محمود كلّم يكتب لوطن: سمر حمد… حوارٌ يتيم، وغيابٌ ترك في القلب غصّة

11.10.2026 07:36 AM

 قبل ثلاثة أيام من اعتقالها، عدتُ إلى صفحتي على «فيسبوك» بعد غياب طويل.

وجدتُ أمامي عدداً من طلبات الصداقة التي تراكمت خلال غيابي، لكنني وافقت على طلب واحد فقط، من بين عشرات الطلبات التي تجاهلتها دون أن أفكر طويلاً. كان الطلب من سمر حمد، ولم أكن أعرفها من قبل، لكن ما دفعني إلى قبوله أنها أعجبت بمقالي عن الشهيد نزار بنات والأسير علاء الريماوي.

لم أكن أعرف أن نقرةً صغيرة على شاشة الهاتف ستصبح، بعد أيام قليلة، ذكرى موجعة، وأن حواراً عابراً في فضاء افتراضي سيتحوّل إلى حكاية أثقل من قدرتي على الاحتمال.

بدأ الحديث بيننا، وامتد طويلاً في قضايا فلسطين، والشهداء والأسرى، والحرية التي يدفع الفلسطينيون أعمارهم ثمناً لها. كان حواراً يتيماً لم يتكرّر، لكنه كان من تلك الحوارات التي لا تُقاس بطولها، بل بما تتركه في النفس من أثر.

كانت سمر حمد من رام الله، في الضفة الفلسطينية المحتلة. ومنذ الكلمات الأولى، شعرتُ أنني لا أتحدث إلى غريبة تماماً، بل إلى إنسانة تعرف كيف تمنح الكلمات روحاً، وكيف تجعل من اللغة بيتاً يتّسع للوجع والأمل معاً.

شكرتني لأنها قرأت مقالي عن نزار بنات وعلاء الريماوي، وقالت إنها قرأته «عن ظهر روح»، وإنه لامسها كثيراً لأنها تعرف الرجلين.

وحين سألتها إن كانت قد قرأت كتابي عن الشهيد نزار بنات، قالت إنها لم تقرأه، لكنها تعرف نزار بنات الإنسان الذي كان بطل الكتاب الحقيقي، وإن استشهاده شكّل نقطة فارقة في وعيها.

كان الشهيد نزار بنات، كما وصفته، رجلاً عرفته مدة قصيرة، لكنه ترك أثراً عميقاً فيها. ثم كتبت كلمات لا تزال ترنّ في ذاكرتي:

«هنا الثوار لهم وقع في القلوب، كأنهم صوت القيامة الذي لا بد أن يدوي، ولو بعد حين، لهدم عروش الظالمين. لذلك نزار ومن مثله لهم مكان في قلب كل من يرنو إلى الحرية».

لم تكن تتحدث عن نزار بوصفه اسماً في كتاب، ولا ذكرى في مقال، بل عن إنسان ترك في روحها أثراً لم تستطع السنوات أن تمحوه.

أخبرتني أنها التقت نزار للمرة الأخيرة قبل اغتياله، في دوار المنارة برام الله، خلال وقفة هناك. وكانت تتذكر كلماته وملامحه، وذلك التحدي والإصرار اللذين كانا يرافقانه. قالت إن حضوره كان درساً يُغني الإنسان عن قراءة كتب كثيرة في هذا الشأن.

كم هو موجع أن يختصر لقاء قصير كل هذا المعنى، وأن تبقى ملامح إنسان في الذاكرة، بينما يتحوّل جسده إلى غائب لا تكفّ الأسئلة عن ملاحقته!

سألتها إن كانت قد زارت زوجة نزار وأولاده، فقالت إنها زارتهم. ثم عرفت أنني فلسطيني من الشتات، فكتبت لي:

«فلسطين تطغى على من تسكن فيه، بترافقه ولو كان في أقصى بقاع الأرض، وبتسكن كل ملامحه وتفاصيله، وتصبح شغله الشاغل».

توقفت طويلاً أمام هذه الكلمات. ربما لأنها قالت في جملة واحدة ما عجزت عن قوله في سنوات من الكتابة عن فلسطين، وما أحمله معي أينما ذهبت، وما يجعل المسافة بين الشتات والوطن مسافةً تُقاس بالجغرافيا، لكنها لا تُقاس بالقلب.

ثم قالت لي، وهي تتحدث عن علاقتها بما أكتب:

«ما بتعرف ما معنى وقيمة أن يكون للإنسان مأمن يحمله حتى بعد أن توارى وغاب جسده!».

كانت تقصد نزاراً، لكنني شعرت أن كلماتها تجاوزت الحديث عنه، وأنها تلامس حكاية كل إنسان يترك خلفه من يحفظ اسمه، ويحمل صوته، ويرفض أن يتحوّل غيابه إلى نسيان.

لم أكن أعرف سمر حمد، ولم تجمعني بها صداقة قديمة، ولم ألتقِ بها يوماً. كل ما كان بيننا مقال قرأته، وطلب صداقة قبلته، وحوار واحد امتد حتى وقت متأخر من الليل.

ومع ذلك، قالت لي إنها لا تعتاد التواصل أو النقاش مع أشخاص لا تعرفهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لكن حديثي عن نزار وعلاء جعلها تشعر بأنني لست غريباً، وأن كلماتي صادرة عن إنسان يعرفهما من أعماق روحيهما وأفكارهما وصفاتهما.

لا أعرف لماذا اختارت أن تكتب لي في ذلك الوقت تحديداً، ولا لماذا وجدت نفسي أقبل طلبها وحده من بين عشرات الطلبات. ربما كانت مصادفة، وربما كانت تلك إحدى التفاصيل الصغيرة التي لا نفهم معناها إلا بعد فوات الأوان.

قالت لي إنها تعرف أن طلب الصداقة جاء متأخراً، ثم أضافت:

«لكن هكذا سيّرت الأقدار، وهذا وقت أني أطلع على ما تكتب، ربما لأنه الوقت الأنسب، ولأنه سيكون ذا أثر أعمق».

لم أكن أعلم أن كلماتها هذه ستعود إليّ بعد أيام، لا بوصفها بداية تعارف، بل بوصفها سؤالاً موجعاً عن الوقت، وعن المصادفات، وعن أشخاص يدخلون حياتنا للحظات، ثم يتركون وراءهم فراغاً أكبر من مساحة حضورهم.

ثم جاء الخبر الذي لم أكن أريد أن أصدّقه.

بعد ثلاثة أيام من ذلك الحوار، عدت إلى صفحتها. كنت أريد أن أقرأ شيئاً جديداً لها، أو ربما أن أستعيد بعض كلماتها، لكنني علمت أنها معتقلة لدى الاحتلال.

توقفت عند الخبر طويلاً.

سمر حمد التي كانت تتحدث معي عن نزار بنات، وتتساءل عن لحظاته الأخيرة، وعن أفكاره وأحلامه، وعن الصورة التي بقيت في مخيلته وهو يواجه الموت؛ سمر حمد التي كانت تسأل عن علاء الريماوي، وتتمنى أن يفكّ الله أسره قريباً، أصبحت هي الأخرى خلف القضبان.

يا لمرارة هذا التشابه!

كانت تسأل عن اللحظات الأخيرة لنزار بنات، وعن الأفكار التي ربما عبرت روحه، وعن الحلم الذي ظل متعلقاً به حتى اللحظة الأخيرة. وكانت تتمنى الحرية لعلاء الريماوي، وتدعو لفلسطين المحررة، ثم وجدت نفسها في مواجهة تجربة الاعتقال التي طالما حضرت في أحاديث الفلسطينيين وذاكرتهم.

لم أعد أعرف عنها شيئاً سوى ما علمته من اعتقالها. لا أعرف أين هي الآن، ولا كيف تمرّ ساعاتها، ولا إن كانت تتذكر ذلك الحوار القصير الذي جمعنا.

لكنني أعرف أنني، منذ علمت باعتقالها، لم أعد أستطيع النظر إلى حوارنا بالطريقة نفسها.

أستعيد كلماتها واحدةً تلو الأخرى، فأشعر أنني كنت أتحدث إلى إنسانة تحمل في داخلها فلسطين بكل ما فيها من حب ووجع، ومن خوف وأمل، ومن أسئلة لا تجد إجاباتها إلا في وطن لم يتحرر بعد.

أستعيد حديثها عن نزار، وعن علاء، وعن زيارتها لزوجة نزار وأطفاله، وعن ذلك اللقاء الأخير في دوار المنارة. وأتخيّل كمّ الذكريات التي يحملها الإنسان معه حين يُعتقل، وكمّ الوجوه والأصوات والأحلام التي ترافقه إلى مكان لا يعرف متى يغادره.

ولا أستطيع أن أمنع نفسي من التفكير في تلك المصادفة الصغيرة؛ أن أعود إلى صفحتي بعد غياب طويل، وأن أقبل طلب صداقة واحداً، وأن يكون سببه مقالاً عن رجل استُشهد، وآخر يقبع في الأسر، ثم أكتشف بعد ثلاثة أيام أن صاحبة ذلك الطلب قد اعتُقلت هي الأخرى.

كأن فلسطين لا تسمح لأبنائها بأن يبتعدوا طويلاً عن حكايتها؛ فكلما ظن أحدهم أنه يقرأها من بعيد، وجد نفسه فجأة داخل سطورها.

سمر حمد، لم تجمعني بكِ إلا كلمات، لكنها كانت كافية لأعرف أن وراء الاسم إنسانة لها ذاكرتها وأسئلتها وأحلامها، وأن فلسطين التي تحدثتِ عنها ليست شعاراً ترفعينه، بل حياة تسكن تفاصيلك.

قلتِ لي إن الإنسان يحتاج إلى مأمن يحمله حتى بعد أن يغيب جسده. وربما لهذا أكتب إليك الآن، رغم أنني لا أعرف إن كانت كلماتي ستصل إليك، أو إن كنتِ ستقرئينها يوماً.

أكتب لأنني لا أريد لذلك الحوار أن ينتهي عند خبر اعتقالك. لا أريد أن تكون آخر صورة لكِ في ذاكرتي صورة اسم قرأتُ أنه غاب خلف القضبان. أريد أن تبقى سمر حمد التي تحدثت عن الشهيد نزار بنات بمحبة، وعن علاء الريماوي بأمل، وعن فلسطين بيقين لا تزعزعه المسافات.

أكتب لأن الإنسان قد يلتقي إنساناً مرة واحدة، ثم يكتشف أن تلك المرة لم تكن عابرة كما ظن.

وأكتب لأنني، أنا القادم من الشتات، أعرف معنى أن تحمل فلسطين في داخلك، وأن تظل قريباً منها مهما ابتعدت، لكنني لا أعرف كيف أصف وجع أن تتحوّل الكلمات التي جمعت غرباء إلى ذكرى تفصل بينهم القضبان.

سمر، لا أعرف إن كنتِ تسمعين أصواتنا من خلف الجدران، ولا أعرف كم من الوقت سيمرّ قبل أن تعودي إلى صفحتك، وتكتبي من جديد، وتواصلي حديثك عن الوطن والحرية والشهداء والأسرى.

لكنني أتمنى أن يأتي ذلك اليوم.
أتمنى أن تعودي إلى رام الله حرة، وأن تجتمعي بأحبتك، وأن تستعيدي حقك في أن تكتبي وتتحدثي وتختلفي وتحلمي، من دون أن يكون الاعتقال احتمالاً يطارد كلماتك.

أتمنى أن يأتي اليوم الذي لا نكتب فيه عن الفلسطينيين لأنهم اعتُقلوا أو استُشهدوا، بل لأنهم عاشوا، وأحبوا، واختلفوا، وكتبوا، وتركوا لأطفالهم وطناً لا يخافون فيه من كلمة، ولا ينتظرون فيه خبراً عن غائب.

أما أنا، فسأظل أتذكر أن سمر حمد طلبت صداقتي بسبب مقال عن نزار بنات وعلاء الريماوي، وأنني وافقت على طلبها دون أن أعرف أن ثلاثة أيام فقط تفصل ذلك الحوار عن خبر اعتقالها.

ثلاثة أيام لا أكثر.
كم هي قصيرة في حساب الزمن، وكم هي طويلة حين تصبح الحدّ الفاصل بين حديث عادي في ليلة فلسطينية، وقلق لا تعرف له نهاية.

سمر حمد…

كان حوارنا يتيماً، نعم، لكنه لم يكن بلا أثر.

ربما لن تعرفي كم تركت كلماتك في نفسي، وربما لن تقرئي هذه السطور قريباً، لكنني أكتبها لأن الغياب لا ينبغي أن يكون صمتاً، ولأن الاعتقال لا ينبغي أن يمحو اسم الإنسان من ذاكرة من التقاه، ولو مرة واحدة.

سلامٌ عليكِ يا سمر، حيث أنتِ.

وسلامٌ على رام الله التي تنتظر أبناءها، وعلى فلسطين التي لا تزال تبحث عن حريتها، وعلى كل قلب يخاف على غائب ولا يملك إليه سبيلاً سوى الدعاء.

ربنا يفكّ أسركِ، ويعيدكِ إلى أهلكِ وأحبتكِ سالمةً حرة، ويجعل هذا الغياب قصيراً، وهذه الحكاية ذكرى بعيدة في وطن حر.

تصبحون على وطن…

لكن كيف ينام القلب مطمئناً، وبعض الذين تحدثنا معهم بالأمس لا نعرف اليوم إن كانت كلماتنا ستصل إليهم؟

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير