الشهداء المحتجزة جثامينهم.. جرح مفتوح

30.07.2026 04:04 PM

وطن للأنباء: لكل عائلة فلسطينية فقدت ابنًا وجعٌ لا ينتهي. غير أن معاناة مئات العائلات لا تتوقف عند لحظة الاستشهاد، بل تمتد مع استمرار سلطات الاحتلال الإسرائيلي في احتجاز جثامين أبنائها في مقابر الأرقام والثلاجات، في سياسة تحرمهم من أبسط الحقوق الإنسانية والدينية، وتمنعهم من وداع أحبّتهم ودفنهم بما يليق بكرامتهم.

يقول حسين شجاعية، منسق الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء، لوطن للأنباء، "في الثقافة الفلسطينية، لا يُعد الدفن مجرد إجراء، بل حق إنساني وديني، وطقس أخير يمنح العائلة فرصة الوداع، ويجسد احترام كرامة الإنسان بعد وفاته. إلا أن هذا الحق ما زال مسلوباً عن مئات العائلات التي تنتظر منذ سنوات استرداد جثامين أبنائها.

توضح رانيا عطايا، شقيقة الشهيد رشدي عطايا، لوطن للأنباء، "لا يوجد قبر لشقيقي، أنا أتسأل في نفسي أين قبره، قد لم يستشهد، ولو كان مستشهدا لكان له قبرا نذهب إليه ونقرأ له الفاتحة وندعو له".

ووفقًا لما وثقته الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء حتى منتصف عام 2026، ما زالت سلطات الاحتلال تحتجز 789 جثمانًا في مقابر الأرقام والثلاجات، بينهم 99 شهيدًا من الحركة الأسيرة ارتقوا داخل السجون، و10 شهيدات، و78 طفلًا دون الثامنة عشرة، إلى جانب أعداد كبيرة من شهداء ومفقودي قطاع غزة، في ظل غياب أي معلومات رسمية عن مصيرهم، ورفض الاحتلال الكشف عن أماكن وجودهم أو أوضاعهم.

وبين أرقام الإحصاءات، تختبئ حكايات لا تنتهي، وعائلات توقفت حياتها منذ لحظة الفقد، وما تزال تعيش على أمل استعادة جثمان عزيز غاب جسده وبقي حضوره في الذاكرة.

يقول إياد قعد شقيق الشهيد فادي قعد، لوطن للأنباء، إن احتجاز جثمان الشهيد هو جرح مفتوح، وحياة كل إنسان جثمان ابنه محتجز توقفت حياته في ذلك اليوم، ونحن توقفت حياتنا منذ تاريخ 29.5.2020  حتى اليوم.

وتضيف رانيا عطايا شقيقة الشهيد رشدي عطايا، " كنت كل يوم أذهب معه للصلاة، وحتى اليوم اتخيل نفسي أنني ذاهب معه للصلاة يوميا".

وتؤكد سهير البرغوثي، والدة الشهيد صالح البرغوثي، "هذا وجع كبير.. أناشد كل من لديه ضمير حي أن يساعدنا في استرداد جثامين أبنائنا".

ولا تقتصر معاناة ذوي الشهداء على احتجاز الجثامين، بل تمتد إلى مخاوف متزايدة بشأن تعرضها لسرقة الأعضاء البشرية، وهي مخاوف تستند إلى شهادات وتسريبات واعترافات إسرائيلية سابقة، ما يضاعف من آلام العائلات ويثير تساؤلات خطيرة حول مصير الجثامين المحتجزة.

وتضيف سهير البرغوثي، "علمنا أن ابني استشهد وقاموا باستئصال كبده، وفق ما أخبرنا طبيب يعمل في المستشفى الذي كان وصل إليه ابني".

ويشير مختصون إلى أن هذه المخاوف لا تنبع من الشائعات، بل تستند إلى اعترافات موثقة، أبرزها ما صدر عن المدير السابق لمعهد الطب العدلي الإسرائيلي "أبو كبير"، يهودا هيس، الذي أقر سابقًا بأخذ أنسجة وأعضاء من جثامين وصلت إلى المعهد، بينها قرنيات العيون والجلد، كما كشف عن استخدام بعض الجثامين لأغراض تعليمية وبحثية في مراكز طبية وجامعات إسرائيلية.

ويؤكد منسق الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء، حسين شجاعية، أن هذه المخاوف لا تستند إلى الشكوك وحدها، بل إلى وقائع واعترافات إسرائيلية موثقة. ويشير إلى أن المدير السابق لمعهد الطب العدلي الإسرائيلي "أبو كبير"، يهودا هيس، أقر في وقت سابق بأخذ أعضاء وأنسجة من جثامين وصلت إلى المعهد، من بينها الجلد وقرنيات العيون، كما كشف أن المعهد نقل بعض الجثامين إلى مراكز طبية وجامعات لاستخدامها في الأبحاث والتجارب.

ويضيف شجاعية أن وثائق وبيانات رسمية إسرائيلية تشير إلى امتلاك "إسرائيل" واحداً من أكبر بنوك الجلد البشري، لافتاً إلى أن جزءاً من هذه الأنسجة، وفق ما تؤكده الحملة، استُخرج من جثامين نُقلت إلى معهد "أبو كبير"، بما في ذلك جثامين شهداء فلسطينيين محتجزة لدى الاحتلال.

ورغم أن عام 2011 شهد استرداد أول جثمان من مقابر الأرقام بعد احتجاز استمر 34 عاماً، كما نجحت الجهود القانونية لاحقًا في استعادة نحو 420 جثماناً، فإن مئات الجثامين ما تزال محتجزة حتى اليوم، في ظل استمرار المحاكم الإسرائيلية برفض الإفراج عنها، مستندة إلى أنظمة الطوارئ البريطانية لعام 1945، والتي يعتبرها حقوقيون مخالفة للقانون الدولي، بل ومتعارضة مع مبادئ قانونية معمول بها داخل دولة الاحتلال نفسها.

يقول إياد قعد شقيق الشهيد فادي قعد، "طالبنا بجثمان شقيقي من خلال مركز القدس للمساعدة القانونية، لكن المحكمة الإسرائيلية تؤجل القضية وتقول إنها ليست قضية قانونية بل سياسية لحين صدور قرار بالتسليم".

وتضيف سهيرالبرغوثي،والدة الشهيد صالح البرغوثي، "بدنا ولادنا.. احنا بدنا ولادنا حتى ندفنهم".

وتؤكد راني عطايا شقيق الشهيد رشدي عطايا، "إكرام الشهيد يعني دفنه".

ويؤكد خبراء القانون الدولي أن احتجاز جثامين الموتى يشكل انتهاكًا جسيمًا لأحكام القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، إذ تحظر اتفاقيات جنيف هذه الممارسة، وتُلزم سلطة الاحتلال باحترام كرامة الموتى، وتسهيل تسليم جثامينهم ودفنها بما يحفظ كرامتهم ويصون حقوق ذويهم.

وبين نصوص القانون وصمت المجتمع الدولي، تبقى مئات العائلات الفلسطينية عالقة بين الفقد والانتظار، محرومة من حق الوداع، فيما تظل الجثامين المحتجزة شاهدًا على واحدة من أكثر السياسات إيلامًا، التي لا تنتهي عند قتل الإنسان، بل تمتد إلى حرمانه من حقه الأخير... أن يُدفن بكرامة.

تصميم وتطوير