في ظل القمع الرقمي وتضييق الحريات.. شباب فلسطين يخوضون “معركة الرواية” على المنصات الرقمية
خلال منصة مواطنات.. الرقابة المحلية والاحتلالية وشركات التكنولوجيا تفرض بيئة خانقة للتعبير الفلسطيني
- دعوات لاستراتيجية وطنية تحمي المحتوى الفلسطيني وتعزز الديمقراطية الرقمية
وطن للأنباء: أكد مشاركون في حلقة جديدة من منصة “مواطنات” التي أطلقتها جمعية المرأة العاملة الفلسطينية للتنمية بالشراكة مع شبكة وطن الإعلامية، أن الفضاء الرقمي بات المساحة الأساسية أمام الشباب والشابات الفلسطينيين للتعبير عن آرائهم والمشاركة في القضايا العامة، في ظل تراجع المساحات السياسية التقليدية، محذرين في الوقت ذاته من تصاعد القمع الرقمي والانتهاكات التي تستهدف المحتوى الفلسطيني محلياً وعالمياً.
وشارك في الحلقة كل من مدير الرصد والتوثيق في المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي “حملة” أحمد القاضي، ومديرة المرصد الفلسطيني للتحقق والتربية الإعلامية “كاشف” ريهام أبو عيطة، حيث ناقشا واقع الحريات الرقمية، وانتشار التضليل الإعلامي، وآليات حماية الرواية الفلسطينية على منصات التواصل الاجتماعي.
“رقابة ذاتية” وخوف متزايد من التعبير
وقال أحمد القاضي إن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت “المساحة الأكثر استخداماً للشباب الفلسطيني للتعبير والحشد والمشاركة”، لكنها في الوقت نفسه تواجه “تضييقات متعددة من الاحتلال والمنصات الرقمية وأحياناً من السلطات المحلية والضغوط الاجتماعية والعائلية”.
وأضاف القاضي:
“70% من الشباب في الضفة الغربية يمارسون رقابة ذاتية على أنفسهم، ويفكرون مرتين أو ثلاث قبل نشر أي محتوى، وهذا رقم خطير يعكس حجم الخوف والتقييد”.
وأشار إلى أن الضغوط لا تأتي فقط عبر الاعتقالات أو الاستدعاءات، بل أيضاً من خلال “ضغوط عائلية واجتماعية وعشائرية تؤدي عملياً إلى إسكات الأصوات الناقدة”.
من جهتها، أكدت ريهام أبو عيطة أن الخوف من التعبير بات يطال مختلف المستويات، موضحة أن الكثير من الشباب يتعرضون لضغوط بسبب منشورات أو حتى تعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي.
وقالت أبو عيطة:
“أخطر ما في هذه البيئة هو الوصول إلى الرقابة الذاتية، بحيث يفكر الشخص مليون مرة قبل أن يكتب رأيه، خوفاً من الاحتلال أو السلطات أو المجتمع أو حتى تأثير ذلك على عمله ومؤسسته”.
انتشار واسع للتضليل والحسابات المجهولة
وحذرت أبو عيطة من تنامي ظاهرة الصفحات والحسابات المجهولة التي تبث الإشاعات والمعلومات المضللة، خاصة عبر تطبيقات “واتساب” و”تلغرام”، مؤكدة أن هذه الحسابات باتت أكثر تأثيراً في ظل صعوبة ملاحقتها قانونياً.
وقالت:
“أصبح لدينا كم هائل من الصفحات والحسابات المزيفة التي تضلل الناس من خارج فلسطين، ولا يوجد رادع حقيقي لها، بينما الشخص الذي يعبّر باسمه الحقيقي هو من يتعرض للمحاسبة والهجوم”.
كما لفتت إلى أن الذكاء الاصطناعي زاد من تعقيد المشهد، خصوصاً مع انتشار الصور والفيديوهات المفبركة، داعية إلى تعزيز “ثقافة التحقق والتفكير النقدي” لدى المستخدمين.
أكثر من 1200 انتهاك رقمي منذ بداية العام
وكشف القاضي أن مركز “حملة” وثّق منذ بداية العام الجاري نحو 1200 انتهاك رقمي بحق المحتوى الفلسطيني، شملت حذف وتقييد منشورات وتحريضاً رقمياً واستهدافاً لصحفيين وناشطين.
وأوضح أن هذه الانتهاكات تؤثر بشكل مباشر على الرواية الفلسطينية، قائلاً:
“الكثير من الصحفيين والناشطين باتوا غير قادرين على التعبير عمّا يشعرون به أو نقل ما يجري على الأرض بحرية، خوفاً من التحريض أو الاعتقال أو حذف المحتوى”.
دعوات لتحرك رسمي ومجتمعي
ودعا الضيفان إلى تبني استراتيجية فلسطينية شاملة لحماية الحريات الرقمية والرواية الفلسطينية، تشمل الضغط على شركات التكنولوجيا الكبرى، وتعزيز التربية الإعلامية، وتوفير حماية قانونية للمستخدمين.
وأكد القاضي أن تغيير سياسات المنصات الرقمية “ضرورة أساسية”، مشيراً إلى أن المحتوى الفلسطيني يتعرض لتمييز موثق منذ سنوات.
فيما شددت أبو عيطة على أهمية العمل الرسمي والمجتمعي المشترك، محذرة من أن استمرار التضييق الرقمي سيؤدي مستقبلاً إلى “تزييف كامل للرواية الفلسطينية” إذا لم يتم التحرك بشكل جدي.
وقالت في ختام حديثها:
“المعركة على الرواية طويلة وخطيرة، وإذا لم تكن هناك إرادة وخطط واضحة لحماية المحتوى الفلسطيني، فإن الصوت الفلسطيني سيتراجع تدريجياً في الفضاء الرقمي العالمي”.


