يونس العموري يكتب لوطن: القدس... مدينة تغتالها الوقائع وتحرسها البيانات ..

هي القدس، أم المدائن ومدينة الأحزان، التي كلما ضاقت بها الأرض اتسعت فيها الحكاية، وكلما حاولوا محو ذاكرتها استعادت حجارتها أسماء الذين مروا من هنا وتركوا في المكان ما لا تمحوه الجرافات. لكنها اليوم لا تواجه الاحتلال وحده، بل تواجه زمنا عربيا وفلسطينيا غريبا، تتقدم فيه الوقائع على الأرض بسرعة لا توازيها إلا سرعة البيانات في الوصول إلى نهاياتها المعتادة. تهدم البيوت، ويهجر السكان، وتضيق المدينة بأهلها، فيما تتسع الكلمات حتى تكاد تحجب المشهد. كأن القدس لم تعد بحاجة إلى من يدافع عنها بقدر ما يحتاج الآخرون إليها كي يثبتوا، مرة بعد أخرى، أنهم ما زالوا يتذكرونها.
المفارقة أن المدينة حاضرة في كل خطاب، وغائبة عن كثير من الحسابات. اسمها يتصدر البيانات، وصورتها تزين المنابر، ومكانتها تستدعى كلما احتاج أحدهم إلى إثبات حضوره الوطني، لكن حين تصل المسألة إلى حماية بيت مهدد بالهدم، أو عائلة تواجه الطرد، أو مؤسسة يجري إغلاقها، تتراجع اللغة إلى مربعها الأول .. إدانة واستنكار، دعوة إلى المجتمع الدولي، وتحذير من أن الاعتداءات قد تقوض فرص السلام والتهدئة. ثم ينتهي البيان، ويبقى البيت في انتظار الجرافة، وتبقى العائلة في انتظار مصيرها، ويبقى المقدسي وحده أمام سؤال لا تجيب عنه البلاغة: من يحمي حقه في البقاء؟
ليس في الأمر نقص في معرفة ما يجري. الصور تصل، والتقارير تتراكم، والأرقام تسجل تفاصيل الاعتداءات، لكن المعرفة التي لا تتحول إلى فعل تصبح، مع الوقت، شكلا آخر من أشكال العجز. لقد صار ممكنا أن نعرف كل شيء عن القدس، وأن نوثق كل ما يحدث فيها، وأن نحصي المنازل المهدمة والمعتقلين والمبعدين، من دون أن نمتلك القدرة على وقف الجريمة التالية. وهنا تكمن المأساة .. لم تعد المشكلة أن العالم لا يرى، بل أن الرؤية نفسها لم تعد تفرض عليه ما يكفي من المسؤولية، وأن النظام السياسي الفلسطيني اعتاد أن يتعامل مع الوقائع بوصفها مادة للبيانات، لا تحديا يفرض مراجعة القرار وأدوات المواجهة.
في الربع الثالث من عام 2026، تشير الأرقام الواردة في تقارير المتابعة إلى استشهاد ستة فلسطينيين، واقتحام 27,830 مستعمرا المسجد الأقصى المبارك، وتنفيذ 139 عملية هدم وتجريف، وتسجيل 357 حالة اعتقال، إلى جانب إصدار 73 قرارا بالإبعاد، معظمها عن المسجد الأقصى. ليست هذه أرقاما في جدول إحصائي، بل تفاصيل حياة يجري انتزاعها من أصحابها؛ بيت يتحول إلى ركام، وطفل يفقد غرفته، وعائلة تبحث عن مأوى، ومقدسي يفاجأ بأن الطريق إلى المسجد الذي اعتاد الوصول إليه بات محكوما بقرار إبعاد. وراء كل رقم إنسان، لكن السؤال الذي لا يظهر في جداول الإحصاء هو: ماذا فعلت السياسة بكل هذه الوقائع؟ وأي قيمة تبقى للتوثيق إذا كان الحدث يتكرر، فيما يظل الرد محصورا في تسجيله؟
في القدس، لا يجري هدم البيوت وحدها، بل يجري العمل على جعل الحياة نفسها أمرا شاقا، وعلى تحويل البقاء إلى امتحان يومي لقدرة الإنسان على الاحتمال. في سلوان، وحي البستان، وجبل الزيتون، والمكبر، وبيت حنينا، وسواها من أحياء المدينة، يتقدم الهدم والاستيطان والعزل، وتضيق المساحات التي يستطيع الفلسطيني أن يعيش فيها من دون أن يظل مهددا بفقدان بيته أو مصدر رزقه أو صلته بالمكان. وحين تصبح إقامة المسكن داخل المدينة شبه مستحيلة بفعل القيود والتكاليف وسياسات التخطيط، يجد المقدسي نفسه مدفوعا إلى أطرافها، حيث الاكتظاظ وضغط الخدمات وصعوبات الحركة، وحيث تصبح علاقته بمركز المدينة أكثر هشاشة.
وهكذا لا يعود التهجير مجرد مشهد لعائلة تغادر منزلها تحت وطأة القوة، بل مسارا متدرجا يجعل الحياة في القدس أكثر صعوبة، ويضع الإنسان أمام خيارات لم يخترها. قد يبقى في بيت مهدد، أو ينتقل إلى مكان أقل كلفة وأكثر اكتظاظا، أو يجد نفسه، بعد سنوات من الضغط، بعيدا عن المدينة التي تشكل جزءا من هويته وذاكرته. وفي كل مرة، يستطيع الاحتلال أن يقول إن أحدا لم يطرد أحدا، بينما تتكفل شروط الحياة المصنوعة بعناية بدفع الناس نحو الرحيل. إنها الجرافة حين تعمل قبل وصولها، والسياسة حين تنجز بعض أهدافها من دون أن تحتاج إلى مشهد الهدم المباشر.
لكن ماذا عن الذين جعلوا القدس عنوانا دائما لمواقفهم؟ أين تنتهي مسؤولية الاحتلال عن الجريمة، وأين تبدأ مسؤولية النظام السياسي عن عجزه عن بناء ما يلزم لمواجهتها؟ لا يتعلق السؤال بمساواة من يهدم بمن يعجز عن منعه، ولا بنقل مسؤولية الجريمة من المحتل إلى الضحية، بل بمساءلة من يحتكرون الخطاب الوطني، ويقدمون أنفسهم بوصفهم أصحاب القرار والشرعية والتمثيل، ثم يتركون المدينة تتدبر أمر بقائها بما تملكه من إمكانات محدودة، وبما يستطيع أهلها احتماله من أعباء.
لقد أصبح المشهد مألوفا إلى حد مقلق .. تهدم إسرائيل بيتا، فتتحرك ماكينة التصريحات، ويصدر بيان يعبر عن الغضب والأسف، وتدعى الأطراف الدولية إلى التدخل، ويحذر المسؤولون من أن هذه الممارسات تهدد فرص التسوية. كأن المشكلة ليست في بيت هدم، ولا في عائلة شردت، ولا في سياسة تستهدف تغيير وجه المدينة، بل في الأثر الذي قد تتركه الجريمة على مسار التسوية. عندها يبدو المنزل المهدوم تفصيلا مزعجا في طريق الاتفاق، لا جزءا من معركة وجود يخوضها شعب تحت الاحتلال.
ويا للمفارقة .. فالذين يحرصون على التهدئة برموش العيون، ويستحضرون الاتفاقيات كلما هدم الاحتلال بيتا، لا يجدون دائما ما يكفي من الإرادة لإنهاء انقسامهم، أو لإنتاج موقف وطني موحد يتجاوز حسابات الفصائل ومصالحها. تتوالى لقاءات المصالحة في العواصم، وتلتقط الصور، وتعلن النيات الطيبة، ثم يعود كل طرف إلى موقعه، كأن الوحدة الوطنية موعد مؤجل باستمرار، وكأن القدس مطالبة بأن تنتظر حتى تنضج التسويات بين أصحاب القرار. أما العائلة التي فقدت منزلها، فلا تملك ترف انتظار الجولة المقبلة من الحوار، ولا يستطيع الطفل الذي نام في بيت واستيقظ على ركامه أن يؤجل حاجته إلى مأوى إلى حين التوافق على صيغة سياسية جديدة.
لقد تحولت المصالحة، في كثير من تجلياتها، من ضرورة وطنية إلى عملية تفاوض على شروط المصالحة نفسها. تتقدم أسئلة المواقع والضمانات والحصص، وتتراجع أسئلة القرار الوطني ومصير الأرض والناس. ويصبح الاتفاق غاية مستقلة، بدلا من أن يكون مدخلا لاستعادة القدرة على الفعل. لا يكفي أن يجلس المختلفون حول طاولة واحدة، إذا ظل كل منهم يحمل معه الحسابات ذاتها التي أوصلت المشروع الوطني إلى هذا المأزق. ولا تكفي دعوات الوحدة إذا كانت الوحدة المطلوبة لا تتجاوز إدارة الانقسام بأدوات أكثر هدوءا، ولا تنتج رؤية مشتركة لما يجري في القدس وسائر الأرض الفلسطينية.
في هذه اللحظة، لا تبدو أزمة القدس منفصلة عن أزمة النظام السياسي الفلسطيني، بل تكشف واحدة من أكثر وجوهها إيلاما .. خطاب تحرري يعيش في الكلمات، وممارسة سياسية تنشغل بإدارة الواقع القائم، ومؤسسات يفترض أن تكون عنوانا للقرار الوطني، لكنها لا تنجح في تحويل هذا القرار إلى حماية ملموسة للناس والأرض والهوية. هنا يتسع الفراغ بين ما نقوله عن أنفسنا وما نفعله، بين مشروع يفترض أنه مشروع تحرر وطني، وممارسة تتصرف أحيانا كما لو أن المطلوب هو الحفاظ على ما تبقى من ترتيبات الأمر الواقع.
وليس المطلوب أن نرفع الصوت أكثر، فقد ارتفع بما يكفي، ولا أن نضيف إلى أرشيف البيانات نصا جديدا عن مكانة القدس، بل أن نسأل عن جدوى خطاب لا يغير شيئا في حياة من يتوجه إليهم. ما قيمة التأكيد المتكرر أن القدس عاصمة فلسطين إذا كان المقدسي يواجه وحده خطر فقدان بيته؟ وما معنى الحديث عن الوحدة الوطنية إذا كانت الخلافات الداخلية تستعصي على الحل، فيما يتقدم المشروع الاستيطاني بلا انتظار؟ وأي معنى للتمثيل السياسي إذا تحول المواطن إلى متلق للبيانات، لا شريكا في صياغة القرار ومساءلة أصحابه؟
أما القدس نفسها، فلا تحتاج إلى وصاية خطابية جديدة، ولا إلى من يتحدث باسمها في المواسم ثم يترك أهلها يواجهون مصيرهم. تحتاج إلى أن يكون صوت المقدسيين جزءا مركزيا من القرار المتعلق بمدينتهم، وإلى فعل شعبي ومدني منظم يتجاوز ردود الفعل المتفرقة، ويحول الدفاع عن البيوت والأحياء والمؤسسات إلى عمل مستمر. تحتاج إلى شبكات تضامن مجتمعي، ومساندة قانونية واقتصادية، وحماية للمؤسسات التعليمية والثقافية، وإلى توسيع دائرة المشاركة بحيث لا تبقى العائلات المهددة وحدها في مواجهة منظومة متكاملة من الضغط والعزل والتهجير.
ولا يعني ذلك تحميل المقدسيين وحدهم عبء المواجهة، أو التعامل مع صمودهم وكأنه بديل عن المسؤولية الوطنية والعربية والدولية. فالصمود ليس معجزة تتجدد بلا حدود، ولا يمكن مطالبة الناس بأن يواجهوا وحدهم قوة مسلحة وسياسات منظمة، ثم الاحتفاء بقدرتهم على الاحتمال وكأن الاحتفاء يعوض غياب الإسناد. المطلوب أن يتحول صمودهم إلى مركز لفعل وطني أوسع، وأن تتجاوز المساندة حدود الزيارات الموسمية والتصريحات، وأن يصبح بقاء الإنسان في بيته أولوية عملية تتجسد في برامج وإمكانات ومواقف واضحة.
ومن هنا تكتسب الدعوة إلى العصيان المدني معناها، لا بوصفها عبارة تستكمل بها الخطب حماستها، بل باعتبارها اتجاها نحو فعل جماعي منظم، يستند إلى إرادة الناس وقدرتهم على المشاركة، ويستخدم الأدوات المدنية والشعبية والقانونية المتاحة لمقاومة سياسات الهدم والتهجير والعزل. فالمطلوب ليس استعراضا جديدا للقوة في الكلام، بل بناء قدرة مجتمعية مستدامة على حماية الأحياء والمؤسسات، وإبقاء قضية القدس في قلب الوعي العام، ومواجهة محاولات تحويل الاعتداء المتكرر إلى واقع مألوف لا يستدعي سوى بيان جديد.
لقد آن للقدس أن تخرج من وظيفة الشعار إلى موقع الفعل، وأن يتوقف التعامل معها بوصفها كلمة السر التي تفتح أبواب المنابر، أو الجسر الذي يعبر عليه بعضهم إلى مواقع الحضور السياسي والإعلامي. فالمدينة ليست ملكا لمن يجيدون الحديث عنها، ولا تمنح شرعية إضافية لمن يكثرون من استدعائها. إنها امتحان للمسؤولية، ولقدرة السياسة على أن تكون أكثر من إدارة للمشهد، ولقدرة المشروع الوطني على أن يحمي الإنسان الذي يدعي تمثيله.
ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث للقدس ليس أن تهدم الجرافة بيتا آخر، على فداحة ذلك، بل أن يصبح الهدم مألوفا، وأن يتراجع وقع الجريمة في الوعي العام، وأن نتعامل مع كل بيت مهدد باعتباره خبرا ينتظر دوره في النشرة. عندها لا يعود الاعتياد مجرد علامة على طول المأساة، بل يصبح جزءا من البيئة التي تسمح لها بالاستمرار. فالاحتلال يريد تغيير المكان، لكن الخطر يزداد حين يتغير وعينا نحن، وحين يصبح العجز لغة معتادة، ويغدو التراجع عن الفعل أمرا يمكن تغطيته بمزيد من الكلمات.
القدس لا تحتاج إلى من يعلنون حبهم لها، بل إلى من يترجمون هذا الحب إلى مسؤولية. لا تحتاج إلى بيانات أكثر بل إلى فعل يوازي حجم الخطر، ولا إلى مزيد من الصور التي توثق خسارتها، بل إلى إرادة تمنع أن تصبح الخسارة قدرا يوميا. وما يجري فيها ليس امتحانا للمقدسيين وحدهم، بل لفلسطين كلها، لنظامها السياسي، وقواها وفصائلها، ومؤسساتها، ولكل من يرفع اسم المدينة في خطابه.
فحين تتقدم الجرافات وتتراجع السياسة، لا يكون السؤال عن القدس وحدها، بل عن معنى السياسة نفسها. وحين يبقى المقدسي وحيدا أمام بيته المهدد، تصبح كل الشعارات الوطنية مطالبة بأن تقدم دليلا على أنها أكثر من كلمات. أما إذا ظلت المدينة حاضرة في الخطاب وغائبة عن الفعل، فستبقى البيانات شاهدة على ما قيل، فيما تسجل حجارة القدس ما حدث فعلا. وهناك، بين الكلام والركام، تتحدد المسافة الحقيقية بين من يحمل القضية ومن يكتفي باستعمال اسمها.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


