الطيبة.. أرض البشارة في مواجهة اعتداءات المستوطنين
وطن للأنباء: الطيبة، البلدة العريقة الواقعة إلى الشرق من رام الله، ليست مجرد قرية في الجغرافيا الفلسطينية، بل حكاية إيمان متجذرة في الأرض والتاريخ؛ فقد كانت، ملاذاً للسيد المسيح وتلاميذه، ومنها حملت البشارة رسالتها إلى العالم. واليوم، تقف هذه البلدة أمام خطر متصاعد يتمثل في اعتداءات المستوطنين ومحاولات اقتلاع أهلها من أرضهم وتهجيرهم وطمس هويتها المسيحية والتاريخية، في استهداف لا يطال حاضر الطيبة فحسب، بل يهدد ذاكرة فلسطين وتراثها وتنوعها الديني والإنساني. فالطيبة، بأهلها وكنائسها وتراثها، شاهد حي على عراقة الحضور المسيحي الفلسطيني، وحمايتها هي حماية لجزء أصيل من تاريخ فلسطين وذاكرتها وهويتها.
.png)
يقول الأب بشار فواضلة، كاهن رعية المسيح الفادي للاتين في الطيبة، لوطن للأنباء: الطيبة تاريخيا هي بلدة عريقة تعود إلى أكثر من 4000 سنة وهي من أوائل البلدات والقرى والمدن الفلسطينية التي آمنت بالسيد المسيح.
ويضيف: ما نعانيه اليوم هو معاناة مستمرة من متطرفين، لا يمتون إلى الإنسانية بصلة. يقتلون كما يشاؤون، وينهبون كما يشاؤون، ولا توجد محاسبة أو وقفة جادة من المجتمع الدولي تجاه ما يحدث.
ولا تقتصر الاعتداءات على الأراضي الزراعية والممتلكات الخاصة، بل امتدت إلى المنشآت الاقتصادية التي تشكل مصدر رزق لعائلات في البلدة.
.png)
يقول رولاند بصير، صاحب كسارة ومصنع باطون في الطيبة، لوطن للأنباء: "لدينا كسارة ومحاجر ومصنع باطون منذ عام 2006. بدأت اعتداءات المستوطنين تتصاعد شهراً بعد شهر وأسبوعاً بعد أسبوع، إلى أن وصل الأمر إلى اقتحام الكسارة وتكسير محتوياتها وإحراق باجر الجنزير في شهر أيلول/سبتمبر 2025. كما بدأوا بإحضار الأبقار والأغنام إلى الكسارة، ومنعونا حتى الآن من العمل بشكل طبيعي. هناك مضايقات وتكسير وتخريب بشكل متكرر، وأي شخص ينزل إلى المنطقة يتعرض للاعتداء، وحاولوا إطلاق النار علينا عندما اعترضنا على ذلك."
وبحسب بلدية الطيبة، فإن مساحة واسعة من أراضي البلدة باتت خارج قدرة أصحابها على الوصول إليها، ما يهدد مصدر رزق أساسي للسكان، ولا سيما قطاع الزراعة وزراعة الزيتون.
ويؤكد سليمان حورية، رئيس بلدية الطيبة، لوطن للأنباء: "نتعرض يومياً لانتهاكات المستوطنين. ومن أبرز هذه الانتهاكات منعنا من الوصول إلى أراضينا. نحو 16 ألف دونم من أصل 24 ألف دونم، وهي أراضٍ مسجلة بأسماء أصحابها وفق الطابو القديم، لم يعد بإمكاننا الوصول إليها، بما فيها أشجار الزيتون التي يعتمد كثير من الناس على إنتاجها وموسمها."
.png)
ورغم المكانة الدينية والتاريخية التي تتمتع بها الطيبة، ورغم الزيارات والاتصالات الدولية التي هدفت إلى تسليط الضوء على ما يجري، يقول أهالي البلدة إن الاعتداءات لم تتوقف، بل طالت الأراضي الزراعية والمصالح الاقتصادية والمواقع الدينية والتاريخية.
ويضيف سليمان حورية: "وصلت شكاوانا إلى الكونغرس الأميركي، كما زار البلدة نحو ستة عشر قنصلاً وسفيراً، من بينهم السفير أو القنصل الأميركي، ووصل إليها وزير الخارجية الألماني. عندما يصل مسؤول بهذا المستوى إلى قرية صغيرة مثل الطيبة ونشرح له حجم الانتهاكات، كنا نأمل أن ينعكس ذلك على الأرض، لكن للأسف لم نلمس تغييراً حقيقياً."
وتتجاوز المخاوف حدود الطيبة، لتتصل بما يصفه الأهالي بمشهد أوسع من الاعتداءات التي تشهدها قرى وبلدات شرق رام الله، حيث تتكرر الاعتداءات على الممتلكات والأراضي والمواشي والمركبات.
يقول الأب بشار فواضلة: "التخوفات الموجودة لدى سكان الطيبة هي نفسها التخوفات الموجودة لدى سكان مناطق شرق رام الله، التي تعاني من الهجمات والعنف وحرائق البيوت والسيارات والأراضي، والاعتداءات على الممتلكات والأغنام والمواشي. نحن نعاني من المعاناة نفسها، ومخاوفنا واحدة."
.png)
ورغم الضغوط، تتمسك الطيبة بالبقاء والصمود، وترى في وجودها استمراراً لذاكرة فلسطينية ومسيحية ضاربة في جذور التاريخ.
يقول سليمان حورية: "رسالتي إلى أبناء بلدي هي الصمود على الأرض رغم انتهاكات المستوطنين. نحن متجذرون في هذه الأرض، ولا يمكن أن نخرج من بيوتنا مهما فعلوا، لأننا لا مكان لنا إلا هذه الأرض."
ويضيف الأب بشار فواضلة: "رسالتي هي رسالة صلاة. نحن كمسيحيين نؤمن بأن الصلاة تصنع المعجزات، ولذلك أدعو الجميع إلى أن نبقى نصلي، كلٌّ بطريقته، من أجل تحقيق السلام والعدالة في هذه الأرض."
الطيبة، التي ارتبط اسمها بذاكرة المسيحية في فلسطين، تجد نفسها اليوم أمام اختبار جديد: كيف تحافظ على أهلها وأرضها وهويتها في ظل واقع استيطاني وضغوط متصاعدة؟ وبين الاعتداءات والخوف على المستقبل، يصر سكانها على البقاء، متمسكين بأرضهم وكنائسهم وبيوتهم، ومؤكدين أن الطيبة ليست مجرد مكان، بل جزء من ذاكرة فلسطين الدينية والتاريخية والإنسانية.
ويحظر القانون الدولي الإنساني استهداف الممتلكات والأعيان الثقافية والدينية المحمية، كما يفرض حماية الأماكن ذات القيمة الدينية والتاريخية أثناء النزاعات المسلحة. ويُعد تعمد استهداف الأعيان المحمية في ظروف محددة انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي الإنساني وقد يرتقي إلى جريمة حرب وفق أحكام القانون الدولي.



