الائتلاف التربوي الفلسطيني: مكانة المعلم الفلسطيني وشروط مهنة التعليم

وطن للأنباء: يأتي اليوم العالمي للمعلمين 2026 في فلسطين في لحظة تستدعي الانتقال من الاحتفاء بالمعلم إلى مراجعة الشروط التي تمكنه من أداء رسالته، وقدرة النظام التعليمي على حماية حق الطالب في التعلم. فمكانة المعلم، وزمن الطالب، وقدرة المدرسة، وأولوية التعليم وطنيا، عناصر مترابطة في منظومة واحدة، وأصبح التعامل معها ضرورة لحماية الحق في التعليم واستعادة قدرة النظام على الاستمرار والاستعداد للمستقبل.
المدخل
يدخل التعليم الفلسطيني هذه المرحلة في ظل تآكل متراكم في عدد من مقوماته الأساسية. فقد امتدت عدم استقرار أجور المعلمين وحقوقهم لسنوات، وتراجع زمن التعلم المدرسي، واضطرب انتظام العملية التعليمية، وتراكم الفقد التعلمي، واضطر المنهاج في أحيان كثيرة إلى الاختزال تحت ضغط الوقت. وأظهرت الدراسات الوطنية والدولية خلال السنوات الأخيرة مؤشرات مقلقة على تراجع مخرجات التعلم. وجاءت نتائج PISA 2025 لتضيف مؤشرا جديدا إلى هذه الصورة؛ إذ بلغ متوسط الأداء الفلسطيني 354 نقطة في الرياضيات، و350 في القراءة، و359 في العلوم، مع انخفاض الأداء في الرياضيات والعلوم مقارنة بعام 2022، فيما لم يكن التغير في القراءة ذا دلالة إحصائية. وتبقى هذه المؤشرات محدودة في قدرتها على تمثيل الواقع الفلسطيني كاملا، في ظل عدم شمول المدارس الأكثر تضررا من النزاع.
هذه المعطيات تكشف اختلالاً متزايداً في قدرة النظام على أداء وظائفه الأساسية، وتراجع التعامل مع التعليم باعتباره أولوية وطنية تستحق حماية مستقرة ومستمرة. وفي السياق الفلسطيني، تتجاوز المدرسة وظيفتها التعليمية المباشرة؛ فهي فضاء لبناء الإنسان وحفظ الذاكرة والهوية وتعزيز القدرة على البقاء وبناء المستقبل، وتعبير عن الوجود الفلسطيني في واقع الاحتلال والانتهاكات والاعتداءات التي تطال المدارس والطلبة والمعلمين وحق الوصول إلى التعليم.
تجاوز الفقد التعلمي المتراكم حدود المعالجة التعويضية التقليدية، وأصبح يمس تمكن الطلبة من المفاهيم الأساسية والمهارات الرئيسة، وقدرتهم على مواصلة تعلمهم اللاحق بثبات. وتزداد خطورة ذلك مع تفاوت فرص الوصول إلى المدرسة والموارد والدعم، في وقت يتسارع فيه التحول الرقمي ويدخل الذكاء الاصطناعي إلى التعليم، بما قد يوسع الفجوة بين طلبة يدخلون المستقبل وهم يمتلكون أسس التعلم، وآخرين يدخلونه وهم يحملون خسائر تعلمية متراكمة.
وفي هذا السياق، تبرز قضية المعلم بوصفها جزءا من أزمة النظام كله. فالمعلم مطالب بأدوار متزايدة في التعليم والتعلم والتخطيط والتقويم والمبادرة، بينما تتراجع أحيانا الشروط المهنية والمؤسسية التي تمكنه من أداء هذه الأدوار بكرامة واستقلالية. ويكتسب ذلك دلالة خاصة في عام يصادف مرور ستين عاما على توصية منظمة العمل الدولية واليونسكو بشأن أوضاع المعلمين، التي تناولت حقوقهم ومسؤولياتهم وإعدادهم وظروف عملهم ومكانتهم المهنية، فيما تركز مناسبة عام 2026 على حماية مكانة مهنة التعليم والارتقاء بها في عالم سريع التغير.
ومن هنا يطرح الائتلاف السؤال المركزي: كيف يعاد بناء شروط مهنة التعليم والنظام التعليمي معا، بما يحمي مكانة المعلم وحقوقه، ويستعيد زمن الطالب وتعلمه، ويقوي قدرة المدرسة، ويعيد التعليم إلى موقعه كأولوية وطنية وقضية أمن وطني، ويؤسس لقدرة فلسطينية على التعامل مع التحولات القادمة، بما فيها الذكاء الاصطناعي وما بعد 2030، مع الحفاظ على القرار التربوي والمعرفي الوطني؟
موقف الائتلاف
ينطلق الائتلاف التربوي الفلسطيني من أن أزمة التعليم لا تعالج بإجراءات منفصلة، وأن إعادة البناء تبدأ بحماية عناصر المنظومة التي يقوم عليها التعلم: المعلم، والطالب، والمدرسة، والزمن التعليمي، والتمويل، والقدرة المؤسسية، والمرجعية الوطنية.
ويرى الائتلاف أن المعلم صاحب مهنة ذات مسؤولية اجتماعية وتربوية، وأن مكانته المهنية لا تنفصل عن حقوقه واستقرار أجره وبيئة عمله والزمن الذي يحتاجه للتخطيط والتعاون والتعلم والمشاركة في القرار. كما أن مساءلته عن نتائج التعلم يجب أن ترتبط بالصلاحيات والموارد والشروط التي يتيحها النظام، لأن جودة التعلم نتاج تفاعل عوامل متعددة تتجاوز نطاق عمل المعلم المباشر.
ويتعامل الائتلاف مع الزمن التعليمي باعتباره حقا يجب حمايته، مع التمييز بين زمن عمل المدرسة، وزمن تعلم الطالب، وزمن عمل المعلم، والزمن المهني. وفي الواقع القائم، يرى الائتلاف في جدولة حضور المعلمين على ثلاثة أيام، مع استمرار المدرسة في العمل خمسة أيام، تدبيرا عاجلا لوقف تآكل مقومات التعليم. ويقوم ذلك على برنامج أسبوعي محكم يوزع حضور المعلمين وفق التخصص والعبء التدريسي وعدد الشعب وحاجات المدرسة، ويضمن استمرار الحصص والمهام التعليمية والإرشادية والمساندة طوال أيام الدوام. ويجب أن يحافظ هذا التنظيم على راتب المعلم وحقوقه، وألا يتحول إلى زيادة غير معلنة في العمل أو العبء، مع إتاحة الحضور الطوعي في الأيام الأخرى لمن يرغب، دون أن يصبح التطوع التزاما وظيفيا.
ويؤكد الائتلاف أن هذا التدبير لا يمثل حلا استراتيجيا، وإنما استجابة عاجلة لواقع استثنائي هدفها حماية زمن التعلم وحقوق المعلمين إلى أن تستعاد شروط العمل الطبيعي. أما إعادة بناء التعليم فتحتاج إلى تمويل مستقر، وحقوق وواجبات واضحة، وقدرة مؤسسية للمدرسة، وزمن تعلم محمي، ومسؤولية وطنية مشتركة.
ويضع الائتلاف استعادة التعلم في مقدمة الأولويات، مع التركيز على القراءة والكتابة والحساب والفهم والمهارات الأساسية، ومعالجة الفجوات على أساس بيانات فعلية لا على أساس استكمال المحتوى الدراسي فقط. ويقترن ذلك بالإنصاف وإدماج جميع الطلبة دون استثناء، مع أولوية واضحة لمن تحملوا الخسائر الأكبر، وفي مقدمتهم طلبة غزة، والطلبة ذوو الإعاقة، ومن يعيشون في الفقر أو النزوح أو المناطق المهمشة، ومن يواجهون فجوات في الوصول إلى التكنولوجيا والتعلم الرقمي.
كما يرى الائتلاف أن حماية المدرسة الفلسطينية جزء من حماية الحق في التعليم والوجود الفلسطيني، وأن مسؤولية النهوض بالتعليم تتجاوز وزارة التربية والتعليم إلى مؤسسات الدولة والجامعات والنقابات والقطاعات الاقتصادية والمجتمع المدني والشركاء الدوليين. فالتعليم في الظروف الفلسطينية ليس خدمة عامة فحسب، وإنما قضية تتصل بقدرة المجتمع على البقاء وبناء مستقبله.
ويضع الائتلاف الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي ضمن مسؤولية مزدوجة: وقف التدهور القائم والاستعداد للمستقبل. ويحتاج ذلك إلى تحديد ومرونة بشروط ومعايير، تحمي الخصوصية والإنصاف والعلاقة الإنسانية، وتحفظ سيادة القرار المعرفي وسيادة شروط ومعايير المعرفة والبوصلة الوطنية. وتبقى التكنولوجيا أداة في خدمة غايات يحددها المجتمع، لا بديلا عن القرار التربوي أو عن المعلم والمدرسة.
التزامات الائتلاف ومطالبه
يلتزم الائتلاف التربوي الفلسطيني بالدفاع عن مكانة المعلم وحقوقه، وحماية حق الطلبة في التعلم وزمنه، ومتابعة الفقد التعلمي والإنصاف وقدرة المدرسة والنظام التعليمي، وتعزيز الحوار الوطني حول مستقبل التعليم. كما يلتزم بمتابعة التحولات في الذكاء الاصطناعي والتعليم الرقمي، وبناء الشراكات المنسجمة مع الأولويات الوطنية.
وفي هذا السياق، يتوجه الائتلاف إلى الجهات المسؤولة وذات العلاقة بالتعليم، الحكومية بمختلف اختصاصاتها، والمؤسسات التعليمية والجامعات، والمجتمع المدني، والقطاع الخاص الوطني، والمؤسسات الثقافية والإعلامية، وسائر الشركاء، انطلاقا من أن التعليم مسؤولية وطنية مشتركة، وأن إنقاذه وإعادة بنائه يتطلبان إرادة وطنية وموارد وشراكة تتجاوز حدود القطاع التعليمي.
أولا: مطالب عاجلة لوقف تآكل مقومات التعليم
اتخاذ قرار وطني واضح لوقف تآكل مقومات التعليم، وحماية زمن التعلم، وانتظام المدرسة، ومنع استمرار اختزال المنهاج وتراكم الفقد التعلمي.
حماية مكانة المعلم وحقوقه وضمان انتظام أجره واستقراره المهني، وتوفير شروط العمل التي تمكنه من أداء رسالته ومسؤوليته.
اعتماد تنظيم عاجل لحضور المعلمين ثلاثة أيام أسبوعيا، مع استمرار المدرسة خمسة أيام كاملة، وفق جدولة مهنية محكمة تحمي زمن الطالب وحقوق المعلم واستمرارية التعليم.
إطلاق استجابة وطنية عاجلة للفقد التعلمي، تركز على القراءة والكتابة والحساب والفهم والمهارات الأساسية، وتوجه الموارد إلى الطلبة والفئات والمناطق الأكثر تضررا.
ضمان الإنصاف وإدماج جميع الطلبة في التعليم دون استثناء، وحماية حقهم في التعلم مهما اختلفت ظروفهم ومواقعهم.
توفير الموارد والتمويل الضروريين لاستمرار التعليم، وحماية المدرسة والمعلم والطالب والحق في التعليم في مختلف الظروف.
ثانيا: معالم إعادة البناء
1. وضع مسار وطني لإعادة بناء التعليم يعيده إلى موقعه كأولوية وطنية وقضية أمن وطني، ويجعل مسؤوليته مشتركة بين مؤسسات الدولة والمؤسسات الاقتصادية والثقافية والمجتمعية والتعليمية.
2. إعادة بناء شروط مهنة التعليم بما يحفظ الحقوق والواجبات والاستقرار المهني والزمن المهني والتعلم المستمر والمشاركة في القرار.
3. إقرار إطار عادل للمساءلة المهنية يربط مسؤولية المعلم بالصلاحيات والموارد وشروط العمل التي يوفرها النظام التعليمي، ويضمن عدم تحميله منفردا مسؤولية نتائج تتصل باختلالات مؤسسية تتجاوز نطاق مسؤوليته.
4. إعادة تنظيم الزمن المدرسي على أساس يحمي زمن التعلم ويوازن بين احتياجات الطالب والمعلم والمدرسة، ويراعي طبيعة التخصص والعبء التدريسي وحاجات المدرسة.
5. ضمان قدرة مؤسسية ومالية مستدامة للتعليم تجعل التمويل جزءا من حماية الحق في التعليم واستقرار النظام، لا استجابة مؤقتة للأزمات.
6. توسيع الشراكة الوطنية حول التعليم لتشمل الجامعات والمؤسسات الاقتصادية والثقافية والإعلامية والمجتمع المدني والقطاع الخاص الوطني، بما يعزز قدرة المدرسة والمجتمع على دعم التعلم.
7. إقرار أجندة وطنية للمعرفة والبحث التربوي تستجيب لخصوصية فلسطين، وتدعم القرار التربوي القائم على الأدلة، وتعزز القدرة الوطنية على إنتاج المعرفة التربوية.
8. الاستعداد للذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وما بعد 2030 ضمن إطار يقوم على التحديد والمرونة بشروط ومعايير، ويحمي الخصوصية والإنصاف والعلاقة الإنسانية وسيادة القرار المعرفي والمرجعية التربوية الوطنية.
9. تنظيم التمويل والشراكات الخارجية بما يخدم الأولويات الوطنية ويحفظ القرار التربوي الفلسطيني، ويعزز الاستدامة والقدرة المحلية.
10. إرساء حوار وطني مستمر حول مستقبل التعليم يوسع دائرة المسؤولية عنه، وينقل إعادة البناء من الاستجابة للأزمة إلى مشروع وطني طويل المدى.
ختاماً، في الأزمنة التي تضيق فيها الخيارات، تصبح القدرة على تخيل ما بعد اللحظة شكلا من أشكال القوة. والتعليم هو المجال الذي تتشكل فيه هذه القدرة قبل أن تجد طريقها إلى الواقع. ومن هنا، فإن الرهان الفلسطيني يتجاوز معالجة ما تراكم إلى استعادة حق الأجيال في أن تتخيل ذاتها خارج حدود ما فرضته عليها السنوات القاسية.
فلنجعل من يوم المعلمين العالمي 2026 نقطة انبثاق لفجر جديد؛ فجر لا يرث أطفال فلسطين فيه حدود اللحظة، وإنما يرثون القدرة على تجاوزها.


