سمير حمدان يكتب لوطن: لماذا يخيفهم علم فلسطين؟

22.08.2026 06:07 AM

قامت الدنيا ولم تقعد في بودابست، لا لأن آلافًا حاصروا سفارة، ولا لأن حجرًا أُلقي أو نافذة كُسرت، بل بسبب وقفة إنسانية صغيرة وسلمية دعت إليها الجالية الفلسطينية في المجر، بالتنسيق مع تجمعات ومنظمات وناشطين داعمين لحقوق الشعب الفلسطيني، تضامنًا مع الأسرى في سجون الاحتلال والطبيب المعتقل حسام أبو صفية، وشارك فيها مجريون وفلسطينيون ومتضامنون، لكن صغر الوقفة قابله استنفار سياسي وإعلامي هائل، وهنا تبدأ المفارقة، ماذا يخيف دولة تملك جيشًا واستخبارات وسفارات من علم في يد متظاهر ؟

قبل الوقفة خرجت السفيرة الإسرائيلية مايا كادوش برسالة مصورة ضدها، واعترضت منظمات وشخصيات مؤيدة لإسرائيل، وطالبت مؤسسة «تيت وفيديلم» وزارة الداخلية بفحص إمكان منع التجمع، وتحركت جهات لتنظيم مظاهرة مضادة قرب كنيس شارع دوهاني، وفي يومها حضر أشخاص يحملون الأعلام الإسرائيلية وحاولوا الاقتراب من المشاركين، لكن الشرطة فصلت بينهم ومنعت الاحتكاك، فبقي المشهد سلميًا، وكانت قد فحصت التجمع أصلًا ولم تجد أساسًا قانونيًا لحظره، الأمن لم يجد تهديدًا، بينما وجدت السياسة في العلم الفلسطيني ما يستدعي كل هذا الاستنفار .

ربما لأن العلم ليس قطعة قماش، بل وثيقة وجود ترفرف، فهو لا يقول إن فصيلًا موجود، بل إن شعبًا موجود، وإذا كان هناك شعب فهناك أرض وحقوق وتقرير مصير ودولة، وهنا يصبح الرمز أخطر على الرواية من البندقية، فالبندقية تستدعي الأمن، أما العلم فيستدعي التاريخ، والتاريخ يطرح السؤال الذي لا تستطيع دبابة الإجابة عنه، كيف يصبح صاحب الأرض غريبًا ويصبح الاحتلال طبيعيًا ؟

فلسطين لم تبدأ في السابع من تشرين الأول، والفلسطيني لم يولد في مخيم، وراء المخيم قرية ومدينة وبيت ومفتاح وذاكرة، والاحتلال مهما طال لا يتحول إلى ملكية، والاستيطان مهما اتسع لا يحول القوة إلى حق، تستطيع القوة تغيير الخريطة، لكنها لا تستطيع محو علاقة الإنسان بأرضه، وهذه عقدة المحتل، يسيطر على المكان ولا يملك ذاكرة صاحبه .

وحسام أبو صفية ليس اسمًا على لافتة، إنه طبيب اعتقلته إسرائيل في كانون الأول ٢٠٢٤، وبقي محتجزًا من دون محاكمة، وطالبت جهات أممية بالإفراج عنه أو تقديمه إلى محاكمة عادلة، لذلك فإن التضامن معه ليس تمجيدًا للإرهاب، بل اختبار للقانون، فإذا كانت إسرائيل دولة قانون كما تقول، فلماذا يصبح المطالب بتطبيقه عليها متهمًا ؟

المعركة الأعمق ليست على طبيب أو وقفة، بل على جعل الاحتلال واقعًا دائمًا، والمستوطنة مدينة عادية، واللاجئ مهاجرًا، والأسير رقمًا، وفلسطين ذكرى، وهنا تكتسب مشاركة المجريين دلالتها، فعندما يحمل أوروبي علم فلسطين، تخرج القضية من حدود أصحابها وتصبح سؤالًا عالميًا عن العدالة .

ولا تحتاج فلسطين إلى كراهية اليهود لإثبات عدالتها، فاليهودي ليس مسؤولًا عن حكومة إسرائيل بسبب هويته، والمواجهة مع الاحتلال والاستيطان والعنصرية ومن يبررها، وهذه قوة أخلاقية تسقط محاولة الهروب من سؤال الحقوق إلى اتهامات الكراهية .

بودابست كشفت شيئًا أكبر من مظاهرة، تستطيع القوة اعتقال طبيب وهدم بيت وبناء مستوطنة، لكنها لا تستطيع اعتقال الذاكرة، وتستطيع اعتراض صاروخ، أما الفكرة فلا توجد قبة حديدية تعترضها .

لهذا يخيفهم العلم، فهو يذكّر بحقيقة حاولت القوة طمسها، الاحتلال مهما طال لا يصبح حقًا، والاستيطان مهما اتسع لا يلغي صاحب الأرض، والفلسطيني قد يُمنع من العودة إلى بيته، لكن أحدا لم يستطع أن يجعل الاحتلال وطنًا، وصاحب الأرض غريبًا .

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير