نبهان خريشة يكتب لوطن: البودكاست الفلسطيني.. وسيلة إعلامية جديدة بأبعاد قديمة

لم تكن الصحافة الفلسطينية بحاجة إلى ميكروفونات إضافية بقدر حاجتها إلى أسئلة جديدة. ومع انتشار البودكاست، بدا أن فرصة قد نشأت للخروج من قوالب المقابلات التلفزيونية، ومن إيقاع التصريحات المتكررة والضيوف الذين يعرف المشاهد إجاباتهم قبل أن يبدأ الحوار. وسيلة تتيح وقتا أطول، وعلاقة أقرب بالجمهور، وكلفة تأسيس أقل من التلفزيون، كان يفترض أن تفتح المجال أمام صحافة أكثر استقلالا واشتباكا مع حياة الفلسطينيين. لكن جانبا من التجربة أعاد تقديم المألوف في استوديو مختلف: شخصيات سياسية مستهلكة إعلاميا، ومواقف محفوظة، ومحاور يمنح ضيفه مساحة للكلام أكثر مما يطالبه بتفسير ما قاله أو فعله.
لا يتعلق هذا النقد بكل بودكاست فلسطيني، ولا ينكر قيمة تجارب توثق الذاكرة وتقدم المعرفة وتروي حكايات تستحق الإنصات. لكنه يتناول اتجاها يكتسب حضورا كلما انتقلت الوجوه التلفزيونية وخطاباتها إلى المنصات الجديدة دون مراجعة لوظيفة الصحافة. فالتجديد لا يتحقق بمجرد إطالة المقابلة أو تغيير الإضاءة. قيمته تتحدد بما يضيفه إلى معرفة الجمهور، وبقدرته على فتح ملفات بقيت مغلقة، وإخضاع الروايات المألوفة للفحص.
تبدأ المشكلة من اختيار الموضوع. ففي مجتمع مثقل بالأزمات، توجد مادة صحفية تتجاوز بكثير ما تتداوله المقابلات السياسية المعتادة. هناك البطالة، والفقر، والديون، وتراجع الخدمات، وأعباء العلاج والتعليم والسكن. وهناك أسئلة عن عمل المؤسسات، وتوزيع الفرص، والواسطة، والعلاقة بين النفوذ والمصلحة العامة. هذه قضايا تستحق حلقات متتابعة وبحثا ميدانيا، لكنها لا تحتل دائما المساحة التي تتناسب مع أثرها في حياة الناس، بينما يستمر استدعاء السياسي ليشرح موقفا سبق أن شرحه عشرات المرات.
أين العامل الذي لا يكفي أجره لإعالة أسرته؟ وأين الخريج الذي ينتظر وظيفة فيما تتقدم عليه العلاقات الشخصية؟ وأين المرأة التي تواجه عنفا أسريا وتعقيدات اجتماعية ومؤسسية؟ وأين المسن الذي تستنزف كلفة العلاج دخله، والشاب الذي يرى في الهجرة مخرجا من انسداد المستقبل؟ حضور هؤلاء لا ينبغي أن يقتصر على رواية المعاناة. المطلوب تتبع أسبابها، وسؤال الجهات المسؤولة، وفحص السياسات والميزانيات التي تؤثر فيها. عندها تصبح القصة مدخلا إلى المساءلة.
ولا يعني تناول الشأن الاجتماعي الابتعاد عن السياسة. فالسياسة حاضرة في توزيع الموارد، وفي نوعية المدرسة والمستشفى، وفي حماية العامل، وفي قدرة المواطن على الاعتراض. وحصرها في تصريحات القيادات وتحالفات الفصائل يضيق معناها، ويمنح أصحاب المناصب احتكار تفسير الواقع. يستطيع البودكاست أن يوسع النقاش باستضافة باحثين وعاملين ومختصين وأصحاب تجارب، ثم يجمع شهاداتهم مع الوثائق والبيانات، بدلا من ترك الحلقة أسيرة رأي ضيف واحد مهما امتدت خبرته.
أما في الاقتصاد، فإن الحديث العام عن الأزمة لا يكفي. يستطيع المسؤول أن يتحدث طويلا عن نقص الموارد والقيود الإسرائيلية، وهي عوامل أساسية لا يجوز تجاهلها، لكن المحاور مطالب أيضا بالسؤال عن إدارة المتاح، وأولويات الإنفاق، وعدالة الأعباء. الاحتلال مسؤول عن منظومة واسعة من الإفقار والتدمير والتقييد، ومساءلة الأداء الفلسطيني تساعد المجتمع على الصمود في مواجهتها. أما تحويل الاحتلال إلى إجابة تنتهي عندها جميع الأسئلة، فيعطل المحاسبة ويترك الأخطاء الداخلية تتراكم.
وتظهر المشكلة بوضوح عند استضافة شخصيات سياسية لا تحمل مواقف جديدة. ليست قيمة السياسي في منصبه أو تاريخه وحدهما، بل في المعلومات والتفسيرات التي يمكن انتزاعها منه. فإذا كانت الحلقة تعيد خطاب المصالحة والوحدة والثوابت دون سؤال عن أسباب الإخفاق وأسماء المسؤولين عنه، فإنها تمنح الكلام القديم مدة بث إضافية. ويمكن لمقابلة مع شخصية مألوفة أن تكون مهمة، شريطة أن تواجهها بأرشيفها ووعودها ونتائج قراراتها، وأن تطلب منها إجابات محددة يمكن التحقق منها.
هنا تتحدد مسؤولية المحاور. فالمجاملة الطويلة، واستعراض السيرة، وإظهار الإعجاب بالضيف، قد تصنع أجواء مريحة، لكنها لا تكفي لصناعة مقابلة صحفية. السؤال المهني يحتاج إلى متابعة: ماذا تحقق من الوعد؟ لماذا تغير الموقف؟ من اتخذ القرار؟ وما الدليل على الرواية المقدمة؟ وحين يجيب الضيف عن سؤال آخر، على المحاور أن يعيده إلى السؤال الأصلي. احترام الضيف لا يقتضي تركه يدير الحلقة، كما أن المساءلة لا تحتاج إلى صراخ أو خصومة شخصية.
ويستحق التمويل موقعا مركزيا في هذا النقاش، خصوصا عندما تكون المنصة الفلسطينية مرتبطة بمؤسسة أو جهة تمويل خليجية. لكن القول إن كثيرا من البودكاست الفلسطيني يعتمد على هذا التمويل يحتاج إلى بيانات معلنة عن الملكية والعقود والرعاية، ولا يجوز تقديمه حقيقة محسومة دون توثيق. أما السؤال المشروع فهو: ما أثر أي تمويل خارجي في اختيار القضايا والضيوف؟ وهل توجد ضمانات تتيح للفريق التحريري معالجة موضوع يتعارض مع توجهات الممول أو مصالحه؟
التمويل الخليجي ليس كتلة واحدة، كما أن مصدر المال لا يثبت وحده خضوع المحتوى. غير أن غياب الشفافية يترك الجمهور عاجزا عن تقييم العلاقة. وقد يظهر أثر التمويل في ترتيب الأولويات، أو توجيه النقد نحو طرف وتخفيفه عن آخر، أو تفضيل ضيوف ينسجمون مع السياسة التحريرية للجهة الداعمة. هذه احتمالات ينبغي فحصها بالمقارنة والمتابعة، عبر رصد ما يقال وما يغيب، وكيف توزع الأسئلة الصعبة بين الأطراف، لا بالاكتفاء باتهام عام يصعب إثباته.
ولا تعفي سهولة إطلاق البودكاست من الاعتراف بكلفة استمراره. فالبحث والتحقق والتحرير والإنتاج أعمال تحتاج إلى أجور ووقت. لذلك لا يصح مطالبة الصحفي بالاستقلال دون التفكير في شروطه الاقتصادية. لكن الاعتماد على جهة واحدة يجعل المشروع أكثر هشاشة أمام رغباتها. ويمكن تخفيف ذلك بتنويع مصادر الدخل، وبناء عضويات واشتراكات ممكنة، وإعلان الرعاة، ووضع قواعد واضحة تمنع تدخلهم في التحرير. الاستقلال يحتاج إلى ترتيبات عملية تحميه كلما تغيرت الظروف.
ويحتاج البودكاست الفلسطيني أيضا إلى إعادة النظر في معيار النجاح. عدد المشاهدات مهم لاستمرار المشروع، لكنه لا يخبرنا وحده بما أضافته الحلقة. قد ينتشر تصريح مثير ثم ينتهي أثره بانتهاء الجدل، بينما تدفع حلقة أقل مشاهدة مؤسسة إلى الرد أو تكشف خللا يحتاج إلى المعالجة. والمتابعة جزء من التأثير: العودة إلى المسؤول بعد وعده، وإبلاغ الجمهور بما استجد، وتصحيح الخطأ علنا. هكذا تتكون علاقة ثقة تتجاوز الإعجاب بالمقدم أو شهرة الضيف.
المأزق أن تتحول فرصة التحرر من القالب القديم إلى وسيلة لإطالة عمره. فالفلسطيني الذي يتابع هذه البرامج يستحق أكثر من سماع السياسي نفسه على كرسي مختلف. يستحق معرفة تساعده على فهم واقعه، وأسئلة تمس حقوقه، وصحافة تواجه النفوذ بالأدلة. وإذا بقيت الموضوعات الحساسة مؤجلة، والوجوه ذاتها تحتكر الحديث، والتمويل بعيدا عن الإفصاح، فسيظل جانب من البودكاست الفلسطيني وسيلة إعلامية جديدة بأبعاد قديمة: يتغير شكل الوصول إلى الجمهور، وتبقى علاقته بالكلام والسلطة على حالها.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


