نبهان خريشة يكتب لوطن: من نتنياهو إلى آيزنكوت: تغيير الحارس لا يفتح باب الدولة الفلسطينية

كلما اقتربت انتخابات إسرائيلية، عاد إلى الخطاب السياسي الفلسطيني ذلك الانتظار القديم: لعل حكومة ترحل، ولعل أخرى تأتي بشريك للسلام. تتغير الأسماء، وتتبدل التحالفات، فيما يبقى الفلسطيني مطالبا بالصبر حتى ينضج المجتمع الإسرائيلي للاعتراف بحقوقه. وفي هذا الانتظار الطويل، تتوسع المستوطنات، وتتقطع الأرض، وتزداد السلطة الفلسطينية ضعفا. لذلك، فإن أي رهان للرئيس محمود عباس على خروج بنيامين نتنياهو وصعود غادي آيزنكوت يحتاج إلى مواجهة سؤال بسيط: ما الذي يعرضه البديل الإسرائيلي للفلسطينيين، سوى إدارة مختلفة للواقع نفسه؟
آيزنكوت لا يترك مجالا واسعا للتخمين. ففي تصريح نشر في الثاني والعشرين من آب الماضي، أعلن أنه لن تقوم دولة فلسطينية في ظل حكومة يشكلها. وهذه ليست عبارة هامشية يمكن تجاوزها بحثا عن إشارات مطمئنة؛ إنها موقف يمس جوهر المشروع الوطني الفلسطيني. قد يختلف الرجل مع نتنياهو حول إدارة الحرب، وعلاقة الحكومة بمؤسسات الدولة، ونفوذ اليمين الديني، لكنه لا يقدم، بهذا الموقف، تعهدا بإنهاء الاحتلال أو الاعتراف بالسيادة الفلسطينية.
توجد فروق بين الرجلين، ومن الخطأ تجاهلها. ففي مقابلته الأخيرة مع "تايمز أوف إسرائيل"، عارض آيزنكوت الضم الشامل للضفة من منظور حماية الأغلبية اليهودية، وتعهد بمواجهة اعتداءات المتطرفين على الفلسطينيين. لكن رفض الضم لأسباب ديموغرافية لا يساوي الاعتراف بحق الفلسطينيين في دولة مستقلة. كما أن ضبط عنف المستوطنين، على ضرورته، لا يجيب عن سؤال الاحتلال نفسه. يستطيع الفلسطيني أن يرى الفروق، من دون أن يحولها إلى وعد سياسي لم يقدمه صاحبها.
وللدقة، لا يصح القول إن جميع الأحزاب الإسرائيلية، بلا استثناء، تجمع على رفض الدولة الفلسطينية؛ فهناك أحزاب عربية وقوى تؤيد هذا الحق. لكن الاتجاه الغالب في مراكز القوة الإسرائيلية يضيق به أو يرفضه أو يؤجله إلى مستقبل مجهول. وقد قدم تصويت الكنيست في تموز 2024 ضد قيام دولة فلسطينية، بأغلبية 68 عضوا مقابل تسعة، دليلا على اتساع الرفض خارج حدود الائتلاف الحاكم. المشكلة، إذن، أوسع من نتنياهو، وأعمق من خسارته المحتملة للانتخابات.
هنا تظهر أزمة عباس السياسية. فمنذ البدايات المبكرة لمسار الاتصالات والتسوية في السبعينيات، ارتبط اسمه بالبحث عن تسوية تفاوضية مع إسرائيل. ولم تكن الدعوة إلى السلام خطأ في ذاتها؛ فمن حق شعب أنهكته الحروب أن يبحث عن طريق ينهي الاحتلال. لكن الرهان يتحول إلى وهم عندما يتوقف عن مراجعة نتائجه، وعندما تصبح كل انتكاسة سببا لانتظار فرصة أخرى، بدلا من إعادة فحص الطريق. وبعد عقود، بات السؤال عن حصيلة هذا الخيار واجبا وطنيا.
أشد ما يكشف هذا المأزق هو التعامل مع اتفاق أوسلو. فقد كان يفترض أن تكون المرحلة الانتقالية جسرا نحو تسوية، لكنها أصبحت وضعا مفتوحا بلا نهاية سياسية ملزمة. احتفظت إسرائيل بأدوات السيطرة، وواصلت تغيير الجغرافيا، فيما بقيت السلطة مطالبة بإثبات التزامها واستحقاقها للمفاوضات. وصار الاتفاق، في التطبيق، مجموعة التزامات فلسطينية يمكن قياسها ومحاسبة أصحابها، في مقابل حقوق مؤجلة لا توجد قوة كافية لإلزام إسرائيل بها. ومع ذلك، بقي عباس متمسكا بإطار فقد قدرته على تحقيق الغاية التي بررته.
والبديل عن هذا الجمود ليس قرارا انفعاليا يلقي بالمجتمع في الفراغ، وإنما مراجعة وطنية منظمة: ما الالتزامات التي بقي لها سند متبادل؟ وكيف تتحول العلاقات مع الاحتلال إلى مجال ضغط؟ وأين تقف المؤسسات الفلسطينية من حماية الأرض والناس؟ لا يمكن الاستمرار في إدارة السلطة بالمنطق نفسه، ثم انتظار نتائج مختلفة لمجرد أن رئيس الحكومة الإسرائيلية صار أقل صخبا، أو أكثر قبولا في العواصم الغربية.
غير أن الخلل لا يأتي من إسرائيل وحدها. فقد أسهمت سياسات عباس الداخلية في إضعاف القدرة الفلسطينية على المواجهة. طال غياب التجديد الانتخابي، وتراجعت الرقابة والمساءلة، وضاقت المشاركة، واتسعت المسافة بين القيادة والمجتمع. والنظام الذي يطلب من العالم الاعتراف بحق شعبه في تقرير المصير يضعف حجته عندما يعطل حق هذا الشعب في اختيار قيادته. لا يلغي ذلك مسؤولية الاحتلال، لكنه يكشف كيف يجتمع الضغط الخارجي مع الانغلاق الداخلي على استنزاف الفلسطينيين.
كما تضررت صدقية القيادة لدى قطاعات من شركائها الإقليميين والدوليين. فالحديث المتكرر عن الإصلاح لا يكفي ما دامت آليات إنتاج القرار محصورة، وما دام تجديد الشرعية قابلا للتأجيل. وقد عبر الاتحاد الأوروبي، أخيرا، عن أسفه لتأجيل الانتخابات الفلسطينية، بما يكشف أن المسألة تجاوزت النقد الداخلي. ومع ذلك، فإن المصداقية المطلوبة أولا هي أمام الفلسطينيين؛ فالدعم الخارجي قد يسند مؤسسة، لكنه لا يمنحها تفويضا شعبيا ولا يعوض غياب الثقة بها.
وفي هذا السياق، يكتسب صعود ياسر عباس حساسية خاصة. انتخابه لعضوية اللجنة المركزية لحركة فتح واقعة معلنة، أما اعتباره دليلا قاطعا على ترتيبات مكتملة لتوريث الرئاسة فيحتاج إلى أدلة إضافية. لكن المخاوف السياسية مشروعة، ويجب مواجهتها بضمانات واضحة تمنع تحويل القرابة إلى امتياز في الوصول إلى الحكم. حقه في العمل السياسي لا يمنحه حقا إضافيا على سائر الفلسطينيين، ولا يجوز أن تصبح مؤسسات الحركة والسلطة ممرا عائليا إلى القيادة.
لهذا، أصبح خروج عباس من موقع احتكار القرار، وإنهاء المنظومة القائمة على الولاء له، ضرورة لتجديد الحياة الوطنية. ويجب أن يتم ذلك عبر انتقال ديمقراطي واضح، وانتخابات رئاسية وتشريعية، وإعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير على أسس تمثيلية. المطلوب تغيير يسمح بالمحاسبة والتنافس وتداول المسؤولية، ويعيد فتح إلى أعضائها، والسلطة إلى وظيفتها العامة، والمنظمة إلى شعبها. تغيير الرئيس مع إبقاء أدوات الإقصاء سيعيد إنتاج الأزمة بأسماء جديدة.
إذا تعذر هذا التجديد، فإن الخطر يتجاوز بقاء قيادة متعبة. قد تدخل القضية الفلسطينية مرحلة يجري فيها اختزالها إلى رواتب وتصاريح وإعمار ومساعدات، بينما تختفي أسئلة الحدود والسيادة والقدس واللاجئين من جدول العمل الفعلي. تصبح الحياة اليومية موضوع التفاوض الوحيد، وتتحول الدولة المستقلة إلى عبارة احتفالية. والناس يحتاجون إلى الخبز والعمل والأمان، لكنهم يحتاجون أيضا إلى حقوق تحمي خبزهم وأرضهم ومستقبل أبنائهم من تحكم الاحتلال.
لن يمنح آيزنكوت عباس ما لم يعد به الفلسطينيين، ولن تعوض خسارة نتنياهو غياب استراتيجية فلسطينية تستند إلى شعبها ومؤسساتها. المخرج يبدأ باستعادة القدرة على الفعل: قيادة منتخبة، ووحدة سياسية، ومقاومة شعبية، وعمل قانوني ودبلوماسي مرتبط بأهداف قابلة للمساءلة. للفلسطينيين أن يتابعوا الانتخابات الإسرائيلية، لكن لا يجوز أن يعلقوا عليها مصيرهم. لقد طال انتظار التغيير في إسرائيل؛ وحان أن يبدأ التغيير من النظام الفلسطيني الذي جعل الانتظار سياسة دائمة.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


