بلال غيث كسواني يكتب لوطن: فلسطين تحزن على يوسف حبش.. ما كل هذا الإجماع على محبة «زوزو»؟

منذ أمس، تتوالى على صفحات التواصل الاجتماعي عشرات المنشورات التي تنعى المناضل الوطني والصحفي يوسف حبش، المعروف بين أصدقائه ورفاقه باسم «زوزو». وبين كلمات الوداع واستعادة الذكريات، يبرز إجماع لافت على محبة الرجل وتقدير تجربته الوطنية والإنسانية، في مشهد يتجاوز فلسطين إلى أصدقائه ورفاقه في بلدان عدة.
تحدثت إلى يوسف كثيرًا، وعرفته في جامعة بيرزيت في نهاية القرن الماضي، ثم التقيته مرات في رام الله وباريس، في مقر الاتحاد الدولي للصحفيين. أتاحت لي تلك اللقاءات أن أرى جانبًا من شخصيته وحضوره في العمل الوطني والنقابي، وإصراره على أن يكون صوتًا للصحفيين الفلسطينيين، خصوصًا في أصعب الظروف.
كان يوسف صاحب صوت جهوري وحضور مميز، يتميز بأفكاره ومبادراته وقدرته على جذب من يتحدث إليه وأسر قلبه. آمن بالتعاون الأوروبي الفلسطيني، وأطلق منصات صحفية في أوروبا تُعنى بنشر التقارير الفلسطينية بعدة لغات، لإيصال صوت الفلسطينيين إلى العالم.
ومثّل نقابة الصحفيين الفلسطينيين في أوروبا، وحمل قضايا زملائه إلى المؤسسات والنقابات الدولية، وبنى جسورًا مع الصحفيين الأوروبيين والمتضامنين مع فلسطين. كما كان صوتًا للصحفيين الشهداء والجرحى في قطاع غزة، وحاملًا لمعاناة زملائه في غزة والضفة الغربية، وما يتعرضون له من قتل وإصابة واستهداف وانتهاكات تعرقل عملهم.
كان يحدثني عن حلم راوده قبل اشتداد المرض: إطلاق سفينة من أوروبا دعمًا لقطاع غزة وكسر حصاره، تضم صحفيين من أنحاء العالم ليكونوا شهودًا على معاناة الفلسطينيين وينقلوا صوت غزة. لم يمهله القدر لتحقيق الحلم، لكنه بقي شاهدًا على اتساع رؤيته وإيمانه بدور الصحافة في نصرة المظلومين.
في باريس ورام الله، ظل حاضرًا في المساحات التي تُطرح فيها قضايا الصحفيين الفلسطينيين، مدافعًا عن حقوقهم وساعيًا إلى إبقاء معاناتهم أمام المؤسسات والنقابات الدولية. لم يكن ذلك تضامنًا عابرًا، بل جزءًا من انتمائه الوطني وإيمانه بدور الصحافة في كشف الحقيقة والدفاع عن حق الفلسطينيين في الحرية والحياة.
كان يوسف قائدًا وطنيًا شعبيًا، لم يفصل بين انتمائه إلى وطنه وعلاقته بالناس، ولا بين العمل السياسي والنقابي والواجب الإنساني. حمل قضيته إلى المحافل الدولية، وبنى علاقات مع رفاق وأصدقاء من خلفيات مختلفة، وجعل من حضوره فرصة لإيصال صوت شعبه وتعزيز التضامن مع فلسطين وصحفييها.
لكن ما استوقفني خلال اليومين الماضيين ليس استعادة مسيرته وحدها، بل حجم المحبة التي ظهرت في كلمات أصدقائه وزملائه ورفاق دربه. فمن فلسطين إلى باريس، ومن النقابات الصحفية إلى المؤسسات الحقوقية وحركات التضامن، تعددت الشهادات والتقت عند استذكار إنسان ترك أثرًا واضحًا في حياة من عرفوه.
وهنا يبرز السؤال: ما كل هذا الإجماع على محبة يوسف حبش؟ كيف استطاع أن يجمع حوله هذا العدد من الناس، على اختلاف بلدانهم وأفكارهم وتجاربهم، وأن يحظى بكل هذا الوفاء بعد رحيله؟
لا تكفي المواقع التي شغلها ولا سنوات عمله الوطني والنقابي لتفسير هذا الحضور. فالمواقع تتيح العمل، لكنها لا تضمن المحبة، والعمل العام يفتح أبواب العلاقات، لكنه لا يجعلها بالضرورة راسخة تستمر بعد الغياب.
تكشف كلمات محبيه أن يوسف كان أكثر من صحفي أو نقابي أو ناشط فلسطيني؛ كان رفيقًا وصديقًا وشريكًا في محطات العمل والنضال، وإنسانًا ارتبطت به ذكريات وتجارب لم تنتهِ بانتهاء اللقاءات. لذلك أعاد رحيله إلى الواجهة قصصًا وعلاقات تتجاوز المهنة، وتكشف قيمة الإنسان في ذاكرة الآخرين.
في زمن يطغى فيه الخلاف السياسي والتنافس على المواقع، تبدو هذه الشهادات تذكيرًا بأهمية أن يترك المرء أثرًا طيبًا، وأن يكون وفيًا لقضيته وللناس الذين يلتقيهم. وقد نجح يوسف، كما تقول شهادات من عرفوه، في الجمع بين وضوح موقفه الوطني واتساع علاقاته الإنسانية.
رحل يوسف، لكن صوته الذي حمل قضايا الصحفيين الفلسطينيين سيبقى حاضرًا في ذاكرة زملائه، وفي المعارك التي خاضها من أجل حريتهم وحقوقهم، وفي شهادات من عرفوه رفيقًا وصديقًا ومناضلًا.
أما أنا، الذي التقيته في بيرزيت ورام الله وباريس، فأستعيد تلك اللقاءات في ضوء ما تركه رحيله من حزن ومحبة، وأدرك أن قيمة الإنسان لا تتوقف عند ما أنجزه، بل تمتد إلى ما يتركه في قلوب الناس وإلى الحكايات التي يواصلون روايتها عنه بعد غيابه.
رحم الله يوسف حبش، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أسرته وأحباءه ورفاق دربه الصبر والسلوان.
فلسطين تحزن على يوسف، ويحزن عليه صحفيوها الذين حمل قضاياهم إلى العالم، ويحزن عليه رفاقه وأصدقاؤه الذين عرفوا فيه إنسانًا لم يتخلَّ عن وطنه ولا عن أبناء وطنه. أما الإجماع على محبته، فربما كان أصدق شهادة على ما تركه خلفه من أثر لا يمحوه الغياب.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


