مجلس السلام في غزه والأونروا: لا ولاية على ولاية

كتب فتحي كليب: للمرة الثانية خلال أقل من عام، تبرز مواقف صادرة عن «مجلس السلام» تتعامل مع وكالة الغوث «الأونروا» باعتبارها مؤسسة لا مكان لها في ترتيبات غزة المستقبلية. ولا تكتسب هذه المواقف أهميتها من مضمونها السياسي فحسب، بل من السؤال السياسي والقانوني الذي تثيره: هل يملك «مجلس السلام»، الذي أنشأه مجلس الأمن في سياق ترتيبات انتقالية خاصة بقطاع غزة، صلاحية تقرير مستقبل وكالة أممية أنشأتها الجمعية العامة، أو منعها من ممارسة ولايتها في القطاع؟
هذا السؤال يجب أن يبحث أولا في ضوء الاختصاصات التي حددها قرار مجلس الأمن 2803 لعام 2025، وفي ضوء طبيعة الولاية التي تتمتع بها الأونروا بموجب قرارات الجمعية العامة. فالأونروا ليست هيئة أنشأها «مجلس السلام»، ولا مؤسسة تابعة له، ولا جهازا من أجهزة الإدارة الانتقالية في غزة. فقد أنشأتها الجمعية العامة للأمم المتحدة، وبالتالي هي الإطار الذي ينظم ولايتها ويقرر استمرارها وتعديلها وتجديدها.
وبالتالي، فإن وجود ترتيبات جديدة في قطاع غزة لا يلغي، بحد ذاته، الولاية القائمة لوكالة أنشأتها الجمعية العامة وجددت ولايتها بقرار لاحق وصريح. وإذا كان ثمة نقاش حول مستقبل الأونروا أو طبيعة مهمتها أو استمرارها، فإن نقطة الانطلاق القانونية الطبيعية هي الجهة التي أنشأت الوكالة وما زالت تجدد ولايتها، أي الجمعية العامة، وليس هيئة انتقالية أنشئت لاحقا لغرض محدد في قطاع غزة.
تكتسب هذه المسألة أهمية أكبر عند قراءة قرار مجلس الأمن 2803 قراءة دقيقة بعيدا عن التأويلات السياسية. فالقرار رحب بإنشاء «مجلس السلام» بوصفه إدارة انتقالية ذات شخصية قانونية دولية تتولى وضع إطار العمل وتنسيق التمويل لإعادة إعمار غزة وفقا للخطة الشاملة. كما أجاز للمجلس والجهات المشاركة معه إنشاء كيانات تشغيلية لتنفيذ أهداف الخطة، بما في ذلك الإدارة الانتقالية وإعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي وتنسيق ودعم تقديم الخدمات العامة والمساعدات الإنسانية في غزة.
وتكشف هذه الصياغة عن طبيعة مهمة المجلس، وهي مهمة انتقالية مرتبطة بغزة وبترتيبات تنفيذ خطة محددة، وليست ولاية عامة على مؤسسات الأمم المتحدة. بل إن القرار نفسه يشدد على أهمية استئناف المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة بالتعاون مع «مجلس السلام» ومن خلال منظمات متعاونة، من بينها الأمم المتحدة. وتعتبر هذه الإشارة غاية في الاهمية، لأنها لا تنشئ تبعية مؤسسات الأمم المتحدة للمجلس، وإنما تضع المجلس في موقع التنسيق ضمن الترتيبات الانتقالية، وهذا ما ينطبق على الاونروا.
اما القول إن «مجلس السلام» يملك صلاحية استبعاد الأونروا من غزة، فهو يحتاج إلى سند صريح في القرار 2803. وبقراءة نص القرار، لا يظهر في النص ما يمنح المجلس صلاحية إلغاء ولاية الأونروا أو تعديلها أو إنهائها، كما لا يظهر فيه نقل اختصاص الجمعية العامة بشأن الوكالة إلى المجلس.
ان المشكلة الاساسية التي يجب التوقف عندها هي في الخلط بين ملفين مختلفين.
الأول هو ملف إدارة المرحلة الانتقالية في قطاع غزة، وإعادة الإعمار، وتنسيق التمويل، ودعم الخدمات العامة والمساعدات الإنسانية، وهي مجالات تناولها القرار 2803 وحدد للمجلس دورا فيها. أما الملف الثاني فهو مستقبل الأونروا وولايتها باعتبارها وكالة أنشأتها الجمعية العامة وتتعامل مع قضية اللاجئين الفلسطينيين في مناطق عملياتها المختلفة، وليس في قطاع غزة وحده.
والفصل بين الملفين ضروري. فكون الأونروا تقدم جزءا كبيرا من خدماتها في غزة لا يعني أن الوكالة أصبحت مؤسسة تابعة لإدارة غزة. كما أن انتقال إدارة بعض الخدمات العامة إلى ترتيبات انتقالية جديدة لا يؤدي تلقائيا إلى نقل ولاية الأونروا إلى تلك الترتيبات.
إن تحويل الأونروا إلى مجرد ملف إداري داخل ترتيبات الحكم الانتقالي في غزة يحمل في طياته تغييرا جوهريا في طبيعة التفويض الممنوح من الجمعية العامة. فالأونروا لا تدير قطاع غزة سياسيا، ولا تملك صلاحية تقرير الوضع النهائي للاجئين، ولا تمثل بديلا عن الحل السياسي لقضية اللاجئين. بل ان وظيفتها الرئيسية هي تنفيذ الولاية المؤقتة التي أسندتها إليها الجمعية العامة إلى حين التوصل إلى حل سياسي عادل ودائم.
وتزداد أهمية هذه النقطة في ضوء قرار الجمعية العامة بتجديد ولاية الاونروا. إذ لم تكتف الجمعية بتمديد ولاية الأونروا حتى عام 2029، بل أقرت ذلك بتصويت واسع بلغ 151 دولة مؤيدة. كما أصدرت في الجلسة نفسها قرارات تؤكد دعم عمليات الوكالة وتحذر من محاولات تقليص عملياتها وولايتها. وهذا يعني بوضوح شديد، أن الوضع القانوني للأونروا، وفقا للقرارات الأممية القائمة، لا يزال قائما، وأن ولايتها لم تنته ولم تنقل إلى مجلس السلام.
ومن المهم هنا التأكيد على ان اي دور لـ «مجلس السلام» في تنسيق تقديم الخدمات والمساعدات أو في العمل مع وكالات الأمم المتحدة، وفقا للقرار 2803؛ لا يعني أنه أصبح صاحب سلطة على الوكالات التي تتعاون معه، لأن التعاون المؤسسي لا يعني التبعية القانونية. وبيان الأونروا في حزيران 2026، أكد على أن الولاية المسندة إليها من الأمم المتحدة ما زالت قائمة، وأن الوكالة ترى أن دورها في غزة يرتبط بتقديم الخدمات للاجئين الفلسطينيين. مع إمكانية التعاون مع المجلس واللجنة الوطنية المعنية المعنيةى بإدارة قطاع. وهذا يوضح بدون اي لبس، أن المسألة ليست في رفض التعاون بين المؤسسات، وإنما في تحديد موقع كل مؤسسة وحدود اختصاصها.
إن أخطر ما يمكن أن ينتج عن الخلط بين الاختصاصات هو خلق سابقة يصبح بموجبها لأي هيئة انتقالية تنشأ لمعالجة أزمة إقليمية أن تتعامل مع ولاية مؤسسات أممية أخرى باعتبارها جزءا من صلاحياتها. فالقرار 2803 أعطى «مجلس السلام» دورا واسعا في ملفات غزة، بما في ذلك إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي وتنسيق المساعدات والخدمات العامة، لكنه لم يحوله إلى جهاز أعلى من أجهزة الأمم المتحدة، ولم يجعله صاحب ولاية عامة على الوكالات الأممية العاملة في القطاع.
لذلك، فإن أي قرار يتعلق بمستقبل الأونروا، سواء تعلق بتجديد ولايتها أو تعديلها أو إنهائها، يبقى من اختصاصات الجمعية العامة التي أنشأت الوكالة وجددت ولايتها. أما «مجلس السلام»، فاختصاصه يستمد من القرار 2803 ومن الإطار الانتقالي الذي حدده ذلك القرار. وحتى الأونروا نفسها، لا تملك حق تقرير المصير النهائي لقضية اللاجئين، كما أن المجلس لا حق له ولا ولاية في تقرير مصير الأونروا. الأول ينفذ ولاية أممية محددة، والثاني يعمل ضمن ولاية انتقالية محددة بقرار مجلس الأمن.
بالرغم من ذلك، فان منظمة التحرير الفلسطينية، ممثلة بدائرة شؤون اللاجئين، والدول العربية، خاصة المضيفة للاجئين، والجامعة العربية بشكل عام، والدول المانحة، بل ان جميع الحريصين على القانون الدولي وعلى قضية اللاجئين وضرورة حلها وفقا لقرارات الامم المتحدة، معنيون بالدفاع عن الوكالة وعن سمعة المنظمة الدولية في مواجهة الغطرسة الامريكية الاسرائيلية التي لا تستند الى اي مسوغ قانوني، بل ان ما يحمه هو فقط غطرسة القوة، والتمرد على الارادة الدولية والقانون الدولي..
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


