تعليم طوارئ، أم تعليم إلكتروني؟!

كتب: محمود حوامدة
من خلال اطلاعي كباحث في تكنولوجيا التصميم التعليمي على هذا التحول الإلزامي المفاجئ نحو التعليم الالكتروني في جميع المؤسسات التعليمية حول العالم وخاصة في فلسطين نظراً لتفشي فيروس كورونا. فبعد إعلان الحكومة حالة الطوارئ سارعت معظم المؤسسات التعليمية إلى الاستعانة بالعديد من الأدوات والتطبيقات التكنولوجية التعليمية منها وغير التعليمية، فلا شك بأن بعض التطبيقات التي تستخدم هي أدوات للتواصل عن بعد وتستخدم في بيئات الأعمال أكثر من كونها أدوات توفر بيئة تعليمية افتراضية للطالب. لا يمكن أن نلوم المؤسسات على ذلك، فقد كان هذا التحول مفاجئاً للجميع، ولم تكن غالبية المؤسسات لديها الاستعداد والإمكانيات والخبرة للتحول إلى التعليم الالكتروني سواء من حيث البنية التحيتة، أوتدريب المعلمين، أو حتى المنهجية؛ مما خلق إرباكاً لدى الطلاب وأولياء الأمور، وهذا ما دفع أحد الخبراء للمطالبة من خلال منشور على حسابه على الفيس بوك بالتوقف عن فعل ذلك.
الباحثون في تكنولوجيا التعليم أمضوا سنوات طويلة للتوصل الي تعريفات للتعليم المعتمد على التكنولوجيا كالتعليم عن بعد، والتعليم الإلكتروني، والتعليم المدمج، والتعليم من خلال الموبايل وغيرها. ولكن يبدو أن هذه التعريفات لم تتوسع خارج نطاق عالم الباحثين والخبراء في تكنولوجيا التعليم. لذلك كان لا بد من مناقشة ما يتم حالياً من التعليم في حالة الطوارئ باستخدام أدوات تكنولوجية وما بين التعليم الالكتروني.
على النقيض من التعليم الالكتروني الذي يتم التخطيط له من البداية لجأت معظم الجامعات والمدارس الفلسطينية للحلول التقنية لمتابعة تدريس طلابها في حالة الطوارئ عن بعد، والهدف هنا ليس بناء نظام بيئي تعليمي قوي، وإنما هو الاتصال والتواصل المؤقت ما بين المعلمين والطلاب وتوفير المصادر التعليمية بطريقة سهلة و سريعة، على اعتبار أن الطلاب سيعودون إلى الصفوف التعليمية، وسيتلقون تعليمهم وجهاهيا بمجرد الانتهاء من هذه الأزمة وحالة الطوارئ، ولن يكون المعلمون بحاجة إلى استخدام هذه الحلول والاستعانة بالمصادر التعليمية المساندة للمنهاج.
التعليم الالكتروني كما يعرفه الباحثون والخبراء هو وسيلة من الوسائل التي تدعم العملية التعليمية وتحولها من طور التلقين إلى طور الإبداع، ومن الجمود الى التفاعل ، وتنمية مهارات التفكير الدنيا إلى تنمية مهارات التفكير العليا، ويتطلب ذلك استخدام أحدث الطرق في مجال التعليم بالاعتماد على ما تنتجه التكنولوجيا من أدوات وتطبيقات حديثة، وبما يعزز من مفهوم التعليم الفردي أو الذاتي، والذي يتيح للمتعلم أن يتعلم حسب قدرته وطاقته وسرعة تعلمه وفقاً لما لديه من خبرات ومهارت.
لقد قام الباحثون بتطوير العديد من المرجعيات المنهجية للتعليم الالكتروني، والتي تعتبر بمثابة خارطة الطريق لتطوير بئية تعليمية تفاعلية إلكترونية يتم من خلالها تحقيق نتائج التعليم المرجوة. ومن هذه المرجعيات: المرجعية التي قام بتطويرها الباحث بدرول خان (شكل2)، والتي تحتوي على ثمانية أجزاء مترابطة. الجزء الأول (Pedagogical) ويتعلق بالتصميم التعليمي من حيث تصميم المحتوى، وتحديد الأهداف التعليمية، وتحديد خصائص الفئة المستهدفة. الجزء الثاني (Technological ) ويتعلق بالتكنولوجيا من حيث توفر البنية التحتية التكنولوجية والأجهزة والبرمجيات اللازمة. الجزء الثالث (Interface design) يتعلق بتصميم الواجهة من حيث شكل مواد التعليم الالكتروني ومظهره , بما يضمن أكبر قدر من تفاعل الطلاب مع بعضهم ومع المعلم ومع هذه المواد. الجزء الرابع (Evaluation) ويتعلق بتقييم الطلاب وتقييم المعلم وتقييم شامل لمواد التعلم الالكتروني والبئية التعليمية الألكترونية. الجزء الخامس (Management) وهو الإدارة ، حيث تحتاج الى عمل كبير من أجل متابعة وتحديث مواد التعلم الالكتروني. الجزء السادس ( Resource support) يتعلق بتوفير الدعم من موارد ودعم فني على مدار الساعة , لأنك متصل بالانترنت وطلابك في كل مكان. الجزء السابع (Ethical) ويتعلق بالبعد الاخلاقي وما ينطوي على ذلك من تنوع جغرافي وعرقي وثقافي للطلاب ويجب مراعاة هذا التنوع في محتوى مواد التعليم الالكتروني وطريقة عرضها. الجزء الثامن ((Institutional ويتعلق بالمؤسسة نفسها، والتي يجب عليها توخي الحذر فيما يتعلق بالخدمات التي تقدمها للطلاب ( فقد تراود الطالب تساؤلات فيما إذا كان سيحصل على نفس جودة التعليم الوجاهي داخل الغرف الصفية أو من خلال التعليم الالكتروني)، والتساؤل الآخر للمؤسسة نفسها، فيما اذا كان هناك عائد في الاستثمار من هذا التعليم؟.
.jpg)
لن يكون التعليم ما بعد كورونا كما كان قبله، فمجرد إنتهاء حالة الطوارئ سيعود التعليم التقليدي إلى حد ما، حيث أن هذه التجربة ستزود المعلمين والطلاب بمعايير جديدة للتعليم المعاصر، تجربة تعليمية أكثر فاعلية موجهة نحو الابتكار، وأنا واثق بأن هناك الكثير من المعليمن سيتبنون التحول الرقمي، بل ويبحثون عن المزيد من الفرص لتطوير المزيد من نماذج التعليم الالكتروني والتعليم المدمج. ستضطر المؤسسات التعليمية إلى إعادة التفكير في المقررات التي يجب تدريسيها من خلال التعليم الالكتروني، وسيكون فيروس كورونا البداية الحقيقة لاستخدام التعليم الالكتروني في المؤسسات التعليمية على نطاق أوسع. ولكن ! هذا يتطلب وضع الخطط الملائمة لتوفير بيئة تعليمية تفاعلية ضمن المعايير المعتمدة لتحقيق الأهداف التعليمية التعلمية، وان لا يستمر هذا الإرتباك.
خلاصة القول : الاحكام بقدر المعرفة، والحاجة أم الاختراع، وربما يكون لهذه الجائحة الكونية فائدة في اعادة صياغة العملية التعليمية بما يضمن ديمومة التواصل بين اطراف المنهاج التعليمي، لذا وجب على مؤسساتنا التعليمية تدارك ما فات، والاستعانة بالخبراء الذين لا يخلو الوطن منهم، حتى تكون مخرجات العملية التعليمية العلمية ما بعد كورونا افضل مما كانت عليه.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


