محمود كلّم يكتب لوطن: اقتلعوا أشجار الزيتون… ولم يقتلعوا الحكاية

تخيّل أن تعود يوماً إلى المكان الذي كنت تجلس فيه مع أبيك، فلا تجد الشجرة التي ظلّت تجمعكما لعشرات السنين. لا ظلّها، ولا أغصانها، ولا ثمارها التي كنت تقطفها في موسم الزيتون. لا تجد سوى تراب مضطرب، وجذور مكشوفة، وفراغ كبير في مكان كان يوماً جزءاً من حياتك.
في فلسطين، لا تُقتلع الزيتونة من الأرض وحدها؛ بل يُقتلع معها شيء من ذاكرة العائلة، ومن حكايات الأجداد، ومن طفولة لن تعود. فالفلسطيني لا يرى في الزيتونة جذعاً وأغصاناً فحسب، بل يرى عمراً كاملاً، وشاهداً على حياة امتدت جذورها في الأرض كما امتدت الحكايات في الذاكرة.
فما حكاية هذا الارتباط العميق بين الفلسطيني وشجرة الزيتون؟
لا تكاد تخلو مائدة فطور فلسطينية من زيت الزيتون. يُغمس فيه الخبز مع الزعتر، ويُسكب فوق الحمص والفول، ويجاور الجبن والزيتون، كأنه ليس طعاماً فحسب، بل قطعة صغيرة من الأرض وُضعت على المائدة.
عرف أهل فلسطين زراعة الزيتون منذ آلاف السنين، فأصبحت الشجرة جزءاً أصيلاً من حياتهم. استُخدم زيتها في الطعام وإضاءة القناديل والعناية بالجسد، وقامت عليه صناعات عريقة، مثل صناعة الصابون في نابلس، التي تناقلت الأجيال أسرارها.
لكن أجمل ما في الزيتون ربما لم يكن الزيت نفسه، بل الوقت. فالزيتونة تنمو ببطء، وتبقى واقفة بينما تتغير وجوه البشر من حولها. قد يزرعها الجد، ويعتني بها الابن، ثم يأتي الحفيد ليقطف ثمارها. وحين ينظر الفلسطيني إلى زيتونة قديمة، فإنه لا يرى جذعاً وأغصاناً فحسب؛ بل يرى وجه أبيه، ويدي جدّه، ومواسم القطاف التي اجتمعت فيها العائلة تحت ظلالها، وضحكات أطفال كبروا، وأحبّة رحلوا، ولم يبقَ منهم إلا ما تحفظه الذاكرة.
لهذا حين تُقتلع الزيتونة، لا تكون الخسارة في الشجرة وحدها؛ بل في كل ما تحمله من ذكريات ومعانٍ. كيف تشرح لمن ورثها عن أبيه، وأبوه عن جدّه، أن ما اقتُلع ليس سوى خشب؟ وكيف تقنعه بأن خسارته مجرد محصول، وهو يرى في الشجرة شاهداً على أن عائلته عاشت هنا، وزرعت وحصدت، وتركت جذورها في الأرض؟
وما أشدّ الحزن حين تمتدّ يد الاحتلال إلى أشجار الزيتون قبل أن تنضج ثمارها، فتُقتلع من جذورها، ويُحرم الفلاح فرحة موسم انتظره عاماً كاملاً. كأنّ الجريمة لا تكتفي بسرقة الأرض، بل تريد أن تسرق حتى لحظة الفرح من عيون أصحابها.
وفي ظلّ عربدة المستوطنين واعتداءاتهم المتواصلة على الأرض وأهلها، يقف الفلاح الفلسطيني أمام زيتوناته المقتلعة، عاجزاً عن إنقاذ ما أفنى عمره في رعايته، كأنّه يودّع أفراداً من عائلته، لا أشجاراً من حقله.
أيُّ قسوةٍ هذه التي تُقتلع فيها الشجرة قبل أن تُثمر، وينكسر فيها قلب صاحب الأرض قبل أن يجني تعب يديه؟
قد تحتاج الزيتونة سنوات طويلة حتى تصبح شجرة وارفة الظلال، لكن لحظة واحدة تكفي لإسقاطها. ضربة واحدة بالفأس قد تنهي عمراً أطول من عمر الإنسان، وتترك وراءها أرضاً جرداء، وفلاحاً ينظر إلى المكان الذي كان يعجّ بالحياة، فلا يجد سوى الخراب.
لكن الحكاية لا تنتهي عند السقوط.
يعود الفلاح الفلسطيني إلى أرضه، يتفقّد ما بقي منها، ثم يغرس شتلة جديدة. يعرف أنه قد لا يعيش حتى يراها شجرة كبيرة، لكنه يزرعها لأبنائه وأحفاده، كأنه يترك لهم وعداً بأن الأرض لن تُنسى.
لا يحتاج الفلاح الفلسطيني إلى خطبة طويلة كي يعلن تمسّكه بأرضه؛ تكفي يد تمسك بالمحراث، وشتلة تُغرس في التراب، وعودة تتكرّر رغم التعب والخوف والخسارة.
أن تزرع زيتونة جديدة في أرض اقتُلعت منها زيتونتك، هو أن تقول: ما زلت هنا.
وهكذا تصبح الزراعة فعلاً يومياً من أفعال التمسّك بالأرض؛ فكل شتلة تحمل وعداً بالثمر، وإصراراً على البقاء.
لقد أصبحت الزيتونة في الوجدان الفلسطيني رمزاً للأرض والهوية والصمود، وارتبطت بها حكاية شعب تعلّم أن يورّث أبناءه شيئاً لا يُحفظ في صندوق ولا يُقاس بثمن؛ مكاناً ينتمون إليه، وأرضاً يعرفون أشجارها، وذاكرة لا تستطيع الفؤوس محوها.
ثم يأتي طفل فلسطيني، يحمل شتلة صغيرة ويغرسها في الأرض. ربما لن يعرف الشجرة التي كانت هناك قبله، وربما لن يعيش حتى يراها وارفة الظلال، لكن أبناءه قد يجلسون يوماً تحت ظلها، ويقطفون ثمارها، ثم يقول أحدهم:
«هذه الزيتونة زرعها جدّي».
في تلك اللحظة، لن تكون الشجرة مجرد شجرة؛ ستكون حكاية رجل أحبّ أرضه، وتمسّك بها، وترك لأحفاده شاهداً حيّاً على أن الاقتلاع لم ينهِ الارتباط بالأرض. فالزيتون لا يعيش في الأرض وحدها، بل في ذاكرة الذين أحبوها، وفي أيدي الذين يزرعونها من جديد.
قد يقتلع الاحتلال أشجار الزيتون قبل قطاف ثمارها، وقد تترك عربدة المستوطنين خلفها أرضاً منكوبة وقلوباً مثقلة بالحزن، لكن الفلاح الفلسطيني يعود ليغرس شتلة جديدة، ويمنحها من صبره ما يكفي لتبدأ الحياة من جديد.
اقتلعوا أشجار الزيتون، لكنهم لم يقتلعوا الحكاية؛ فكل شجرة تسقط تترك خلفها ذاكرة، وكل شتلة تُغرس تحمل وعداً بالمستقبل. وسيظل الفلاح الفلسطيني يزرع أرضه، لا لأنه يجهل قسوة الخسارة، بل لأنه يعرف أن خسارة الأرض قاسية، لكن التخلّي عنها هو الهزيمة التي لا يريد أن يورّثها لأبنائه.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


