خلال منصة مواطنات.. "امرأة من كل ثلاثة مرشحين".. هل تكفي الكوتا لضمان وصول النساء إلى مواقع التأثير وصناعة القرار؟
وطن للأنباء: تفتح التعديلات الجديدة على قانون الانتخابات الفلسطينية بابًا جديدًا أمام مشاركة النساء سياسيًا، مع إلزام القوائم الانتخابية بوجود امرأة من بين كل ثلاثة مرشحين، إلا أن هذا التعديل يطرح سؤالًا أوسع من مجرد رفع نسبة التمثيل النسوي: هل تكفي الكوتا لضمان وصول النساء إلى مواقع التأثير وصناعة القرار، أم أنها قد تتحول إلى مجرد حضور عددي داخل القوائم والبرلمان؟
وفي حلقة جديدة من منصة مواطنات التي أطلقتها جمعية المرأة العاملة الفلسطينية للتنمية بالشراكة مع شبكة وطن الإعلامية، ناقشت الخبيرة القانونية والناشطة النسوية لونا عريقات ومديرة مركز الدراسات النسوية ساما عويضة حدود التعديل الجديد، وتحديات مشاركة النساء في الحياة السياسية، مؤكدتين أن الكوتا تمثل خطوة إيجابية، لكنها لا تشكل نهاية الطريق نحو شراكة سياسية حقيقية.
وقالت لونا عريقات إن الكوتا تمثل ضمانة مهمة لوجود النساء ضمن القوائم الانتخابية، لكنها شددت على أن المطلوب لا يقتصر على وضع امرأة ضمن الأسماء الثلاثة الأولى، وإنما ضمان حضور النساء وفق الكفاءة والخبرة والقدرة، بحيث لا تتحول الكوتا إلى مجرد التزام شكلي من الأحزاب.
وأشارت عريقات إلى أن الصيغة الجديدة لا تحقق بعد المساواة السياسية الكاملة بين النساء والرجال، خصوصًا أنها لا تضمن وحدها نتيجة انتخابية واضحة، معتبرة أن العالم تجاوز في العديد من التجارب نسبة الثلاثين بالمئة باتجاه تمثيل أكثر توازنًا يصل إلى 40 و50 بالمئة.
وأكدت أن القضية الأساسية لا تتعلق فقط بعدد النساء اللواتي سيدخلن البرلمان، بل بمدى امتلاكهن القدرة والتأثير داخل مواقع صنع القرار، موضحة أن وجود المرأة في القائمة أو البرلمان لا يعني تلقائيًا مشاركتها في «المطبخ الحقيقي» لصناعة القرار.
من جهتها، اعتبرت ساما عويضة أن الكوتا "خطوة على الطريق"، لكنها حذرت من أن التحدي الأكبر يكمن في المعايير التي ستعتمدها الأحزاب لاختيار النساء. وقالت إن الخشية تتمثل في أن تلتزم الأحزاب بالنص القانوني، ثم تختار نساء يمكن تهميشهن بسهولة، بدل الاستثمار في نساء يمتلكن الخبرة والكفاءة والقدرة على التأثير.
وشددت عويضة على أن السؤال لا يجب أن يكون فقط: هل وصلت المرأة إلى البرلمان؟، بل: هل مُنحت دورا حقيقيا في اتخاذ القرار وصناعة السياسات؟، محذرة من أن تتحول النساء إلى مجرد أرقام تستكمل بها القوائم متطلبات القانون.
المشكلة تبدأ قبل الانتخابات
وتطرقت الضيفتان إلى واقع مشاركة النساء داخل الأحزاب الفلسطينية، حيث أكدت عريقات أن الالتزام السابق من جانب الأحزاب بنسبة 30% في مواقع صنع القرار لم ينعكس بالشكل الكافي على الواقع، معتبرة أن المشاركة النسوية تحتاج إلى إيمان حقيقي بالشراكة وليس مجرد التزام مكتوب.
وأشارت إلى أن العوائق أمام النساء لا تقتصر على القانون، بل تشمل آليات تشكيل القوائم والحسابات الانتخابية والعشائرية، إضافة إلى محدودية الحياة الحزبية، ودور الإعلام، والتنمر الذي تتعرض له بعض الناشطات والسياسيات.
أما عويضة، فرأت أن الثقافة المجتمعية لا تزال تشكل عائقًا أمام مشاركة النساء، معتبرة أن بعض النساء أنفسهن قد يتأثرن بهذه الثقافة التي تقدم العمل السياسي باعتباره مجالًا لا يناسبهن.
وقالت إن الحل يبدأ من التربية والتعليم والإعلام، ومن إعادة النظر في الصورة التي تقدمها المناهج وقصص الأطفال عن أدوار النساء والرجال، مؤكدة أن الاستثمار في النساء ليس قضية نسوية فقط، بل قضية تتعلق بكفاءة المجتمع وقدرته على مواجهة تحدياته.
من "امرأة من كل ثلاثة" إلى "نساء شريكات في القرار"
وأكدت عريقات أن نجاح الكوتا لا ينبغي أن يقاس بعدد النساء اللواتي يصلن إلى البرلمان فقط، وإنما بمدى انعكاس وجودهن على السياسات والقوانين والقرارات، وبقدرة البرلمان على التعامل مع قضايا النساء والقضايا الاجتماعية باعتبارها جزءًا من السياسة الوطنية العامة.
ودعت إلى إصلاحات قانونية ومؤسسية أوسع تشمل التمكين الاقتصادي للنساء، وتعزيز الحماية القانونية، وضمانات المشاركة السياسية، وبناء منظومة تشريعية تقوم على المساواة والإنصاف.
بدورها، دعت عويضة إلى تجاوز التعامل مع الكوتا باعتبارها غاية بحد ذاتها، والانتقال إلى معيار أكثر أهمية يتمثل في الكفاءة والاستثمار في الموارد البشرية، مؤكدة أن المجتمع الفلسطيني لا يستطيع تحمل استبعاد نصف موارده البشرية من مواقع التأثير.
المجلس التشريعي المقبل أمام اختبار حقيقي
وفي ختام النقاش، اتفقت الضيفتان على أن المجلس التشريعي المقبل سيكون أمام مسؤولية مراجعة القوانين التي تمس حقوق النساء، وتطويرها باتجاه تعزيز المساواة وعدم التمييز، إلى جانب فتح المجال أمام النساء والرجال على أساس الكفاءة والقدرة والاستعداد لتحمل المسؤولية العامة.
وتخلص الحلقة إلى أن التعديل الذي يفرض وجود امرأة من كل ثلاثة مرشحين قد يفتح الباب أمام حضور نسوي أوسع في البرلمان، لكنه لا يضمن وحده الشراكة السياسية. فالمعركة الحقيقية، كما برز في النقاش، تبدأ داخل الأحزاب قبل الانتخابات، وتستمر داخل البرلمان بعد إعلان النتائج.
فالسؤال لم يعد فقط: كم امرأة ستصل إلى البرلمان؟ بل: كم امرأة ستشارك فعليًا في صناعة القرار؟



