خلال منصة مواطنات.. "الصورة كسلاح والذاكرة كدليل".. شباب وشابات فلسطين يقودون معركة التوثيق والعدالة من قلب الحرب
شعوان جبارين: ما يوثقه شباب غزة اليوم قد يتحول غدًا إلى أدلة إدانة أمام المحاكم الدولية
بدر زماعرة: الشباب الفلسطيني أعاد تعريف التوثيق في زمن الحرب الرقمية.. والصورة أصبحت جزءًا من معركة العدالة والرواية
وطن للأنباء: أكد المشاركون في حلقة جديدة من منصة “مواطنات” التي أطلقتها جمعية المرأة العاملة الفلسطينية للتنمية بالشراكة مع شبكة وطن الإعلامية، أن التوثيق الرقمي الذي يقوده الشباب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية تحوّل من مجرد نقل للأحداث إلى “فعل مقاومة وحماية”، في ظل الحرب المستمرة والانتهاكات الواسعة التي يتعرض لها الفلسطينيون.
وشارك في الحلقة مدير عام مؤسسة “الحق” شعوان جبارين، والخبير في القانون الدولي ومدير منتدى “شارك” الشبابي الدكتور بدر زماعرة، حيث ناقشا دور الشباب والشابات في توثيق الجرائم والانتهاكات، وإمكانية تحويل الصور والفيديوهات والشهادات الرقمية إلى أدلة قانونية في مسارات العدالة الدولية.
جبارين: شباب غزة صنعوا “معركة الرواية”
وقال شعوان جبارين إن ما جرى في غزة خلال الحرب الأخيرة شكّل تحولًا غير مسبوق في مفهوم التوثيق، موضحًا أن الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي مكّنت الفلسطينيين من نقل الحقيقة لحظة بلحظة، رغم القصف والحصار ومنع دخول الصحفيين الأجانب.
وأضاف:
“في السابق لم تكن هذه الأدوات متوفرة بهذا الشكل، أما اليوم فأصبح المواطن نفسه قادرًا على التقاط الصورة والصوت ونقل الرواية فورًا، وهذا خلق ثورة حقيقية في التوثيق.”
وأشار إلى أن صحفيي غزة والمواطنين العاديين لعبوا دورًا استثنائيًا في نقل الصورة الحقيقية للعالم، قائلًا:
“غزة أبدعت رغم الألم الهائل، والصحفيون والمواطنون تعاونوا لإخراج صورة حقيقية وصوت حقيقي ومعلومة حقيقية، وهذا شيء لافت ومهم جدًا.”
وأكد جبارين أن الشباب الفلسطيني لم يخاطب فقط العالم، بل خاطب أيضًا أقرانه من الشباب في الجامعات العالمية، ما ساهم في خلق حراك تضامني واسع مع القضية الفلسطينية.
زماعرة: “كل شاب في غزة أصبح ناقلًا للرواية”
من جانبه، قال الدكتور بدر زماعرة إن ما جرى في غزة “غير مسبوق مقارنة بكل التجارب السابقة”، مؤكدًا أن الشباب الفلسطيني أصبح المصدر الأساسي للمعلومة بعد منع الصحفيين الدوليين من دخول القطاع.
وأضاف:
“كل شاب فلسطيني في غزة تمكن من التقاط صورة أو فيديو أصبح جزءًا من عملية التوثيق، وبعضهم تحولوا إلى مراسلين لوكالات عالمية لأنهم المصدر الوحيد للمعلومات.”
وأوضح أن كثيرًا من الجرائم، بما فيها استهداف الصحفيين والمستشفيات والأعيان المدنية، نقلها الشباب الفلسطيني من قلب الحدث، مؤكدًا:
“لولا هؤلاء الشباب لما وصلت الرسالة الفلسطينية بهذا الشكل إلى العالم.”
كيف تتحول الصورة إلى دليل قانوني؟
وتحدث الضيفان عن المعايير القانونية والفنية اللازمة لتحويل الصور والفيديوهات إلى أدلة قابلة للاستخدام أمام المحاكم الدولية.
وأوضح جبارين أن التكنولوجيا الحديثة باتت قادرة على كشف أي تلاعب بالصور أو الفيديوهات، مشيرًا إلى استخدام برامج متخصصة مثل “iWitness” التي تحفظ المواد الأصلية بشكل آمن وموثق.
وقال:
“القضاء الدولي أصبح يعتمد بشكل أكبر على الصور والفيديوهات، لكن الأساس هو التأكد من أن المادة أصلية وغير مفبركة.”
بدوره، شدد زماعرة على أهمية فهم الجوانب القانونية والأخلاقية للتوثيق، محذرًا من نشر مواد قد تُستخدم ضد الرواية الفلسطينية أو تضر بالضحايا.
وأضاف:
“الصورة قد تبني رواية كاملة أو تهدمها، لذلك يجب التحقق من المواد قبل نشرها، خاصة في ظل محاولات الاحتلال استخدام بعض المشاهد لتبرير جرائمه.”
“ثقافة الإفلات من العقاب” ما زالت تحمي الاحتلال
وحول غياب العدالة رغم وفرة الأدلة، قال جبارين إن المشكلة الأساسية تكمن في غياب الإرادة السياسية الدولية لمحاسبة الاحتلال.
وأضاف:
“ما نعانيه في فلسطين هو غياب المساءلة، وهذا خلق ثقافة عميقة من الإفلات من العقاب، يشعر معها المجرم بأنه محصن.”
وأشار إلى أن المحكمة الجنائية الدولية نفسها تتعرض لضغوط وعقوبات بسبب محاولتها ملاحقة مسؤولين إسرائيليين، معتبرًا أن ذلك يكشف “ازدواجية المعايير الدولية”.
وقال:
“هناك ثقافة استعمارية وعنصرية ما زالت تحكم جزءًا من النظام الدولي، وكأن العدالة وُجدت للآخرين فقط، لا للفلسطينيين.”
اهتمام متزايد بالقانون الدولي بين شباب غزة
وفي سياق الحديث عن وعي الشباب الفلسطيني، كشف زماعرة عن تزايد اهتمام طلبة غزة بدراسة القانون الدولي وحقوق الإنسان بعد الحرب.
وقال:
“أشرف حاليًا على رسائل ماجستير لطلبة من غزة حول جرائم الحرب والإبادة الجماعية، وهناك شغف حقيقي لدى الشباب لفهم القانون الدولي وتوثيق الجرائم.”
وأضاف:
“ربما يكون هذا هو بصيص الأمل بالنسبة لهم، فهم يؤمنون بأن هذه الجرائم لن تسقط بالتقادم.”
دعوات لتدريب الشباب على التوثيق المهني
وأكد الضيفان أهمية تطوير برامج تدريبية للشباب والصحفيين والنشطاء الفلسطينيين حول أساليب التوثيق المهني والقانوني، بما يضمن الحفاظ على الأدلة واستخدامها مستقبلًا في مسارات العدالة الدولية.
وأشار جبارين إلى أن مؤسسات حقوقية فلسطينية عملت خلال الحرب على تدريب باحثين وصحفيين ميدانيين رغم الظروف الصعبة، مؤكدًا أن حجم الكارثة يتطلب جهودًا أكبر بكثير.
“الصمود والبقاء شكل من أشكال المقاومة”
وفي ختام الحلقة، وجه زماعرة رسالة للشباب الفلسطيني، داعيًا إلى عدم فقدان الأمل رغم الحرب والحصار والانتهاكات اليومية.
وقال:
“الاحتلال يريد دفع الفلسطيني إلى اليأس، لكن البقاء والصمود بحد ذاتهما شكل من أشكال المقاومة.”
وأضاف:
“علينا أن نتسلح بالأدوات القانونية والتكنولوجية، وأن نستمر في توثيق الحقيقة لأن هذا أصبح أحد أسلحتنا الأساسية.”
واختتمت الحلقة بالتأكيد على أن الصورة الفلسطينية لم تعد مجرد مشهد عابر، بل أصبحت جزءًا من معركة الذاكرة والعدالة والرواية في مواجهة محاولات الطمس والإنكار.


