الغربية بالكامل طوال الانتفاضة  الأخيرة التي بدأت من القدس وخاصة في مواجهة رواية فوز حماس ومع ذلك تُظهر الاحداث الأخيرة  أكثر من مجرد انعدام الأهمية المتزايد للسلطة الفلسطينية والصراع من أجل الشرعية والسلطة بين الحزبين الفلسطينيين المهيمنين حيث سيطرت القواعد الشعبية والقيادة اللامركزية  ولاتي يمكن أن تتطور عضوياً وخارج المؤسسات السياسية وأظهرت أن الفلسطينيين متعطشون للتعبئة الموحدة.

ويستمر زخم الاحتجاجات ويتنامى الشعور بالوحدة على الرغم من تراجع الاهتمام الإعلامي والدولي لقد تغير شيء ما بالفعل: الفلسطينيون يطالبون برواية مشتركة ونضال من نهر الأردن إلى البحر الأبيض المتوسط وبذلك ، فهم يدركون أنهم يواجهون نظاماً واحداً من الاضطهاد حتى لو ظهر بطرق مختلفة في جميع أنحاء المجتمعات الفلسطينية المجزأة.

وفي نهاية المطاف أكدت الانتفاضة الأخيرة على أن الشعب هو مركز القوة الذي من خلاله يجب أن يتحقق التحرير الفلسطيني وسيتحقق.

المصدر: Al-shabaka

تصميم وتطوير