هارون بشاره يكتب لوطن: من المنصب إلى الميدان: درس في تجديد القيادة

في مشهد يستحق التوقف عنده، يظهر أيمن عودة في الشارع، يوزّع المنشورات الانتخابية ويدعو الناس إلى التصويت للقائمة المشتركة. الرجل الذي أمضى نحو عقد في العمل البرلماني، وقاد قائمة سياسية وازنة، يعود إلى الميدان لا مرشحاً يسعى إلى الاحتفاظ بمقعده، بل سياسياً يواصل العمل من موقع آخر.
ليست أهمية المشهد في أن سياسياً ترك البرلمان وعاد إلى الشارع؛ فالميدان لم يكن غائباً عن تجربته أصلاً. الأهم أنه لم يجعل البقاء في البرلمان شرطاً لاستمرار حضوره السياسي، وأن انتهاء دوره البرلماني لم يتحول إلى نهاية لمسيرته. لقد انتقلت رئاسة القائمة البرلمانية إلى قيادة أخرى، فيما بقي عودة حاضراً في الحياة السياسية، مشاركاً في العمل العام من خارج موقعه السابق.
قد يبدو ذلك طبيعياً في حياة حزبية تتداول المسؤوليات، لكنه يكتسب دلالة خاصة حين ننظر إلى واقع الأحزاب الفلسطينية، حيث تتمسك قيادات بمواقعها سنوات طويلة، حتى يصبح المنصب، في حالات عديدة، أقرب إلى امتياز دائم منه إلى مسؤولية يفترض أن تكون قابلة للتداول.
هنا تتجاوز تجربة أيمن عودة حدودها الشخصية، وتطرح سؤالاً على الحياة السياسية الفلسطينية: لماذا يصعب على بعض القيادات مغادرة مواقعها، ولماذا يبقى تداول القيادة أمراً مؤجلاً، كأن الحزب لا يستطيع أن يجدّد نفسه إلا عندما تفرض الظروف تغييراً لم يعد بالإمكان تجنبه؟
لا تكمن المشكلة في أن الأحزاب الفلسطينية عاجزة بالضرورة عن الاستمرار بعد غياب قادتها. فالتجربة السياسية، الفلسطينية وغيرها، تقدم شواهد على استمرار التنظيمات بعد رحيل مؤسسيها وقياداتها، حتى في ظروف قاسية. المشكلة الأعمق هي أن انتقال القيادة قد يحدث اضطراراً، بفعل الموت أو المرض أو العجز، بينما لا يتحول إلى ممارسة سياسية واعية تجري في حياة القائد، وبإرادة المؤسسة نفسها.
وهذا فارق جوهري. فأن يستمر الحزب بعد غياب قائده لا يعني بالضرورة أنه يمتلك ثقافة ديمقراطية داخلية، كما أن بقاء القائد عقوداً لا يمكن تبريره بمجرد القول إن المرحلة استثنائية أو إن الخبرة المتراكمة لا يمكن تعويضها. السؤال الحقيقي هو: هل يستطيع الحزب أن يجدّد قيادته من دون أن يفقد خبرته وتماسكه، وهل يستطيع القائد أن يحافظ على دوره السياسي من دون أن يحتكر الموقع؟
تتداخل في استمرار القيادات عوامل تنظيمية وسياسية. يأتي في مقدمتها ضعف الديمقراطية الداخلية، حين تتأخر المؤتمرات الحزبية، أو تغيب الانتخابات التنافسية الفعلية، أو تتركز القرارات في دوائر ضيقة. وفي غياب قواعد واضحة لتجديد الهيئات القيادية، يتحول البقاء في المنصب من حالة مؤقتة إلى أمر واقع، وتصبح المنافسة على القيادة استثناءً يحتاج إلى تبرير.
وتوفر الظروف الفلسطينية، بما فيها الاحتلال والانقسام وتعطل المؤسسات، مبررات حقيقية لتأجيل بعض الاستحقاقات التنظيمية. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول هذه الظروف إلى ذريعة دائمة لتعليق التجديد. فالحفاظ على وحدة الصف لا ينبغي أن يعني إغلاق النقاش الداخلي، كما أن صعوبة المرحلة لا تجعل تداول المسؤوليات ترفاً سياسياً. بل إن المؤسسة التي لا تتدرب على انتقال القيادة في الظروف العادية قد تجد نفسها أكثر هشاشة عندما تواجه أزمة مفاجئة.
وثمة عامل آخر لا يقل أهمية، هو ارتباط المواقع القيادية بشبكات النفوذ والموارد والعلاقات التنظيمية. فعندما تتداخل سلطة القيادة مع فرص التقدم داخل الحزب، ومع التحكم في قنوات الاتصال وصنع القرار، تصبح المنافسة مكلفة، وقد يفضّل بعض الأعضاء الصمت أو التكيف على خوض مواجهة تهدد مستقبلهم التنظيمي. عندئذ لا يعود استمرار القيادة مرتبطاً بالخبرة أو الشعبية وحدهما، بل أيضاً بقدرة المنظومة القائمة على إعادة إنتاج نفسها.
وتضاف إلى ذلك ثقافة سياسية تمنح تاريخ النضال والخبرة شرعية تكاد تتحول إلى حصانة من المساءلة. لا شك أن التاريخ يستحق التقدير، وأن الخبرة عنصر مهم في العمل السياسي، لكنهما لا يمنحان أحداً حقاً دائماً في القيادة. فالقيادة لا تُقاس بما أنجزته في الماضي فقط، بل أيضاً بما تبنيه للمستقبل، وبقدرتها على إعداد كوادر جديدة، وتوسيع المشاركة، وإفساح المجال أمام أفكار وأساليب عمل مختلفة.
في هذا السياق، تكتسب تجربة أيمن عودة دلالتها. فهو لم ينسحب من السياسة، ولم يقطع صلته بالجبهة، لكنه لم يجعل استمرار موقعه البرلماني شرطاً لمواصلة دوره. إن انتقال رئاسة القائمة إلى قيادة أخرى، مع استمرار حضوره السياسي، يتيح التمييز بين أمرين كثيراً ما يجري الخلط بينهما: الاستمرار في العمل السياسي، والاستمرار في شغل الموقع نفسه.
وهنا تكمن أهمية الدرس الذي يمكن أن تستفيد منه الأحزاب الفلسطينية، ولا سيما في الضفة الغربية. ليس المطلوب أن تتخلى القيادات عن خبرتها أو تاريخها، ولا أن تتحول المغادرة إلى شرط شكلي يُفرض على الجميع بالطريقة نفسها. المطلوب أن يصبح المنصب مسؤولية محددة، وأن تكون هناك آليات واضحة لتجديد القيادة، ومؤتمرات دورية، وانتخابات تنافسية، وإعداد فعلي لصف ثانٍ يشارك في القرار ويتحمل المسؤولية.
إن تداول القيادة لا ينتقص من مكانة القائد الذي يغادر موقعه، بل قد يكون امتداداً لمسؤوليته تجاه حزبه. فالقائد الذي يساهم في بناء مؤسسة قادرة على الاستمرار من دونه يترك إرثاً يتجاوز سنوات بقائه في المنصب. أما المؤسسة التي تختصر نفسها في شخص واحد، فإنها تضع مستقبلها في مواجهة سؤال مؤجل: ماذا سيحدث عندما يغيب هذا الشخص، لأي سبب كان؟
ليست صورة أيمن عودة في الشارع مجرد مشهد انتخابي عابر. إنها مناسبة للتفكير في معنى القيادة السياسية، وفي إمكان استمرار التأثير من خارج المنصب، وفي ضرورة أن تتعامل الأحزاب مع تجديد قياداتها باعتباره جزءاً من حيويتها، لا تهديداً لاستقرارها.
وعلى الأحزاب الفلسطينية أن تواجه هذا السؤال بوضوح: هل تبني مؤسسات قادرة على الاستمرار والتجدد، أم تظل تربط استقرارها ببقاء الأشخاص أنفسهم؟ إن الحزب الذي لا يستطيع أن يهيئ انتقالاً منظماً لقيادته لا يواجه مشكلة في اختيار خلف فحسب، بل مشكلة أعمق في طبيعة المؤسسة التي بناها، وفي فهمها للعلاقة بين المسؤولية والسلطة.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


