يونس العموري يكتب لوطن: مطالعة في أزمة الفعل الوطني الفلسطيني الراهن .. اعتداءات المستوطنين ومسؤولية القيادة.

يكاد لا يمر يوم أو صباح دون أن تطالعنا الأخبار باعتداء جديد للمستوطنين هنا أو هناك في الضفة الغربية، وبأساليب باتت معلومة ومعروفة، تبدأ بالاقتحام والترهيب والاعتداء الجسدي، ولا تنتهي بإحراق المنازل والمركبات، وتخريب الممتلكات، واقتلاع الأشجار، والاستيلاء على الأراضي، ومطاردة المزارعين والرعاة، وتهديد العائلات الفلسطينية في قراها وتجمعاتها. وفي القدس، لا يقل المشهد خطورة، بل يأخذ أبعادا أكثر حساسية مع اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى والحرم القدسي الشريف، وما يرافقها من استفزازات وممارسات تستهدف تغيير الواقع القائم في المكان، وفرض وقائع جديدة على واحد من أكثر المواقع الدينية والوطنية حساسية لدى الفلسطينيين والعرب والمسلمين. وبين اعتداء في قرية، واقتحام في مدينة، وتهديد في تجمع سكاني، وانتهاك في باحات المسجد الأقصى، تتكرر المشاهد حتى يكاد الخبر الجديد يبدو نسخة عن خبر سابق، وكأن الاعتداءات أصبحت جزءا من يوميات الفلسطيني، وكأن المطلوب منه أن يتعايش مع النار التي تقترب من بيته، ومع المستوطن الذي يقتحم أرضه، ومع السلاح الذي يلوح في وجهه، ثم ينتظر أن تصدر جهة ما بيانا تستنكر فيه ما حدث. لكن السؤال الذي يتجاوز الاعتداءات نفسها، ويضعنا أمام حقيقة أكثر قسوة، هو كيف وصل المستوطن إلى هذه الدرجة من الجرأة، وكيف تحول من فرد يتحرك بحسابات الخوف والحذر إلى قوة تقتحم وتعتدي وتهدد وتستولي، دون أن يبدو عليها وجل من عواقب ما تفعل؟ وفي المقابل، كيف وصل الفلسطيني إلى هذه الحالة التي بات فيها الخوف يتقدم على الفعل، والانتظار يتقدم على المبادرة، والاستنكار يتقدم على المواجهة، فيما تتراجع قدرة المجتمع وقواه السياسية على حماية وجوده والدفاع عن أرضه ومقدساته؟
لا يتعلق الأمر هنا بتمجيد مرحلة سابقة أو الادعاء بأن المستوطنين كانوا جميعا جبناء في ثمانينيات القرن الماضي، فقد عرف التاريخ الفلسطيني اعتداءات استيطانية وتنظيمات متطرفة مارست العنف في تلك السنوات أيضا. لكن المقارنة التي تستحق التأمل تتعلق بطبيعة المشهد وبالجرأة التي باتت تظهر اليوم، وبذلك الشعور المتنامي لدى قطاعات من المستوطنين بأن الطريق مفتوح أمامها لممارسة الاعتداء وفرض الوقائع على الأرض. ما الذي تغير حتى أصبح المستوطن يدخل القرية الفلسطينية وكأنه صاحب المكان، ويقتحم الحقول وكأنها ملكه، ويهدد أصحاب البيوت وكأنه يملك قرار بقائهم ورحيلهم؟ ومن أين جاءه هذا الاطمئنان إلى القوة، ومن أين استمد ثقته بأن الاعتداء يمكن أن يمر، وأن المساءلة ليست أمرا يستحق أن يقلق بشأنه؟ وهل اكتشف المستوطن فجأة شجاعة لم تكن لديه، أم أن البيئة السياسية والأمنية التي يتحرك فيها قد تغيرت إلى الحد الذي جعل الاعتداء أقل كلفة، والتوسع أكثر إغراء، والخوف من المحاسبة أقل حضورا؟ إن المستوطن لا يتحرك في فراغ، ولا تنشأ جرأته من فراغ، ولا يمكن فصل سلوكه عن مشروع استيطاني يتوسع، وحكومة تتبنى قوى في داخلها سياسات أكثر تطرفا، وواقع يسمح بتراكم الوقائع على الأرض، فيما تظل المحاسبة في كثير من الحالات دون مستوى خطورة الاعتداءات وتكرارها.
لقد تغيرت أشياء كثيرة في إسرائيل وفي المشروع الاستيطاني، وأصبح التيار اليميني المتطرف أكثر حضورا وتأثيرا في صناعة القرار، ولم تعد بعض الأفكار التي كانت توصف بالتطرف مجرد شعارات تتداولها مجموعات هامشية، بل باتت تجد طريقها إلى السياسات والممارسات والوقائع اليومية. وفي ظل هذا التحول، لم يعد المستوطن في بعض المناطق مجرد شخص يقيم في مستوطنة، بل أصبح جزءا من مشهد أوسع تتداخل فيه البؤر الاستيطانية مع الاعتداءات على التجمعات الفلسطينية، وتتداخل فيه السيطرة على الأرض مع التضييق على السكان، ويتحول فيه الترهيب
إلى وسيلة لفرض واقع جديد. وحين تتكرر الاعتداءات في المنطقة نفسها، وحين يصبح الوصول إلى الحقول والمراعي محفوفا بالمخاطر، وحين يجد الفلسطيني نفسه مضطرا إلى مغادرة أرضه أو التخلي عن مصدر رزقه تحت ضغط التهديد، فإننا لا نكون أمام حادثة عابرة، بل أمام نتيجة سياسية وجغرافية لا يجوز فصلها عن المشروع الذي تتقدم الوقائع في ظله. أما المليشيات والتشكيلات الاستيطانية، فإن خطورتها لا تكمن في السلاح الذي تحمله وحده، بل في الوظيفة التي قد تؤديها على الأرض، وفي قدرتها على تحويل الاعتداء المتكرر إلى أداة ضغط وتهجير وتوسيع للسيطرة. وهنا يصبح السؤال عن المستوطن سؤالا عن البيئة التي تحميه، وعن الجهات التي تتيح له الحركة، وعن منظومة القوة التي تجعله يعتقد أن بإمكانه أن يفعل ما يشاء، ثم يترك للفلسطيني مهمة إثبات أنه صاحب الحق في أرضه.
وليس بعيدا عن هذا المشهد ما يجري في القدس، حيث تتخذ اعتداءات المستوطنين بعدا يتجاوز الاعتداء على الأشخاص والممتلكات إلى المساس بالمدينة وهويتها ومكانتها الدينية والوطنية. فالمسجد الأقصى والحرم القدسي الشريف ليسا مجرد موقع جغرافي يمكن اختزال ما يجري فيهما في أخبار الاقتحامات اليومية، بل يمثلان جزءا أساسيا من الوجود الفلسطيني في القدس، ومن معركة الحفاظ على هويتها العربية والإسلامية. وعندما تتكرر اقتحامات المستوطنين، وتترافق مع الاستفزازات ومحاولات فرض مظاهر دينية وسياسية جديدة في باحات المسجد، فإن المسألة لا تعود متعلقة بسلوك أفراد فحسب، بل بما يمكن أن تفضي إليه هذه الممارسات من تغيير تدريجي في الواقع القائم، واستنزاف متواصل لحق الفلسطينيين في مدينتهم ومقدساتهم. والخطورة أن تكرار الاقتحامات قد يحول الاستثنائي إلى مألوف، وأن يصبح كل تصعيد مقدمة لتصعيد آخر، فيما يجري اختبار حدود ردود الفعل الفلسطينية والعربية والإسلامية والدولية. وكما في القرى والتجمعات الفلسطينية، يبدو المستوطن في القدس وكأنه يختبر المساحة التي يستطيع التقدم فيها، مستندا إلى ميزان قوة مختل، وإلى واقع سياسي وأمني لا يمنع تكرار هذه الممارسات. وهنا لا بد من السؤال.. كيف يمكن أن يصبح الاعتداء على أرض الفلسطيني وبيته وحقله أمرا متكررا في الضفة، فيما تتواصل محاولات الضغط على وجوده في القدس ومقدساته، دون أن تتبلور استجابة فلسطينية بمستوى هذا الترابط بين الأرض والهوية والمكان؟
لكن، ويا للمفارقة، كلما اتسعت جرأة المستوطن، اتسع في المقابل سؤال الخوف الفلسطيني. وهنا تحديدا لا بد من التوقف، لا لممارسة جلد الذات على طريقة الخطابات التي تتهم الشعب بالتقصير ثم تعفي القيادات من كل مسؤولية، ولا لتقديم الأعذار الجاهزة التي تحول كل تراجع إلى نتيجة حتمية للاحتلال، بل لفتح ملف بات إغلاقه أكثر خطورة من فتحه. نعم، الفلسطيني يعيش تحت الاحتلال، ويواجه اختلالا هائلا في موازين القوة، ويتعرض للاعتقال والقتل والملاحقة ومصادرة الأرض، ويعرف أن أي مواجهة قد تكون لها أثمان قاسية يدفعها هو وأسرته ومجتمعه. لكن هل تكفي هذه الحقيقة لتفسير كل هذا الصمت، وكل هذا التراجع، وكل هذا العجز عن بناء فعل جماعي يتناسب مع حجم الخطر؟ هل أصبح الاحتلال تفسيرا جاهزا لكل عجز فلسطيني، حتى لم يعد مسموحا لنا أن نسأل لماذا تتراجع المبادرة، ولماذا تتفكك القدرة على الفعل، ولماذا يصبح الخوف في بعض المواقع أقوى من الإرادة، ولماذا يعتاد المجتمع تدريجيا على مشاهد كان يفترض أن تستنفر فيه أقصى درجات التضامن والتنظيم والمواجهة الشعبية؟ إن الاحتلال يفسر قسوة الظروف، لكنه لا يلغي حق المجتمع في مساءلة قياداته، ولا يمنح أحدا حصانة مفتوحة من النقد، ولا يحول العجز السياسي إلى فضيلة، ولا يجعل الصمت استراتيجية وطنية.
إن الخوف مفهوم حين يكون الإنسان مهددا في بيته وأطفاله ورزقه، لكنه يصبح مشكلة وطنية حين يتحول من شعور فردي طبيعي إلى حالة عامة تعيد ترتيب حياة المجتمع على مقاس المعتدي. والمشكلة ليست أن يخاف الفلسطيني، فالشجاعة ليست غياب الخوف، بل أن يصبح الخوف هو الذي يقرر ما يمكن فعله وما لا يمكن فعله، وأن يتحول الحذر إلى انسحاب، والحرص على السلامة إلى عزلة، وتجنب الخسارة إلى خسارة متراكمة للأرض والقدرة والوجود. والمشكلة الأكبر أن يجري التعامل مع هذا التحول باعتباره أمرا طبيعيا لا يستدعي مراجعة، وكأن المطلوب من الفلسطيني أن يتكيف مع الاعتداءات، وأن يعيد حساباته كل يوم على أساس المسافة التي يستطيع المستوطن أن يتقدمها، لا على أساس الحق الذي ينبغي أن يحميه. لقد أصبحنا أمام مفارقة قاسية .. المستوطن يختبر حدود ما يستطيع فعله، والفلسطيني يختبر حدود ما يستطيع احتماله، وبين الاثنين تتقدم الوقائع التي لا تنتظر أحدا، وتضيق المساحة التي يمكن أن يبقى فيها الناس على أرضهم. وليس من المقبول أن يتحول توصيف هذه المفارقة إلى مرثية طويلة للفلسطيني، أو أن نكتفي بتفسير خوفه حتى يصبح الخوف أمرا لا يجوز المساس به. فالمجتمع الذي يخسر أرضه تدريجيا لا يستطيع أن يكتفي بفهم أسباب تراجعه، بل عليه أن يواجهها، وأن يسائل نفسه وقواه وقياداته عن المسؤولية في استمرارها.
ولعل السؤال الأكثر إيلاما ليس لماذا يخاف الفلسطيني، بل لماذا ترك الفلسطيني وحيدا أمام خوفه، ولماذا لم تتحول هذه الحقيقة إلى جرس إنذار يدفع إلى مراجعة وطنية شاملة؟ من المسؤول عن تحويل الخوف إلى حالة اجتماعية وسياسية ممتدة؟ ومن المسؤول عن غياب الإطار الذي يحول القلق الفردي إلى فعل جماعي، ويحول التضامن الموسمي إلى حماية مستمرة، ويحول الغضب الشعبي إلى قوة سياسية قادرة على إحداث أثر؟ لا يجوز أن نطالب الناس بالمواجهة ثم نتركهم يدبرون وحدهم عواقبها، ولا يجوز أن نرفع شعارات الصمود فيما تفتقر القرى والتجمعات المهددة إلى خطط إسناد واضحة، ولا أن نطلب من المزارع أن يتمسك بأرضه ثم نكتشف بعد رحيله أننا كنا نكتفي بالحديث عن أهمية الأرض. والصورة ذاتها تتكرر في القدس، حيث لا يكفي أن نستحضر مكانة المسجد الأقصى في خطابنا السياسي والوطني، ثم نترك أهل المدينة والمرابطين فيها يواجهون وحدهم ضغوط الحياة اليومية والاعتداءات ومحاولات تغيير الواقع القائم. لكن المسؤولية لا تتوقف عند السؤال عن الذين تركوا الناس وحدهم، بل تمتد إلى الناس أنفسهم، وإلى المجتمع الذي ينبغي أن يسأل عن حدود تراجعه، وعن استعداده لاستعادة المبادرة، وعن قدرته على الخروج من حالة انتظار لا تنتج سوى المزيد من الانتظار. فالصمود ليس قصيدة تلقى على الناس، ولا شعارا يرفع في المناسبات، ولا بطولة نطالب بها الآخرين بينما نتفرج على أثمانها. الصمود فعل يحتاج إلى تنظيم وإسناد واستمرارية، ويحتاج إلى قيادة تفهم أن حماية الوجود الفلسطيني، في القرى والبلدات والقدس ومحيط المسجد الأقصى، ليست ملفا من ملفات العمل الوطني، بل هي جوهره في هذه اللحظة.
وهنا تصل المساءلة إلى القوى والفصائل والقيادات الفلسطينية، حيث لا تنفع المجاملة ولا يكفي الاحتماء بتاريخ النضال أو رصيد التضحيات. أين هذه القوى حين تتعرض القرى للاعتداءات المتكررة؟ أين خططها لحماية التجمعات المهددة؟ أين حضورها المنظم في المناطق التي تتعرض للاستهداف؟ وأين قدرتها على تحويل ما يجري إلى قضية وطنية يومية تتجاوز البيان والصورة والتصريح؟ وأين القدس في برامج الفعل الوطني التي تتجاوز المناسبات والخطابات، وأين الإسناد المستمر لأهلها في مواجهة الاعتداءات والضغوط التي تستهدف المدينة ومقدساتها؟ لقد استهلكت الحياة السياسية الفلسطينية قدرا كبيرا من الكلمات عن الصمود والوحدة والمقاومة الشعبية والثبات في الأرض، لكن الكلمات لا تمنع مستوطنا من اقتحام منزل، ولا تعيد عائلة غادرت تجمعها تحت
التهديد، ولا تحمي مزارعا حين يصبح الوصول إلى أرضه مغامرة محفوفة بالخطر، ولا تكفي وحدها لحماية القدس من محاولات تغيير واقعها. وليس المطلوب أن تكون الفصائل حاضرة في كل مكان على مدار الساعة، ولا أن تتجاهل حجم المخاطر والقيود المفروضة عليها، بل أن تفسر للناس أين تبدأ مسؤوليتها وأين تنتهي، ولماذا لا تتكامل الإمكانات الشعبية والوطنية في برنامج مستمر لمواجهة الاعتداءات، ولماذا يبدو المجتمع في كثير من الأحيان أكثر استعدادا للمبادرة من القوى التي يفترض أن تقوده وتنظم جهده وتحمي استمراره. إن الفصائل التي لا تستطيع أن تشرح للناس ماذا تفعل لحماية الأرض، وكيف تنظم حضورها، وأين تتكامل أدوارها، وما الذي تغيره في حياة الفلسطينيين، مطالبة بأن تراجع نفسها، لا أن تكتفي بإعادة إنتاج خطابها القديم كلما ارتفع منسوب الخطر.
أما السلطة الفلسطينية، فإن نصيبها من المساءلة لا يجوز أن يظل أقل من نصيب غيرها، ولا أن تحتمي بالمؤسسات والبيانات والتقارير وكأنها بذلك أدت ما عليها. لقد أصبح التوثيق حاضرا في المشهد الفلسطيني على نحو واسع، من المؤسسات الحقوقية إلى الهيئات الرسمية، ومن مراكز الأبحاث إلى تشكيلات السلطة وأجهزتها الأمنية، حتى بات الفلسطيني في كثير من الأحيان يوثق الاعتداء، ويصور تفاصيله، ويجمع الشهادات، ويعد التقرير، ويرفعه إلى الجهة المعنية، ثم ينتظر اعتداء جديدا يوثقه بالطريقة نفسها. ولا أحد ينكر أهمية التوثيق، فهو يحفظ الوقائع من الإنكار، ويوفر أدلة للملاحقة القانونية، ويحمي الذاكرة من التزييف، لكن السؤال الذي ينبغي أن يزعج الجميع هو: ماذا بعد التوثيق؟ ماذا تفعل السلطة بكل ما تجمعه من معلومات وبيانات وشهادات؟ وكيف تتحول هذه المعرفة المتراكمة إلى سياسة ضغط ومحاسبة وحماية وإسناد؟ وما الجدوى من أن نعرف أسماء القرى والتجمعات المستهدفة، وأن نحصي الاعتداءات وأضرارها، وأن نصدر التقارير تباعا، إذا ظلت الأرض نفسها عرضة للاعتداء، وبقي السكان أنفسهم تحت التهديد، وظل المستوطن قادرا على العودة إلى المكان ذاته دون أن يشعر بأن ما يفعله يرتب عليه ثمنا سياسيا أو قانونيا أو ميدانيا؟
لقد اقتربنا من مرحلة يصبح فيها السؤال عن التوثيق نفسه سؤالا سياسيا. هل أصبح التوثيق في بعض جوانب العمل الرسمي غاية مكتفية بذاتها، أم أنه ما زال أداة يفترض أن تقود إلى فعل؟ وهل تحولت المؤسسات التي تملك المعلومات إلى مستودعات تحفظ الوقائع، بدلا من أن تكون جزءا من منظومة وطنية تستخدمها لصناعة الضغط ومواجهة النتائج؟ لا مشكلة في أن توثق الأجهزة الأمنية الاعتداءات، ولا في أن تجمع المؤسسات الرسمية الأدلة، بل المشكلة أن يظل التوثيق معزولا عن خطة واضحة تترجم المعلومات إلى استجابة. فليس من المعقول أن تتعدد الجهات التي تعرف وتوثق وتدرس وتصدر التقارير، فيما يبقى المواطن الذي تعرض للاعتداء يسأل من يحميه، والمزارع يسأل كيف يصل إلى أرضه، والعائلة تسأل كيف تمنع تهجيرها، وأهل القدس يسألون كيف يمكن وقف الاعتداءات المتكررة على مدينتهم ومقدساتهم. إن كثرة التقارير ليست دليلا بذاتها على فاعلية السياسة، كما أن تراكم الملفات لا يعني أن القضية تتقدم. وقد يكون أكثر ما يثير السخرية المريرة أن يصبح لدينا سجل دقيق لكل ما نخسره، فيما لا نملك بالقدر نفسه خطة واضحة تمنع الخسارة التالية.
وهنا ينبغي أن تكون المساءلة مباشرة: هل تقيس السلطة نجاحها بعدد البيانات والتقارير التي تصدرها، أم بمقدار ما تستطيع فعله لتغيير واقع الناس؟ وما حدود مسؤوليتها السياسية والوطنية في ظل استمرار الاعتداءات؟ وأين تقع حماية التجمعات الفلسطينية، ومساندة المزارعين، وتعزيز صمود أهل القدس، وتوفير الإسناد القانوني والاجتماعي للمتضررين، من سلم أولوياتها؟ إن
السلطة ليست مطالبة بأن تنهي الاحتلال بقرار إداري، ولا بأن تتجاهل موازين القوة والقيود المفروضة عليها، لكنها مطالبة بألا تجعل هذه القيود جوابا نهائيا عن كل سؤال، وألا تسمح بأن يتحول العمل المؤسسي إلى دائرة مغلقة تبدأ بالتوثيق وتنتهي بالتوثيق. وإذا كانت بعض الخيارات السياسية محدودة، فإن ذلك يجعل الحاجة إلى مراجعة الخيارات الأخرى أكثر إلحاحا، لا أقل. وإذا كان التحرك الدولي لا يستجيب بالقدر المطلوب، فذلك يفرض إعادة تقييم أدوات الضغط وآليات بناء المواقف والتحالفات، لا الاكتفاء بتكرار المناشدات. وإذا كانت الاعتداءات معروفة المواقع والأساليب والأنماط، فإن واجب المؤسسات أن تربط المعرفة بالتخطيط والاستجابة والمحاسبة، وأن تشرح للرأي العام ما الذي أنجزته وما الذي أخفقت فيه، بدلا من ترك الناس أسرى التوقعات والوعود العامة.
ولا يمكن فصل هذه المساءلة عن دور النخب القيادية التي اعتادت إدارة الأزمة أكثر مما عملت على تغيير شروطها. فهناك فرق بين قيادة تصف الواقع وقيادة تشتبك معه، وبين مسؤول يتحدث عن الخطر ومسؤول يضع برنامجا للتعامل معه، وبين نخبة تستهلك لغة الصمود ونخبة تقبل أن تخضع نفسها للمساءلة عن نتائج سياساتها. لقد أصبح الفلسطيني بحاجة إلى إجابات ملموسة لا إلى مزيد من المفردات المحفوظة. ماذا تقترح القيادات؟ ماذا تنفذ؟ كيف توحد الجهد؟ ما الذي يتغير بعد اجتماعاتها؟ وما الذي يمنعها من الاتفاق على حد أدنى من برنامج وطني لحماية الأرض ومواجهة الاستيطان؟ إن استمرار الاعتداءات لا يضع المستوطن وحده أمام مسؤوليته، بل يضع النخب الفلسطينية أيضا أمام سؤال شرعيتها العملية: ماذا تعني القيادة إذا لم تنجح في تحويل الخطر الذي يعرفه الجميع إلى فعل جماعي منظم؟ وماذا يعني التمثيل الوطني إذا بقيت المجتمعات الأكثر تعرضا للتهديد تتصرف وكأنها وحدها في مواجهة مصيرها؟
ولا تقل مسؤولية القوى الشعبية ومؤسسات المجتمع المدني أهمية عن ذلك. فالتضامن الذي يظهر في يوم الاعتداء ثم يتلاشى لا يكفي لمواجهة مشروع يتحرك على الأرض بصورة متواصلة. والمبادرات التي تعتمد على حماسة أفراد، مهما كانت أهميتها، تظل محدودة الأثر ما لم تتصل بعمل منظم يضمن الاستمرارية والتنسيق وتوزيع المسؤوليات. لقد بات مطلوبا أن نعيد النظر في معنى الحضور الشعبي، وأن نتوقف عن التعامل مع الاعتداءات باعتبارها أخبارا تستدعي التضامن ثم تنتهي بانتهاء تداولها. فالمجتمع الذي يريد حماية أرضه يحتاج إلى أن يعرف أين تقع بؤر الخطر، وكيف يساند التجمعات المهددة، وكيف يوثق الاعتداءات، وكيف يربط بين المبادرة المحلية والجهد الوطني، وكيف يمنع عائلة أو قرية من الشعور بأنها متروكة لمصيرها. وفي القدس أيضا، لا يجوز أن يقتصر الاهتمام على ردود الفعل التي تتصاعد عقب اقتحام أو اعتداء ثم تخفت، بل ينبغي أن يتحول إلى إسناد مستمر لأهل المدينة، وإلى عمل سياسي وقانوني وشعبي يضع حماية وجودهم ومقدساتهم في صلب الأولويات. إن المطلوب ليس مطالبة كل فلسطيني بأن يواجه المستوطن بمفرده، بل كسر العزلة التي تترك الفرد والعائلة والقرية والمدينة في مواجهة الخطر دون شبكة إسناد فاعلة، وتحويل التضامن من موقف أخلاقي عابر إلى مسؤولية وطنية مستمرة.
ومن هنا، فإن الحديث عن المقاومة لا ينبغي أن يبقى رهينة الشعارات أو أسيرا للتجاذبات الفصائلية، كما لا يجوز أن يتحول إلى كلمة تستدعى في الخطب ثم يجري تفريغها من أي مضمون عملي. فالمقاومة في معناها الوطني الواسع هي رفض الاستسلام للوقائع التي يراد فرضها على الفلسطينيين، والعمل على منع الاستيطان من التحول إلى حقيقة نهائية، والدفاع عن الأرض والوجود والحقوق بكل الوسائل السياسية والشعبية والقانونية والمدنية المشروعة التي يمكن تنظيمها وتطويرها. وهي تقتضي أن تكون الخيارات مفتوحة أمام نقاش وطني جدي ومسؤول، لا أن تبقى
محصورة في بيانات الإدانة أو في حسابات التنظيمات ومصالحها، ولا أن يختزلها أحد في خطاب تعبوي لا يقدم للناس سوى مزيد من الوعود. إن الدعوة إلى المواجهة ليست دعوة إلى إرسال الناس إلى الخطر ثم تركهم وحدهم، وليست مطالبة بمغامرات فردية غير محسوبة، بل دعوة إلى إنهاء حالة الانتظار، واستعادة المبادرة، وبناء قدرة جماعية على حماية التجمعات والأرض والمقدسات، وفرض كلفة سياسية وقانونية وشعبية على منظومة الاعتداء، وتعزيز أشكال المقاومة الشعبية التي يستطيع المجتمع تنظيمها واستدامتها، وملاحقة مرتكبي الجرائم، وتوسيع دوائر التضامن والضغط. أما استمرار الوضع على ما هو عليه، مع معرفة حجم الخطر وتكرار الاعتداءات، فلا يمكن أن يكون خيارا وطنيا مقبولا.
وإذا كان المستوطن قد أصبح أكثر جرأة، فإن جزءا من هذه الجرأة يرتبط بإدراكه أن الاعتداء قد لا يترتب عليه ثمن يردعه. لكن الوجه الآخر للحقيقة هو أن تراجع القدرة الفلسطينية على تنظيم المواجهة وإدامتها يترك له مساحة أوسع للحركة. وهذه ليست مساواة بين المعتدي والضحية، وليست إعفاء للاحتلال من مسؤوليته عن العنف، بل قراءة لوجه آخر من المشهد ينبغي ألا نهرب منه. فالمستوطن يمتلك امتيازات القوة والحماية التي لا يمتلكها الفلسطيني، لكنه يستفيد أيضا من كل فراغ يتركه غياب التنظيم الفلسطيني، ومن كل انقسام يحول دون بناء موقف موحد، ومن كل خلاف سياسي يستهلك الجهد في الداخل بينما تتقدم الوقائع على الأرض. وحين ينشغل الفلسطينيون بصراعاتهم الداخلية، وحين تتحول الفصائل إلى جزر منفصلة، وحين تصبح الحسابات التنظيمية أسبق من المصلحة الوطنية، فإن المستوطن لا يحتاج إلى أن ينتصر على مجتمع موحد؛ يكفيه أن يجد مجتمعا لا يستطيع توحيد جهده بالقدر الذي يتطلبه الخطر. وعندما تنشغل السلطة بإدارة الملفات وتكتفي بعض مؤسساتها بإنتاج مزيد من الوثائق، وتنشغل النخب بحسابات البقاء السياسي، تصبح الفجوة بين ما يجري على الأرض وما يجري في المكاتب أكثر اتساعا من أن تخفيها البيانات.
إن الخوف الفلسطيني لا يولد من عامل واحد، ولا يمكن تفسيره بضعف الشجاعة أو انهيار الإرادة وحدهما. إنه نتاج تراكم طويل من العنف والتهديد والخسارات، ومن اختلال موازين القوة، ومن تراجع الثقة بقدرة المؤسسات والقوى السياسية على توفير الحماية والإسناد. لكن هذا التفسير لا ينبغي أن يتحول إلى حكم نهائي على الفلسطيني، ولا إلى شهادة براءة للقوى التي أخفقت في تنظيم قدراته. فالمجتمع الذي يتعرض للضغط يحتاج إلى من يساعده على استعادة ثقته بقدرته على الفعل، لا إلى من يطالبه بالصمود من بعيد، ولا إلى من يوبخه على خوفه بينما يتركه وحيدا. وفي المقابل، يحتاج المجتمع نفسه إلى مصارحة قاسية بشأن ما أصاب قدرته على المبادرة، وبشأن تحوله أحيانا من شريك في صناعة الفعل الوطني إلى جمهور ينتظر ما تقرره القيادات، أو ما تسمح به الظروف، أو ما قد تحمله الأيام المقبلة. فلا يمكن أن نستعيد القدرة على الفعل إذا ظللنا نبحث عن الأعذار، ولا يمكن أن نطالب القيادات بالتغيير فيما نعفيها من المساءلة، ولا يمكن أن نطلب من المجتمع أن يستعيد ثقته بنفسه إذا كانت المؤسسات التي يفترض أن تسنده لا تقدم له سوى توصيف دقيق لما يتعرض له.
لقد آن الأوان لأن نتوقف عن ترديد أن المستوطنين يزدادون تطرفا وكأننا نصف ظاهرة لا نملك إزاءها إلا الشكوى. وآن الأوان أيضا لأن نتوقف عن التعامل مع الخوف الفلسطيني باعتباره أمرا لا يجوز الاقتراب منه بالنقد، أو باعتباره نتيجة حتمية لا يمكن تغييرها. فالمطلوب أن نفهم كيف أصبح المعتدي أكثر اطمئنانا إلى قدرته على الفعل، وكيف أصبح الفلسطيني أقل اطمئنانا إلى قدرته على حماية وجوده، وما الذي ينبغي تغييره في بنية العمل الوطني والاجتماعي حتى لا تبقى هذه المعادلة قائمة. وليس المطلوب أن نلقي باللوم على الفلسطيني لأنه خائف، بل أن نرفض أن يصبح
الخوف قدره الدائم، وأن نضع القوى والقيادات والمؤسسات أمام مسؤوليتها عن استعادة المبادرة. لقد آن الأوان للانتقال من توثيق الخسارة إلى العمل على منعها، ومن تعداد الاعتداءات إلى بناء استجابة لها، ومن إدارة الأزمة إلى تغيير شروطها، ومن استدعاء المقاومة في الخطاب إلى بناء فعل وطني مستمر يحمي الناس والأرض والمقدسات. فليس مقبولا أن نعرف كل شيء عما يحدث، وأن نوثق كل شيء، وأن نكتب التقارير عن كل شيء، ثم نتصرف كما لو أن قدرتنا على الفعل لا تزال مجهولة.
فالضفة الغربية والقدس لا تواجهان اعتداءات متفرقة فحسب، بل تواجهان واقعا تتشابك فيه القوة المسلحة مع التوسع الاستيطاني، ويتحول فيه الترهيب إلى ضغط على الوجود الفلسطيني نفسه. وكل أرض يغادرها أهلها تحت التهديد ليست مجرد مساحة جغرافية ضائعة، بل خسارة في قدرة المجتمع على البقاء، وفي ثقته بأن هناك من يقف معه، وفي معنى الانتماء إلى وطن يفترض أن يكون له فيه مكان آمن. وكل اعتداء على المسجد الأقصى والحرم القدسي الشريف لا ينبغي أن يمر باعتباره خبرا عابرا في دورة الأخبار اليومية، بل يجب أن يقرأ في سياق ما تتعرض له القدس من ضغوط ومحاولات لفرض وقائع جديدة. وإذا كان المستوطن قد تعلم أن بإمكانه التقدم حين لا يجد ما يردعه، فإن الفلسطيني مطالب باستعادة القدرة على حماية أرضه ومقدساته من خلال فعل وطني منظم، لا من خلال بطولة فردية تترك صاحبها وحيدا، ولا من خلال خطاب يحمّل الناس ما لا توفره لهم المؤسسات من أدوات وإمكانات. وفي المقابل، فإن السلطة والفصائل والنخب القيادية مطالبة بأن تقدم حسابا واضحا عما فعلته، لا عما وثقته فقط، وأن تشرح ما الذي ستفعله، لا أن تكتفي بإعادة سرد ما وقع.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي ينبغي ألا نسمح له بأن يضيع بين بيانات الإدانة وخطب الصمود وتقارير التوثيق .. هل أصبح المستوطن أقوى فعلا، أم أن تراجع كلفة اعتدائه، واتساع هامش حركته، وتآكل القدرة الفلسطينية على مواجهته، هي التي جعلته يبدو وكأنه لا يخاف أحدا؟ لعل الإجابة تكمن في اجتماع هذه العوامل جميعا، لكن الأخطر أن نعتاد المشهد إلى درجة يصبح فيها السؤال نفسه بلا أثر. فالمستوطن الذي يعتدي اليوم قد يعود غدا إلى المكان نفسه، وقد يتقدم خطوة أخرى، وقد يكتشف أن ما كان يثير الخوف بالأمس أصبح أمرا مألوفا اليوم. أما الفلسطيني، فلا يجوز أن يترك نفسه أسير هذه المعادلة، ولا يجوز لقواه وقياداته أن تواصل التعامل معها كأنها قدر لا يمكن تغييره. فالخطر ليس في أن يخاف الفلسطيني، بل في أن يتحول خوفه إلى نظام حياة، وفي أن يتحول عجز القوى السياسية إلى واقع دائم، وفي أن يصبح التوثيق بديلا عن الفعل، والبيان بديلا عن السياسة، والخطاب بديلا عن المواجهة الوطنية المنظمة، فيما يتقدم المستوطن على الأرض خطوة بعد أخرى. وعندها لن يكون السؤال لماذا يعتدي المستوطن بهذه الجرأة وحدها، بل لماذا تركناه يصل إلى هذه الدرجة، ولماذا لم نستطع حتى الآن أن نجعل لاعتدائه كلفة سياسية وشعبية وقانونية حقيقية، ولماذا ما زلنا ننتظر أن يتوقف من تلقاء نفسه، فيما الأرض لا تنتظر، والمستوطن لا ينتظر، والوقت الذي نخسره لا يعود.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


