د. طلال شهوان يكتب لوطن: شذرات على رصيف الخوارزميات

20.10.2026 09:18 PM

في عصر يزداد فيه تغلغل البيئة الرقمية في تفاصيل حياتنا، ويتعاظم معه انغماسنا في عالمها الافتراضي، بما يحمله من نِعم ونِقم، لا يعود كافياً أن نُحسن استخدام الوسائل والأدوات؛ علينا أيضاً أن نعيد النظر في المعايير التي نحكم بها على ما نشاهده، وما نكتبه، وما نتعلمه.

فيما يلي ثلاث خواطر يجمعها خيط من المعنى؛ خواطر يتشاركها كثيرون، وتتشاركهم.

عن المشاهدة كموقف ..!

في زمن التلفزيون، كانت المشاهدة شأناً شخصياً خلف الجدران.

أما اليوم، فكل نقرة، وكل دقيقة متابعة، قد تتحول إلى إشارة تلتقطها الخوارزميات؛

فتدفع محتوى إلى الانتشار، وتلقي بآخر إلى الهامش.

نحن لا نشاهد فقط؛ نحن نُسهم في تقرير ما يبقى وما يتلاشى.

حين يصبح الإسفاف مربحاً، ويتحوّل انتهاك الخصوصية، واستغلال الهشاشة الشخصية، والعنف إلى مادة رائجة، قد تغدو بعض أشكال التسلية تدريباً على اللامبالاة، وممراً إلى القسوة.

في زمن الخوارزميات، لا يتشكل الذوق العام بمعزل عن اختياراتنا؛

بل هو، إلى حد بعيد، حصيلة ما نتابعه، وما نكافئه باهتمامنا، وما نمنحه فرصة الانتشار.

حسّن خطك ...!

كانت تلك ملاحظة تُكتب أحياناً على دفاتر الإملاء، لكن مع لوحة المفاتيح، أخذت ملاحظات التحسين منحى آخر.

خط اليد يقول الكثير ...

قد نشكو أحياناً من عدم وضوحه. لكن تردد اللحظة، وتوهج الكلمة، والتواء الحرف، وضغط القلم على الورق ... كلها تفاصيل بصرية قد تكشف شيئاً من صاحبها، وتترك أثراً لدى القارئ.

النص لا يُقرأ فقط ... بل يُرى ويُحس.

مع الكتابة الإلكترونية، كسبنا الدقة والسرعة والانتشار.

اتسع تداول النصوص، وتغيّرت ملامح اللحظة التي تتشكل فيها الكلمات على الورق.

ومع ذلك، ظلّ أسلوب الكاتب يطلّ من بين السطور؛ في اختياره للكلمات، وفي مواضع صمته، وفي استعاراته.

اليوم، مع النصوص التوليدية والكتابة الآلية، باتت الكتابة سؤالاً مفتوحاً.

نصوص متقنة، سريعة، وقابلة للتكرار ... تسعف الحاجة إلى التواصل، لكنها تضعنا أمام سؤال مُربك:

هل ما زال وراء كل نص إنسان يحاول أن يقول شيئاً،

أم بات ممكناً أن يكتفي النص بقدرته على قول الأشياء؟

 

البحث .. ومعايرة طبقات الفرح !

كنت أقضي أحياناً نصف يوم في الذهاب إلى مكتبة بعيدة للحصول على أحد المقالات أو الكتب. ولكن، بعد العودة وقراءة المقالة بعناية، لطالما اكتشفت أنها لا ترقى إلى التوقعات، وأن عليّ البحث مجدداً عن مصدر مناسب.

كانت هذه تجربة مألوفة لأجيال من الطلبة في عقود سابقة، حين كانت مراجعة الأدبيات أو كتابة واجب بحثي تستلزمان وقتاً وجهداً للوصول إلى المصادر المناسبة.

ثم تطورت التكنولوجيا الرقمية، وأصبحت المقالات العلمية متاحة إلكترونياً.

وتواصل التطور، حتى بات الذكاء الاصطناعي قادراً على العثور على المعلومات وصياغة مراجعة أدبيات أو واجب بحثي في غمضة عين ..!

كان للفرح آنذاك طبقات: فرحة العثور على المعلومة المطلوبة، وفرحة إتمام المهمة، وفرحة الحصول على تقييم مرتفع.

لم تعد الطبقتان الأوليان كما كانتا؛ فقد اختصرت التكنولوجيا كثيراً من عناء الوصول إلى المصادر وإنجاز المهام.

أما الطبقة الثالثة، فقد أصبحت أكثر تعقيداً؛ إذ لم يعد إنجاز المهمة، في حد ذاته، دليلاً كافياً على تحقق التعلم أو استحقاق التقييم.

في المحصلة، حسّنت التكنولوجيا الوسائل، لكنها أربكت المعايير.

ومع تراجع كلفة الوصول إلى المعلومات وإنجاز المهام، تزداد أهمية ما لا يمكن اختزاله فيهما:

الفهم، والحكم النقدي، والإضافة المعرفية.

ولعلنا، في زمن الإنجاز بغمضة عين، أحوج ما نكون إلى معايرة طبقات الفرح، حتى لا نخلط بين سهولة الإنجاز وقيمته، أو بين إتمام المهمة واستحقاق الاحتفاء بها.

فالحذر من الفرح قد يكون ضرورياً، نظراً لقسوة خيانته، كما قال محمود درويش.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير