خلال منصة مواطنات: كيف نواجه التضليل الرقمي الذي يهدد نزاهة الانتخابات؟

11.08.2026 04:39 PM

وطن للأنباء: حذّر خبراء في الإعلام والسلم الأهلي من تصاعد مخاطر المعلومات المضللة وخطاب الكراهية خلال الاستحقاقات الانتخابية الفلسطينية المقبلة، مؤكدين أن المعركة الانتخابية لم تعد تبدأ يوم فتح صناديق الاقتراع، وإنما قبل ذلك بكثير عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث يمكن لخبر كاذب أو فيديو مجتزأ أو حساب وهمي أن يؤثر في توجهات الناخبين ويعيد تشكيل المزاج العام.

جاء ذلك خلال حلقة من منصة "مواطنات"، التي أطلقتها جمعية المرأة العاملة الفلسطينية للتنمية بالشراكة مع شبكة وطن الإعلامية، واستضافت مديرة مرصد "كاشف" الفلسطيني للتحقق والتربية الإعلامية ريهام أبو عيطة، والخبير في قضايا السلم الأهلي ومدير مؤسسة التعاون لحل الصراعات هاني سميرات، في نقاش تناول تأثير التضليل الرقمي وخطاب الكراهية على الانتخابات الفلسطينية المقبلة.

وقالت أبو عيطة إن المعلومات المضللة لا يمكن التعامل معها باعتبارها ظاهرة عابرة، مشيرة إلى أن مرصد "كاشف" رصد خلال الانتخابات المحلية، وكذلك خلال تجارب انتخابية سابقة، ارتفاعاً كبيراً في الادعاءات والأخبار المضللة المرتبطة بالمرشحين والفصائل والعملية الانتخابية نفسها.

وأضافت أن خطورة الظاهرة تكمن في كون جزء من هذه الحملات منظماً، وليس مجرد تداول عفوي لمعلومات خاطئة، لافتة إلى انتشار صفحات ومجموعات عبر واتساب وتيليغرام وتيك توك وغيرها، بعضها مجهول المصدر، وتتمتع بأعداد كبيرة من المتابعين رغم عدم وضوح الجهة التي تقف خلفها.

الذكاء الاصطناعي.. سلاح جديد في معركة التضليل
وحذّرت أبو عيطة من أن تطور أدوات الذكاء الاصطناعي قد يجعل التحقق من الصور ومقاطع الفيديو والتسجيلات الصوتية أكثر صعوبة، موضحة أن بعض المحتويات المولدة أو المعدلة بالذكاء الاصطناعي في تجارب دولية باتت تتمتع بدرجة عالية من الاحتراف، بما يصعّب اكتشافها بالعين المجردة.

وأشارت إلى أن مستوى الاحتراف في استخدام هذه الأدوات للتضليل داخل فلسطين لم يصل، وفق تجربتها، إلى المستويات التي تشهدها بعض الدول، إلا أن هناك مؤشرات على تنامي صفحات مجهولة المصدر تنشر محتوى يصعب أحياناً التحقق منه، ما يرفع من مستوى الخطورة مع اقتراب الانتخابات.

بدوره، فرّق سميرات بين الخبر الكاذب والخبر المضلل، موضحاً أن الخبر الكاذب قد ينتشر بصورة عفوية نتيجة عدم تدقيق المستخدمين، بينما يكون الخبر المضلل في كثير من الأحيان منظماً وتقف خلفه جهة تسعى إلى التأثير في توجهات الجمهور.

وقال إن خطورة التضليل لا تقتصر على تغيير المواقف السياسية، وإنما قد تمتد إلى زيادة الاستقطاب والاحتقان وتهديد السلم الأهلي، خصوصاً في المجتمعات التي تعاني أصلاً من انقسامات سياسية واجتماعية.


حملات التشويه تستهدف النساء بشكل خاص
وتناولت أبو عيطة جانباً آخر من التضليل الرقمي، يتمثل في الحملات التي تستهدف النساء المرشحات والصحفيات والمدافعات عن حقوق المرأة، موضحة أن الهجوم لا يركز في كثير من الأحيان على البرامج أو المواقف السياسية، وإنما يتجه إلى المظهر والملابس والحياة الشخصية والسمعة.

وأكدت أن هذا النوع من التضليل يمثل شكلاً من أشكال الإقصاء السياسي، مشيرة إلى أن مرصد "كاشف" رصد حملات ممنهجة ضد النساء والحركة النسوية في فلسطين، وأن بعض النساء اللواتي تعرضن للتنمر والتشهير والتهديد لجأن إلى الجهات المختصة دون أن يتمكنّ دائماً من الوصول إلى المسؤولين عن هذه الصفحات والحسابات.

وشددت على أن العبارة الشائعة "ما في دخان بدون نار" يمكن أن تتحول إلى مدخل خطير لتبرير تداول الشائعات، مؤكدة أن بعض حملات التشويه تكون مخططة مسبقاً، وأن انتشار الادعاء لا يعني بالضرورة صحته.


من خطاب الكراهية إلى تهديد السلم الأهلي
من جهته، حذّر سميرات من أن خطاب الكراهية والتضليل والتنمر الإلكتروني يمكن أن تتحول، في سياق انتخابي شديد الاستقطاب، إلى عوامل تهدد التماسك الاجتماعي.
وأشار إلى أن المجتمع الفلسطيني يواجه انقسامات متعددة، بينها الانقسام السياسي والحزبي والانقسامات الاجتماعية والعائلية، محذراً من أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لتغذية هذه الانقسامات قد يترك آثاراً طويلة الأمد تتجاوز فترة الانتخابات.
وأكد أن الإعلام لا يصنع النزاعات بالضرورة، لكنه يستطيع إعادة صياغتها وتضخيمها أو المساهمة في تخفيفها، مشدداً على أن المحتوى الإعلامي قد يؤدي دوراً مهماً في تعزيز الانسجام المجتمعي، كما يمكن أن يسهم، إذا استخدم بصورة سلبية، في تعميق الانقسام ونزع الإنسانية عن الطرف الآخر.

ولفت إلى أن التجربة الفلسطينية خلال سنوات الانقسام أظهرت خطورة الخطاب الإعلامي التحريضي، محذراً من أن استمرار حملات التشهير والتخوين والتحريض قد يحول المنافسة الانتخابية من تنافس على البرامج والسياسات إلى صراع يقوم على الكراهية وتشويه الخصوم.

ثلاثة فلاتر قبل الضغط على زر المشاركة
وقدمت أبو عيطة للمواطنين ثلاث خطوات أساسية للتحقق من المحتوى قبل مشاركته، داعية إلى استخدام ما وصفته بـ"الفلاتر الثلاثة": العاطفي، والمنطقي، والبصري.
وأوضحت أن الفلتر العاطفي يعني التوقف عندما يثير الخبر غضب المستخدم أو فرحه أو انحيازه، وعدم مشاركته مباشرة؛ فيما يتعلق الفلتر المنطقي بالسؤال عن مصدر الخبر، ولماذا وصل إلى المستخدم، وما إذا كان منطقياً ومتسقاً مع المعلومات المتاحة.
أما الفلتر البصري، فيتطلب التدقيق في الصور ومقاطع الفيديو والتصميم والأخطاء اللغوية والتشوهات البصرية، خصوصاً مع تزايد استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي.

وأكدت أن المواطن لا يحتاج إلى امتلاك مهارات متقدمة للتحقق من كل معلومة، وإنما يحتاج إلى التمهل لبضع دقائق قبل المشاركة، مشيرة إلى إمكانية إحالة الادعاءات المشكوك فيها إلى منصات التحقق المتخصصة.


دعوة للجنة الانتخابات لتشكيل ائتلاف إعلامي
ودعا سميرات لجنة الانتخابات المركزية إلى تشكيل ائتلاف إعلامي يضم المؤسسات الإعلامية، ومنصات التحقق، ومؤسسات المجتمع المدني، إلى جانب المؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي، بهدف مواجهة المعلومات المضللة بصورة سريعة ومنظمة.
وأكد أن سرعة الاستجابة للشائعة تعد عاملاً حاسماً، لأن التأخر في تصحيح المعلومة يمنحها فرصة أكبر للانتشار، مشدداً على ضرورة تعزيز قنوات التواصل بين لجنة الانتخابات ووسائل الإعلام ومنصات التحقق خلال فترة الانتخابات.

كما دعا إلى تطوير آليات للإنذار المبكر ترصد ارتفاع مؤشرات خطاب الكراهية والتضليل، بما يسمح بالتدخل قبل تحولها إلى أزمة مجتمعية واسعة.

من جانبها، أكدت أبو عيطة أهمية استمرار التنسيق بين مرصد "كاشف" ولجنة الانتخابات المركزية، مشيرة إلى أن اللجنة أظهرت خلال الانتخابات المحلية الأخيرة اهتماماً أكبر بالإعلام الرقمي، ودعت إلى مواصلة هذا التطور وعدم التقليل من أهمية أي شائعة، لأن الادعاءات الصغيرة قد تتراكم وتؤثر في الجمهور.


حماية الناخب تبدأ قبل الصندوق
واتفق الضيفان على أن مسؤولية مواجهة التضليل لا تقع على المؤسسات الرسمية والإعلامية وحدها، وإنما تشمل المواطن والمؤثرين ومنصات التواصل والمجتمع المدني.

وأكد سميرات أن الناخب مطالب بالتركيز على البرامج الانتخابية ومدى ملاءمتها لطموحاته، بدلاً من بناء قراره على أخبار تتضمن التخوين أو الكراهية أو الاتهامات غير الموثقة.

وتخلص الحلقة إلى أن نزاهة الانتخابات لا تتوقف عند حماية صناديق الاقتراع والمراقبين والإجراءات القانونية، بل تبدأ أيضاً من ضمان حق المواطن في الوصول إلى معلومات صحيحة، وحق المرشح في منافسة عادلة، ومسؤولية الإعلام في التحقق، وقدرة المجتمع على رفض التحريض وخطاب الكراهية.

وفي ظل اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، تبدو معركة الوعي واحدة من أهم المعارك التي سترافق العملية الانتخابية، إذ إن الناخب قد يصل إلى الصندوق بورقة انتخابية سليمة، لكن القرار الذي يضعه فيها قد يكون قد تشكل مسبقاً تحت تأثير معلومة مضللة أو حملة تشويه منظمة.

تصميم وتطوير