قصرة.... أربعون يوماً تحت الحصار حين يصبح الصمت حصاراً آخر

21.09.2026 09:09 AM

كتب اسماعيل الريماوي: أربعون يوماً وأهالي قصرة يعيشون تحت حصار قاسٍ، في مواجهة هجمات متكررة من المستوطنين، وبإجراءات ميدانية يشارك فيها جنود الاحتلال، فيما تضيق الحياة يوماً بعد يوم على المحاصرين، من منع وصول الطعام والماء والكهرباء إلى التضييق على الصحافة ومنع المتضامنين من الوصول، وكأن المطلوب ليس فقط محاصرة قرية فلسطينية، بل عزلها عن العالم حتى لا يرى أحد ما يجري خلف جدار الحصار.

في قصرة لا تبدو المسألة مجرد اعتداء عابر أو حادث أمني مؤقت، بل مشهد يتكرر بصورة يومية ويضع سكان البلدة أمام اختبار قاسٍ للصمود والبقاء. فحين يُمنع الغذاء والماء، ويُحاصر الناس في بيوتهم، وتُمنع الصحافة من نقل الصورة، ويُطرد المتضامنون، يصبح الحصار أداة لإرهاق المجتمع وإجباره على مواجهة الخوف والعزلة في آن واحد.
الأكثر إيلاماً أن حجم التضامن الشعبي الفلسطيني لا يبدو بحجم ما يتعرض له أهالي قصرة. فبينما يحاول عدد من المتضامنين الأجانب، ومن بينهم يهود، الوصول إلى المنطقة والوقوف إلى جانب السكان، تبدو المشاركة الشعبية الفلسطينية محدودة، وكأن قرية فلسطينية تُترك لتواجه وحدها اعتداءات المستوطنين وإجراءات الاحتلال، وهنا لا يصبح السؤال فقط: ماذا يفعل الاحتلال؟ بل أيضاً: أين المجتمع الفلسطيني عندما تحتاج إحدى بلداته إلى وقفة جماعية حقيقية؟
أما السلطة الفلسطينية، فغيابها عن المشهد يطرح أسئلة أكثر قسوة، فالمطلوب في مثل هذه اللحظات ليس بيانات تضامن ولا مواقف إعلامية، وإنما حضور سياسي وشعبي واضح، وتحرك لحماية السكان ورفع الحصار وفتح المجال أمام التضامن والاحتجاج السلمي ، وإذا كانت السلطة لا تستطيع مواجهة الاحتلال، فإن منع الفلسطينيين من التعبير عن تضامنهم مع أهلهم، أو التضييق على المظاهرات والاعتصامات، يضيف طبقة أخرى من العزلة إلى عزلة الحصار.

قصرة اليوم ليست مجرد قرية تحت الحصار، بل صورة مصغرة عن واقع الضفة الغربية، حيث يتقدم الاستيطان، وتتكرر اعتداءات المستوطنين، وتتراجع قدرة الفلسطيني على الوصول إلى أرضه وحمايتها، بينما ينشغل الداخل الفلسطيني في كثير من الأحيان بخلافاته وحساباته السياسية ، وبينما يحاول أهالي قصرة الصمود في وجه الحصار، فإن أخطر ما يواجهونه ليس فقط الحجارة والاعتداءات والجنود، وإنما أن يتحول الحصار إلى أمر عادي، وأن يصبح الصمت الفلسطيني والدولي جزءاً من المشهد.
أربعون يوماً مدة طويلة على أي إنسان محاصر، لكنها تصبح أكثر قسوة عندما يشعر المحاصر أن العالم يسمع ولا يتحرك، وأن الصحافة تُمنع من الوصول، وأن المتضامن يُطرد، وأن أبناء شعبه لا يستطيعون أو لا يُسمح لهم بتنظيم وقفة تضامن حقيقية. وفي هذه الحالة يصبح السؤال أكبر من قصرة: هل ما زال الفلسطينيون قادرين على تحويل التضامن من كلمات إلى فعل، أم أن الاحتلال ينجح تدريجياً في عزل كل بلدة وكل قرية عن محيطها؟

قصرة لا تحتاج إلى التعاطف فقط، بل إلى حضور، تحتاج إلى صحافة تستطيع نقل الحقيقة، ومتضامنين يستطيعون الوصول، ومجتمع فلسطيني يرى أن الدفاع عن قرية محاصرة هو دفاع عن كل قرية فلسطينية، وإلى موقف رسمي يضع حماية المدنيين وحقهم في الأرض والحياة في مقدمة أولوياته. فالحصار قد يُفرض بالقوة، لكن أخطر ما يمكن أن يحدث أن يتحول الصمت إلى حصار آخر، وأن يعتاد الجميع على أن تُترك قصرة وحدها في مواجهة العاصفة.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير