سوما حسن تكتب لوطن: حين يصبح الموت مادة للسخرية

20.10.2026 06:17 PM

رحل كاهن وهو يؤدي رسالته داخل الكنيسة، فسارع بعض السخفاء إلى تحويل موته إلى مادة للسخرية من المسيحية، وكأن المآسي تمنحهم الحق في الاستهزاء بمعتقدات الآخرين، وكأن الموت حين يطرق باب انسان يخالفهم في الدين يصبح مناسبة للضحك بدلا من أن يكون لحظة تستدعي الصمت والرحمة.

لكنني أتساءل: لماذا هناك بعض السخفاء الذين يستهزئون بالموت حين يتعلق الأمر بأتباع دين آخر؟ ولماذا يعتقدون أن السخرية من انسان رحل وهو يؤدي شعيرته الدينية يمكن أن تكون انتصارا لعقيدتهم؟ أليس من السخف أن يتوهم المرء أنه يرفع من شأن دينه حين يحط من شأن الآخرين، وأن يظن أن إهانة ميت يمكن أن تكون دليلا على قوة الإيمان؟

وماذا لو طبقنا المنطق نفسه على موت المسلمين أثناء الحج أو العمرة؟ كم من انسان فارق الحياة وهو يؤدي مناسك العبادة، وكم من حاج توفي في حوادث مؤلمة، من بينها حادثة سقوط الرافعة في الحرم المكي عام 2015. وكم من انسان مات وهو ساجد بين يدي الله، في لحظة لم يكن يتوقع فيها أن تكون سجدته الأخيرة؟

لماذا لم نجعل من تلك المآسي مبررا للسخرية من عقيدة المسلمين؟ ولماذا لا نتخيل حجم الألم لو جاء أتباع ديانات أخرى ليحولوا موت حجاج أو مصلين إلى نكات ومنشورات ساخرة؟ أليس من حق أسر هؤلاء الموتى أن تحزن دون أن تجد نفسها مضطرة للدفاع عن دين فقيدها أو تبرير الطريقة التي مات بها؟
أنا لا أقول إن أحدا لم يسخر من مآسي المسلمين، ولا أدعي أن الجميع تعاملوا معها بالرحمة، لكنني أتساءل عن هذا التناقض في سلوك بعض الناس:

لماذا تصبح مصيبة الآخر فرصة للشماتة، بينما تصبح مصيبتنا أمرا مقدسا لا نسمح لأحد بالاقتراب منه أو الاستهزاء به؟

ولماذا لا يستهزئ هؤلاء أيضا حين يجتمع ملايين المسلمين في مواسم الحج والعمرة، ويرفعون أيديهم إلى الله بالدعاء، ويسألونه أن يوقف الحروب، وينصر المظلومين، ويحمي الأبرياء، ثم تستمر الحروب ويسقط المزيد من الضحايا؟ لماذا لا يتخذون من استمرار الحرب، رغم كل تلك الدعوات، مادة للسخرية من إيمان المسلمين؟ ولماذا لا يطرحون بالأسلوب الساخر نفسه سؤالا كهذا: إذا كنتم ترفعون أيديكم إلى الله وتدعونه ليل نهار، فلماذا تستمر الحروب، ولماذا لا يتوقف القتل، ولماذا لا تنتهي معاناة الأبرياء؟

إنني أطرح هذه الأسئلة لا لأستهزئ بدعاء المسلمين، ولا لأشكك في إيمان أحد، بل لأكشف سخافة المنطق الذي يجعل من الألم وسيلة للطعن في عقيدة الآخرين. فكما نرفض أن يسخر أحد من دعائنا حين لا تتوقف الحرب، علينا أن نفهم أن للآخرين الحق نفسه في أن يحزنوا على موتاهم دون أن يتحول حزنهم إلى مادة للشماتة.

إن الإيمان ليس معادلة بسيطة نقيس بها استجابة الله وفق توقيتنا ورغباتنا، كما أن استمرار الألم لا يمنح أحدا الحق في إهانة المؤمنين أو الاستهزاء بموتاهم. فالدعاء ليس وعدا بأن تسير الحياة دائما كما نريد، والموت ليس دليلا يسمح لنا بالحكم على عقيدة انسان أو مصيره.

لماذا نمنح الموت معنى روحيا حين يتعلق بمن نؤمن بدينه، ثم نحوله إلى نكتة حين يتعلق بأتباع دين آخر؟ ولماذا نطالب الآخرين باحترام مقدساتنا، بينما يعجز بعضنا عن احترام حزنهم على موتاهم؟ أليس من السخف أن نطالب العالم بالرحمة حين يكون الألم من نصيبنا، ثم نتخلى عن الرحمة نفسها حين يكون الألم من نصيب غيرنا؟

أليس الله وحده من يعلم ما في القلوب، وهو من يحاسب عباده؟ ألسنا جميعا نؤمن، كل بحسب عقيدته، بأن هناك أمورا تتجاوز علم الانسان وقدرته على الفهم؟ وأليست الروح أمانة، ولا يملك أحد منا موعد رحيلها؟ إن تعددت الأسباب، فالموت واحد، والوجع واحد، والدموع التي تنزل على الفقيد لا تسأل عن دينه قبل أن تنهمر.

من حق كل انسان أن يؤمن بما يشاء، وأن يختلف مع غيره في العقيدة، وأن يناقش الأفكار والمعتقدات، لكن ليس من حقه أن يتخذ من مصيبة الآخرين وسيلة للسخرية منهم. فخلف كل انسان يرحل أهل وأصدقاء وقلوب انكسر شيء فيها، وذكريات لن تعود، وغياب لا تستطيع الكلمات أن تملأه. وربما لم يكن ذنب الراحل سوى أنه مات في لحظة لم يتوقعها أحد، وفي مكان كان يؤدي فيه ما يؤمن بأنه واجبه المقدس.

المؤلم ليس أن يسقط صليب أو تقع رافعة، فالحوادث قد تقع في أي مكان، ولا يمكن اختزال عقيدة كاملة في حادثة مؤلمة. المؤلم حقا أن تسقط الرحمة من قلوبنا، وأن يصبح الموت مادة للضحك، وأن ننسى انسانيتنا ونحن نزعم الدفاع عن الدين.

فإذا كنا نريد أن نكرم إيماننا، فلنبدأ باحترام إيمان الآخرين. فالله لا يحتاج إلى سخريتنا كي ينتصر لديننا، ولا يحتاج الحق إلى إهانة أحد كي يبقى حقا. وقوة الإيمان لا تقاس بقدرتنا على جرح المختلفين عنا، بل بقدرتنا على التمسك بأخلاقنا حتى حين نختلف معهم.

إن احترام عقيدة الآخر لا يعني بالضرورة الإيمان بها، والتعاطف مع موتاه لا يعني التخلي عن معتقداتنا. يمكننا أن نختلف، وأن نناقش، وأن ننتقد الأفكار، لكن هناك فارقا كبيرا بين الاختلاف والسخرية، وبين الحوار والشماتة، وبين الدفاع عن الإيمان واستغلال موت انسان لإهانة من يؤمنون مثله.

في النهاية، تعددت الأسباب، لكن الحقيقة واحدة: كلنا راحلون، ولا أحد يعرف أين أو متى. قد يرحل انسان في كنيسة، وآخر في مسجد، وثالث في طريق الحج، ورابع على سريره بين أهله. تختلف الأماكن والظروف، لكن الموت لا يمنح أحدا صكا للتعالي على الآخرين، ولا يجعل من عقيدة الراحل مادة مباحة للسخرية.

فلنترك الحساب لمن خلقنا، ولنحتفظ نحن بما تبقى لنا من رحمة؛ فقد نختلف في الطريق إلى الله، لكننا لا نحتاج إلى أن نفقد انسانيتنا ونحن نسير فيه.
فإذا كانت عقيدتنا تعلمنا الرحمة، فلماذا يسمح بعضنا لنفسه بالقسوة؟ وإذا كنا نريد من العالم أن يحترم إيماننا، أفلا يجدر بنا أن نبدأ باحترام إيمان الآخرين؟

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير