اقتصاد غزة: حالة خراب .. وخيارات صعبة امام السكان

رام الله - ترجمة وطن للأنباء: يقول أحد أصحاب المصانع المغلقة في غزة، بكل حسرة ومرارة، ان مصنعه، ومجمل الصناعات في غزة، تمر بأسوأ أزمة اقتصادية شهدها في حياته. وقد أدى هذا الى اغلاق مصنعه، مرة أخرى، بعد ان كان قد اغلق في وقت سابق. وكان هذا المصنع مختصا في صناعة شرائح البطاطا، والشوكولاتة، ومُسَلّيات الفانيلا، وكانت هذه الصناعة مزدهرة في قطاع غزة.
كان وائل الوادية، صاحب هذا المصنع، يعمل في قطاع الصناعات الغذائية، منذ العام 1985، في قطاع غزة، والذي كان مختلفا جدا عن قطاع غزة الحالي، الذي يعيش فيه مليوني فلسطيني، كما يروي الوادية.
وفي ذلك الحين، كان المستوطنون الإسرائيليون ما يزالوا في قطاع غزة. كما ان حركة حماس لم تكن موجودة حتى ذلك الحين. وكان الفلسطينيون، في ذلك الحين، على بعد عامين من أولى الانتفاضات الشعبية ضد الاحتلال العسكري الإسرائيلي التي وقعت في العام 1987. ومنذ ذلك الحين، دخلت كلمة "الانتفاضة" إلى القاموس السياسي في العالم، ودرج استعمالها على نطاق واسع.
.jpg)
ويضيف الوادية، البالغ من العمر 51 عاما، بينما كان جالسا امام أحد المحلات في منطقة صناعية متعطلة، بالقرب من الحدود مع إسرائيل "لقد توقف مصنعي عن العمل تماما بسبب عقد كامل من الحصار الذي تفرضه إسرائيل، وبسبب الانقسامات الفلسطينية". واضاف "ان الوضع في غزة بائس جدا، حيث انخفضت قدرة الناس على الشراء إلى أدنى حد ممكن، مما جعل اعمالنا في غزة تعاني أكثر من أي وقت مضى".
واضاف انه قام بتخفيض الانتاج بنسبة حوالي (70%)، ولجأ الى خفض اجور موظفيه بنسبة (30%). وهو ما انعكس بدوره على ساعات العمل، حيث ان الموظفين الذين اعتادوا العمل بشكل يومي، تم تغيير معدل عملهم ليكون يوما واحدا فقط كل ثلاثة أيام. واضاف الوادية انه "إذا لم تحدث معجزة حقيقية، فان المصانع والشركات ستغلق أبوابها، وسيكون ذلك بمثابة الموت الحقيقي للاقتصاد في غزة".
كان هناك فقر في قطاع غزة منذ فترة طويلة. ولكن مع معدل بطالة يصل الى (43.6%) الان، وفقا لجهاز الإحصاء الفلسطيني، فانه حتى لو كانت هناك صناعة مزدهرة وقوية يوما ما، فإنها ستتراجع بسبب الديون المستحقة لها او المستحقة عليها. وهو ما يؤدي الى ان يبدأ الجميع بالانهيار، مثل الدومينو، لان الاعمال مرتبطة ببعضها وتعتمد على بعضها.

ويلوم الناس، وأصحاب المنشآت في غزة، إسرائيل على المصاعب التي تضعها في طريق الاعمال والمنشآت الفلسطينية. حيث انها تتسبب بالتالي بشلل للاقتصاد الفلسطيني في غزة، وإلى انخفاض كبير في حركة الناس والبضائع. لكن الكثير من الغزيين يلومون قادتهم ويشكون من الصراع المتواصل على السلطة بين حماس التي سيطت على غزة في العام 2007، وحركة فتح، برئاسة الرئيس الفلسطيني.
على الجانب الاخر، يدعي الاحتلال، الذي سحب مستوطنيه وجنوده من القطاع في العام 2005، انه "اضطر" لإحكام سيطرته على حركة الدخول الى قطاع غزة، وحركة الخروج منه، من اجل منع حركة حماس من تهريب مسلحين، او أسلحة، او مواد لتصنيع الأسلحة.
ويدعي جيش الاحتلال بانه يقوم بتنفيذ ما اسماه "إدارة محسوبة للمخاطر". بحيث يمكن المساعدات الإنسانية من المرور عبر معابر القطاع، في حين يبقي على مراقبته لكل شيء، وخصوصا المنافذ الى حماس التي "تحاول استغلال المساعدات المخصصة لسكان غزة المدنيين"، وفق مصطلح الكاتب.
.jpg)
الفقر والأمن
لقد افضت مجموعة من العوامل بقطاع غزة الى ان يصل الى الوضع الحالي القاسي، مثل: الحروب المتلاحقة، والحصار المحكم، والعزلة عن المحيط والعالم، والصراعات والمنافسات الداخلية بين الفصائل، وخصوصا حماس وفتح.
وفي العام 2017، قام الرئيس الفلسطيني محمود عباس بقطع الرواتب عن (60) ألف موظف حكومي في قطاع غزة، يشكلون ما نسبته (30%) من اجمالي الموظفين الحكوميين. وقد ترك هذا التقليص الموظفين امام خيارات قليلة جدا، تتراوح بين عدم القدرة على الإنفاق في المتاجر والأسواق، وصعوبات في سداد القروض المصرفية.
وفي ذات السياق، تضاعفت قيمة الشيكات المرتجعة في قطاع غزة من (37) مليون دولار للعام 2015، الى (62) مليون دولار للعام 2016، ثم قفز قفزة هائلة مرة أخرى إلى (112) مليون دولار في العام 2017، وفقا لبيانات سلطة النقد الفلسطينية.
.jpg)
وقد أدى التدهور في القوة الشرائية الى انخفاض في الواردات عبر المعبر التجاري المتبقي مع إسرائيل، حيث بلغ عدد الشاحنات المحملة (350) شاحنة يوميا في الوقت الحالي، مقارنة ب (800) شاحنة في الربع الأخير من عام 2017.
وفي هذا السياق، قام بعض التجار باتخاذ مبادرة خيرية في شهر كانون الأول 2017، عندما عرضوا شطب ديون الزبائن غير القادرين على التسديد، تحت اسم "سامح تؤجر". وقد حظيت هذه المبادرة بتأييد جميع الفصائل في غزة. غير ان حجم الديون كان كبيرا جدا، وأكبر من ان تستوعبه مبادرة ضيقة النطاق كهذه.
وتعقيبا على هذا الوضع، قال ماهر الطباع، وهو خبير اقتصادي في قطاع غزة: "لقد دخل قطاع غزة الى الموت السريري، والوضع بحاجة الى حلول جذرية، وحلول حقيقية ومستدامة، غير مؤقتة ولا قصيرة الأجل".
.jpg)
وفي مشهد اخر من مشاهد المعضلة الاقتصادية في قطاع غزة، يظهر صهيب، وشادي، وأحمد، الذين يقومون "بنبش" القمامة في مجمعات القمامة شمال القطاع. يبحثون عن البلاستيك لبيعه إلى مصانع إعادة التدوير. علما ان والدهما كان موفقا في عمل جيد في إسرائيل، الى ان فقد عمله، مثل الالاف من الغزيين، قبل أكثر من عقد من الزمن، عندما أغلقت إسرائيل الباب أمام آلاف العمال الفلسطينيين بعد سيطرة حماس على السلطة في قطاع غزة.
وقال صهيب، 19 عاما، من بلدة بيت لاهيا: "لقد اعتدت القيام بهذه المهمة منذ زمن، فهي الخيار الوحيد المتوفر".
وكل ما نكسبه الان يكفي فقط "للبقاء على قيد الحياة". وقال: "لقد انخفض الثمن الذي نحصله مقابل البلاستيك الذي نشتري من الناس مباشرة بنسبة (80%). كما قلت وفرة هذه العبوات ايضا. فمع تراجع فرص العمل والدخل، قل معه استهلاك الناس للمنتجات والأغذية المعبأة في عبوات بلاستيكية".
.jpg)
والسؤال السائد في غزة الان هو "ما إذا كانت الظروف الصعبة ستجعل الفلسطينيين أكثر ميلا واتجاها لتشجيع الهجمات على إسرائيل". وفي هذا السياق، قال علي الحايك، رئيس جمعية رجال الأعمال الفلسطينيين في غزة، "أن التدهور التام للاقتصاد الغزي سيؤدي إلى ظهور وضع من عدم الاستقرار الشامل، الذي لن يكون في مصلحة أحد".
وأضاف ان "غزة تعيش ازمة انسانية حقيقية، وان الانهيار الاقتصادي سيؤدى الى انهيار امنى تنتج عنه اضطرابات تطال المجتمع الدولي وإسرائيل".
ترجمة: ناصر العيسة، عن: "رويترز"


