هديل ياسين تكتب لوطن: من جذور الزيتون إلى حقّ الأرض.. الحكاية الفلسطينية

المشهد الأول: ذاكرة المكان الحيّة
هناك أماكن لا تُختصر في حدود الجغرافيا، ولا تُقاس مساحتها بالأمتار والخرائط، ولا تُمحى هويتها مهما امتدّ الزمن أو تعاقبت محاولات تغيير ملامحها. أماكن تتجاوز كونها حيّزاً للسكن، لتصبح جزءاً من الوعي الجمعي، وركناً أصيلاً من أركان الهوية الوطنية، وشاهداً حيّاً على حقائق التاريخ التي لا تستطيع القوة، مهما بلغت، أن تلغيها أو أن تنتزعها من ذاكرة أصحابها.
في فلسطين، ليست الأرض مجرّد مساحة نعيش عليها، وليست حدوداً تفصل مكاناً عن آخر؛ إنها الذاكرة التي نحملها، والتاريخ الذي ورثناه، والهوية التي تتناقلها الأجيال، والعلاقة المتجذّرة بين الإنسان والمكان. هنا، لكل حجر حكاية، ولكل شجرة شهادة، ولكل طريق أثرٌ من خطوات الذين سبقونا، ولكل قرية وبلدة ومدينة اسمٌ يحمل في حروفه سيرة أهلها، وملامح حياتهم، وتفاصيل وجودهم المتصل بهذه الأرض عبر الأجيال.
في فلسطين، تتحدّث الحقول عن الذين زرعوها، وتحفظ أشجار الزيتون حكايات العائلات التي تعاقبت على رعايتها، فيما تقف البيوت القديمة، والآبار، والمدرّجات الزراعية، والمقامات، والطرقات التراثية شواهدَ مادية على علاقة تاريخية واجتماعية وثقافية لم تنشأ في لحظة عابرة، ولم تتشكّل بقرار سياسي، بل صنعتها الحياة اليومية، والعمل، والزراعة، والذاكرة، والتوارث الإنساني الممتد.
هذه الأرض ليست رواية تُروى من طرف واحد، ولا ذكرى قابلة للمحو بتغيير الأسماء أو طمس المعالم أو إعادة رسم الخرائط. إنها واقع تاريخي وثقافي متجذّر في المكان، تؤكّده شواهد العمران، وأنماط الحياة، والملكية، والزراعة، والروابط الاجتماعية التي ربطت الفلسطيني بأرضه جيلاً بعد جيل. ومن هنا، فإن حماية المكان الفلسطيني ليست مجرّد فعلٍ عاطفي يستحضر الماضي، بل هي مسؤولية وطنية وثقافية وقانونية تتصل بصون الهوية، وحماية التراث، والحفاظ على الحقوق المرتبطة بالأرض، وضمان انتقال هذه الذاكرة إلى الأجيال القادمة.
فالذاكرة الوطنية ليست حنيناً إلى زمن مضى، بل هي شهادة على الاستمرارية، ووعيٌ بالحقوق، وتمسّكٌ بالهوية في مواجهة كل ما يهدّد ملامح المكان أو يسعى إلى فصله عن أهله وتاريخه. وحين تتعرّض الأرض للاقتلاع، أو تُقتلع الأشجار من جذورها، أو تُهدم البيوت، أو تُطمس المعالم التاريخية، فإن الخسارة لا تتوقف عند حدود الحجر والشجر؛ إنها تمتد إلى الذاكرة الجمعية، وإلى حقّ المجتمع في صون تراثه، وإلى العلاقة التي تجمع الإنسان بمحيطه الطبيعي والثقافي.
ومن منظور القانون الدولي، لا تنفصل حماية الأرض والسكان والممتلكات الثقافية عن منظومة القواعد التي تنظّم حماية المدنيين والممتلكات في حالات الاحتلال والنزاع المسلح، ولا عن الالتزامات المتعلقة بحماية الممتلكات الثقافية والتراث الإنساني. فالأرض ليست مجرّد موضوع للصراع على النفوذ، والممتلكات ليست أشياء مجرّدة من أصحابها، والتراث ليس تفصيلاً هامشياً يمكن التضحية به؛ إذ تظلّ حماية المدنيين وممتلكاتهم، واحترام الحقوق القانونية، وصون الممتلكات الثقافية، مسائل تخضع لقواعد قانونية محدّدة لا يجوز تجاوزها لمجرّد فرض واقع جديد بالقوة.
وفي الحالة الفلسطينية، تكتسب هذه المعاني أهمية خاصة، لأن الصلة بالأرض لا تقوم على الذاكرة وحدها، بل تتداخل فيها الأبعاد التاريخية والاجتماعية والاقتصادية والحقوقية. فالبيت ليس بناءً فحسب، بل مساحة حياة وامتداد عائلي؛ والحقل ليس مصدر رزق فقط، بل علاقة متوارثة بين الإنسان ومصدر بقائه؛ وشجرة الزيتون ليست عنصراً من عناصر الطبيعة فحسب، بل جزء من المشهد الثقافي الفلسطيني، ورمز للاستمرارية والعمل والصمود.
ومن هنا، فإن الدفاع عن ذاكرة المكان هو دفاع عن حقّ الفلسطينيين في رواية تاريخهم، وحماية تراثهم، والحفاظ على معالم وجودهم، وصون حقوقهم المشروعة وفق قواعد القانون الدولي. وهو أيضاً تأكيد على أن الهوية الوطنية لا تُختزل في الوثائق وحدها، ولا تتوقف عند الاعترافات السياسية، بل تتجسّد في اللغة، والأرض، والعادات، والعمارة، والزراعة، والأسماء التي ما زالت تسكن وجدان الناس وتوجّه علاقتهم بأمكنتهم.
إن ذاكرة المكان الحيّة لا تسكن الكتب والأرشيفات فقط؛ إنها حاضرة في يد الفلّاح حين يحرث أرضه، وفي خطوات المسنّ الذي يعود إلى قريته، وفي رواية الجدّة التي تحفظ أسماء الينابيع والحقول، وفي الطفل الذي يتعلّم أن لكل شجرة حكاية، ولكل حجر قيمة، ولكل مكان هوية لا يجوز التعامل معها بوصفها فراغاً جغرافياً بلا أصحاب أو تاريخ.
هذه الذاكرة تنتقل من جيل إلى جيل، لا بوصفها عبئاً من الماضي، بل باعتبارها وعياً بالحاضر ومسؤولية تجاه المستقبل. فهي تمنح الإنسان القدرة على فهم مكانه في التاريخ، وتساعد المجتمع على حماية روايته من النسيان، وتذكّره بأن صون التراث لا يتحقق بالشعارات وحدها، بل بالتوثيق، والتعليم، والحفاظ على المعالم، وحماية الأشجار والأراضي، وتثبيت الأسماء التاريخية، ونقل الحكايات من الذاكرة الفردية إلى الوعي الوطني المشترك.
فلسطين ليست مجرّد مكان على الخريطة؛ إنها حكاية شعبٍ ارتبط بأرضه عبر الزمن، وحافظ على ملامحها في تفاصيل حياته اليومية، وحمل أسماء قراه وبلداته في ذاكرته، حتى حين حالت الظروف دون وصوله إليها. إنها علاقة لا تختصرها المسافة، ولا تنهيها سنوات الغياب، ولا يمكن فهمها بمعزل عن التاريخ والحقوق والهوية الإنسانية.
هنا، في فلسطين، لا تتحدث الأرض عن الماضي وحده؛ إنها تشهد على الحاضر، وتحمل مسؤولية المستقبل. وهنا، تظلّ الذاكرة حيّة ما دام هناك من يحفظ اسم المكان، ويصون شجره، ويوثّق تاريخه، ويتمسّك بحقه في أن يبقى المكان معروفاً بأهله، محفوظاً بتراثه، ومتصلاً بحكايته الوطنية. فالأرض التي تحفظ ذاكرة أهلها ليست مجرّد أرض؛ إنها وطن، والذاكرة التي تسكنها ليست مجرّد حكاية؛ إنها جزء من الهوية والحقّ والمسؤولية.
المشهد الثاني: شِجار الزيتون
وهنا، بين أشجار الزيتون، تبدأ حكاية أخرى؛ حكاية الصمود والتجذّر والانتماء، حكاية أرضٍ لم تكن يوماً مجرّد مصدر للرزق، بل كانت وما زالت جزءاً أصيلاً من الهوية الوطنية الفلسطينية، وامتداداً لذاكرة الأجداد، وشاهداً حيّاً على علاقة الإنسان بأرضه، علاقةٍ صنعتها سنوات العمل والانتظار، ورسّختها المواسم، وحفظتها الأجيال جيلاً بعد جيل.
هنا، في حقول الزيتون، لا تقف الأشجار بوصفها عناصر في الطبيعة فحسب، بل بوصفها سجلاً حيّاً لتاريخ العائلات الفلسطينية. لكل شجرة حكاية، ولكل غصن أثر، ولكل جذع سنواتٌ من العطاء والانتظار. بعضها زرعه الجدّ بيديه، ورعاه الأب بصبره، ويأتي الحفيد اليوم ليحافظ عليه، وكأن الأرض تسلّم أبناءها أمانةً لا تنتهي بانتهاء عمر إنسان، ولا تسقط بتغيّر الظروف، ولا تفقد قيمتها حين تشتدّ محاولات اقتلاعها من أصحابها.
شجرة الزيتون في فلسطين ليست مجرّد شجرة؛ إنها ذاكرة عائلة، وإرث أجيال، ومصدر رزق، ورمز للارتباط بالأرض. في ظلّها تتجمّع العائلة، وفي موسمها تتشارك الأيدي قطف الثمار، ومن خيراتها تتواصل علاقة الإنسان بأرضه عاماً بعد عام. وحين يمدّ الفلّاح يده إلى غصنها، فهو لا يقطف ثمرة فحسب، بل يحصد نتيجة عمله، ويحافظ على إرثٍ وصل إليه من الذين سبقوه، ويهيّئه لمن سيأتون بعده.
إنها علاقة تتجاوز حدود الملكية المادية إلى معنى أعمق يتصل بالهوية والكرامة الإنسانية والحقوق المشروعة. فالأرض التي يزرعها الفلسطيني ليست مساحة خالية تنتظر من يفرض عليها واقعاً جديداً، وليست مورداً اقتصادياً يمكن فصلُه عن حياة أصحابه؛ إنها جزء من نسيج اجتماعي وثقافي متجذّر، ومن تاريخٍ تتداخل فيه الذاكرة مع العمل، والانتماء مع المسؤولية، والحقّ مع واجب الحماية والمحافظة.
لكنّ أشجار الزيتون الفلسطينية تواجه، في مناطق مختلفة من الضفة الغربية، اعتداءات تشمل القطع والحرق والتخريب والاقتلاع، إلى جانب الاعتداء على المزارعين ومنعهم من الوصول إلى بعض أراضيهم. ولا تقف آثار هذه الممارسات عند حدود الخسارة الزراعية أو الاقتصادية، بل تمتدّ إلى حياة العائلات التي تعتمد على مواسم الزيتون، وإلى قدرة المزارعين على مواصلة العمل في أراضيهم، وإلى العلاقة اليومية التي تربط الإنسان بمكانه ومصدر رزقه.
وحين تُقطع شجرة زيتون، فإن الخسارة لا تُقاس بعدد أغصانها وحدها؛ فالشجرة التي احتاجت سنوات طويلة لتكبر لا يمكن تعويضها فوراً بغرسة صغيرة. وحين تُحرق، لا يتضرّر جذعها فحسب، بل تتضرّر معها سنوات من الرعاية والانتظار، وقدرة عائلة على الاستفادة من محصولها، وذاكرة مكان ارتبط بهذه الشجرة على امتداد الزمن. وحين يُمنع المزارع من الوصول إلى أرضه، يصبح الاعتداء على الشجر جزءاً من معاناة أوسع تمسّ حقه في الانتفاع بأرضه وممارسة حياته الزراعية بأمان.
ومن المنظور القانوني، فإن الاعتداء على الأشجار والأراضي والممتلكات لا يجوز التعامل معه بوصفه مسألة عابرة أو خلافاً زراعياً بسيطاً؛ بل يجب النظر في كل واقعة وفق ظروفها والأدلة المتاحة والقواعد القانونية المنطبقة عليها. وتوفّر منظومة القانون الدولي الإنساني، في سياق الاحتلال والنزاع المسلح، حماية للممتلكات المدنية، وتضع قيوداً على تدمير الممتلكات والاستيلاء عليها، كما تحظر قواعد محددة من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 تدمير ممتلكات الأشخاص المحميين، إلا في الحالات التي تقتضيها الضرورة العسكرية على نحوٍ يحدّده القانون. كذلك تكتسب حماية البيئة والممتلكات ذات القيمة الثقافية أهمية خاصة عندما تتعرض هذه العناصر للتدمير أو الضرر.
ولا يعني ذلك أن كل واقعة لقطع شجرة أو إتلاف محصول تحمل حكماً قانونياً واحداً؛ فالتوصيف القانوني يتطلب التحقق من الوقائع، وطبيعة الأرض والممتلكات، والجهة المسؤولة، والسياق الذي وقع فيه الاعتداء. غير أن هذا التمييز القانوني لا ينتقص من أهمية التوثيق والمساءلة، بل يجعلهما أكثر ضرورة، لأن حماية الحقوق لا تقوم على الانطباعات وحدها، وإنما على الأدلة، ورصد الوقائع، وتحديد المسؤوليات، ومتابعة سبل الانتصاف وفق القانون.
ولهذا، فإن حماية أشجار الزيتون ليست مسؤولية المزارع وحده، ولا واجباً موسمياً ينتهي بانتهاء القطاف؛ إنها مسؤولية وطنية ومجتمعية ومؤسسية تتطلب توثيق الاعتداءات، وحماية الأراضي الزراعية، ومساندة المزارعين، والحفاظ على الأشجار المعمّرة، وتعزيز حضور المؤسسات القانونية والحقوقية في متابعة الانتهاكات. كما تتطلب نقل حكاية الزيتون من حدود الرمز إلى ميدان العمل، بحيث يصبح الانتماء فعلاً ملموساً في حماية الأرض وصون مواردها وتثبيت حقوق أصحابها.
ومع كل موسم زيتون، يعود الفلسطيني إلى أرضه، لا ليقطف الثمار وحدها، بل ليجدّد صلته بالمكان، ويحافظ على مصدر رزقه، ويؤكد استمرارية حياته الزراعية. يحمل أدواته، ويصل إلى أشجاره، ويتفقد الأغصان التي أثقلتها المواسم، ويعتني بالجذوع التي تحتاج إلى رعاية، ويزرع من جديد حيث أتلفت الأشجار أو اقتُلعت. وفي هذه التفاصيل اليومية تتجلّى معاني الصمود؛ ليس بوصفه كلمة تُقال، بل ممارسة مستمرة تتطلب الصبر والعمل والقدرة على حماية الحياة رغم الصعوبات.
فالفلسطيني الذي يعيد زراعة أرضه لا يعيد شجرة فحسب؛ إنه يعيد بناء جزء من علاقته بالمكان، ويحافظ على دورة الحياة التي حاول الاعتداء تعطيلها، ويتمسّك بحقه في العمل والإنتاج والبقاء. وهو بذلك يبعث برسالة واضحة: أن الأرض لا تُختزل في لحظة اعتداء، وأن خسارة موسم لا تنهي تاريخاً، وأن اقتلاع شجرة لا يمحو ذاكرة عائلة أو يلغي حقوقاً يحدّدها القانون.
إن شجر الزيتون يعلّمنا أن التجذّر لا يعني الثبات في المكان فحسب، بل يعني أيضاً تحمّل المسؤولية تجاهه؛ أن نحميه من الإهمال والتخريب، وأن نصون موارده، وأن نوثّق تاريخه، وأن نحافظ عليه للأجيال القادمة. فالوطنية ليست خطاباً منفصلاً عن الأرض، بل التزامٌ يتجسّد في رعاية شجرة، وحماية حقل، ومساندة مزارع، والدفاع عن الحقوق المشروعة بالوسائل القانونية والإنسانية.
هنا، بين أشجار الزيتون، تتجسّد الحكاية الفلسطينية في صورتها الأكثر التصاقاً بالحياة: أرضٌ تُزرع، وأيدٍ تعمل، وذاكرةٌ تتوارثها الأجيال، وحقوقٌ لا يجوز أن تضيع بين القوة والواقع المفروض. قد تُكسر أغصان، وقد تحترق أشجار، وقد تتضرّر مواسم، لكن مسؤولية حماية الأرض تبقى قائمة، وواجب صون الحقوق لا يسقط، وحكاية الزيتون تستمرّ ما دام هناك من يرعى الشجرة، ويحفظ اسم المكان، ويتمسّك بحقّه المشروع في أرضه. فهذه الأشجار ليست مجرد شاهد على الماضي؛ إنها جزء من حياة الحاضر وأمانة المستقبل، وجذورها في الأرض تذكيرٌ دائم بأن حماية المكان تبدأ بحماية الإنسان وحقوقه وكرامته.
المشهد الثالث: المستوطنون في زوال
قد تتغيّر المشاهد، وقد تُفرض على الأرض وقائع جديدة، وقد ترتفع الجدران وتُشقّ الطرق وتُقام المستوطنات على امتداد الجغرافيا الفلسطينية، لكنّ الوقائع التي تُفرض بالقوة لا تتحوّل، بمجرد فرضها، إلى حقّ مشروع، ولا تستطيع المنشآت مهما اتّسعت أن تصنع تاريخاً بديلاً، أو أن تمنح الاقتلاع شرعية، أو أن تلغي صلة شعبٍ بأرضه وذاكرته وهويته الوطنية.
فالأرض ليست مساحةً صامتة تنتظر من يضع عليها علاماته، وليست فراغاً جغرافياً يمكن إعادة تعريفه بقرارات أحادية أو بإجراءات ميدانية. إنها وطن له شعبه وتاريخه وامتداده الاجتماعي والثقافي، وحقوق ترتبط بالوجود الإنساني والملكية والانتفاع والحياة الكريمة. ومن هنا، فإن الصراع على الأرض الفلسطينية لا يتصل بالحجر والبناء وحدهما، بل يتجاوزهما إلى سؤال جوهري عن الحقوق، وعن حدود القوة، وعن الفرق بين واقعٍ يُفرض على الأرض وبين حقٍّ يستند إلى قواعد القانون ومبادئ العدالة.
في مواجهة الاستيطان والاعتداءات، يتمسّك الفلسطيني بحقه في أرضه، وبوجوده في قريته وحقله وبيته، وبحقه في أن يعيش دون تهديد أو تهجير أو اعتداء. يتمسّك بالمكان لأنه جزء من حياته، ولأن العلاقة بالأرض لا تبدأ مع تغيّر الحدود السياسية ولا تنتهي عندما تُقام الحواجز أو تُغلق الطرق. إنها علاقة تشكّلت عبر الأجيال، وتجلّت في البيوت والحقول والمدرّجات الزراعية وأشجار الزيتون والمقابر والأسماء التي ما زالت تحفظ ذاكرة القرى والبلدات الفلسطينية.
لكنّ الاستيطان ليس مجرد تغيير في المشهد العمراني؛ إنه قضية سياسية وقانونية تتصل بالأرض والسكان والسيادة والحقوق. وقد أكّد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، في القرار 2334 لعام 2016، أن المستوطنات الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، بما فيها القدس الشرقية، ليست لها شرعية قانونية، ودعا إلى وقف الأنشطة الاستيطانية. كما خلصت محكمة العدل الدولية، في رأيها الاستشاري الصادر في 19 تموز/يوليو 2024 بشأن الآثار القانونية الناشئة عن سياسات إسرائيل وممارساتها في الأرض الفلسطينية المحتلة، إلى أن استمرار وجود إسرائيل في الأرض الفلسطينية المحتلة غير قانوني، وبيّنت التزامات قانونية تتصل بإنهاء هذا الوجود، ووقف الأنشطة الاستيطانية الجديدة، وإخلاء المستوطنين من الأرض الفلسطينية المحتلة، وفق ما ورد في الرأي الاستشاري.
وهنا تتجلّى أهمية التمييز بين القوة والشرعية: فامتلاك القدرة على إقامة منشأة أو فرض إجراء على الأرض لا يعني امتلاك الحق القانوني في ذلك، كما أن استمرار واقع ميداني لسنوات لا يحوّله تلقائياً إلى واقع مشروع. فالقانون الدولي لا يجعل الحقوق رهينةً لموازين القوة، ولا يمنح الإجراءات الأحادية حصانةً من المساءلة لمجرد أنها أصبحت جزءاً من المشهد اليومي. بل إن احترام القانون يقتضي النظر إلى طبيعة الإجراء، وآثاره على السكان والأرض، ومدى اتساقه مع الالتزامات الدولية ذات الصلة.
وفي القرى الفلسطينية، لا تظهر آثار الاستيطان في صورة المباني وحدها؛ بل تتجسّد أيضاً في القيود المفروضة على الوصول إلى الأراضي الزراعية، وفي الاعتداءات على المزارعين، وفي تضرّر الأشجار والمحاصيل، وفي المخاوف التي ترافق حياة العائلات القريبة من المستوطنات والبؤر الاستيطانية. وقد تؤدي هذه الممارسات، بحسب طبيعتها وظروفها، إلى إضعاف قدرة السكان على ممارسة حياتهم اليومية والانتفاع بأراضيهم ومصادر رزقهم، وتفاقم الضغوط التي تدفع بعضهم إلى مغادرة أماكن إقامتهم.
وعندما يُمنع المزارع من الوصول إلى حقله، أو يتعرّض منزله للاعتداء، أو تُدمّر أشجاره، فإن المسألة لا تتوقف عند الضرر المباشر؛ إذ تمتد إلى حقه في الحياة الآمنة، وفي حماية ممتلكاته، وفي ممارسة نشاطه الزراعي، وفي الحفاظ على استقرار أسرته ومجتمعه. ومن منظور قانوني، تستوجب هذه الوقائع التوثيق والتحقيق وتحديد المسؤوليات وفق الأدلة والقواعد المنطبقة، كما تستدعي توفير الحماية للسكان وممتلكاتهم، ومساءلة المسؤولين عن الأفعال غير المشروعة وفق الأطر القانونية المختصة.
إنّ حماية الحقوق الفلسطينية لا تتحقق بمجرد إعلان المواقف، بل تتطلب تحويل المبادئ القانونية إلى إجراءات عملية: توثيق الاعتداءات، وحفظ الأدلة والشهادات، وتحديد المواقع والأضرار، ومتابعة الملفات أمام الجهات المختصة، وتعزيز الحماية القانونية للمزارعين وأصحاب الأراضي، وتفعيل الجهود الدبلوماسية والحقوقية الرامية إلى تنفيذ القرارات والالتزامات الدولية. فالقانون لا يفقد قيمته عندما يتأخر التنفيذ، لكنّ فعاليته تظل مرتبطة بقدرة المؤسسات والدول على احترامه وتطبيقه ومساءلة من يخالفه.
وفي المقابل، يواصل الفلسطيني حياته على أرضه؛ يزرع، ويبني، ويرمّم، ويعلّم أبناءه أسماء القرى والجبال والوديان، ويحفظ ذاكرة المكان من الضياع. لا يُختزل وجوده في موقف سياسي أو شعار عابر، بل يتجسّد في تفاصيل يومية تصنع استمرارية المجتمع: في باب البيت الذي يُفتح كل صباح، وفي الأرض التي تُحرث، وفي شجرة الزيتون التي تُروى، وفي المدرسة التي تستقبل الأطفال، وفي العائلة التي تتمسّك بحقها في البقاء والحياة بكرامة.
وهذا التمسّك ليس إنكاراً لحجم التحديات، ولا تجاهلاً لما تخلّفه الاعتداءات من خسائر ومعاناة، بل هو تأكيد على أن الفلسطيني ليس مجرّد متلقٍّ للأحداث، وأن حياته وحقوقه ومستقبله لا ينبغي أن تُختزل في الوقائع التي تُفرض عليه. إنه صاحب حقّ في الحماية والكرامة والأمان، وصاحب علاقة تاريخية واجتماعية بأرضه، ومن حقه أن تُحترم حقوقه وفق القانون الدولي، بعيداً عن منطق الإكراه والتمييز والإفلات من المساءلة.
أما عنوان هذا المشهد، «المستوطنون في زوال»، فلا ينبغي أن يُفهم بوصفه دعوةً إلى استهداف أشخاص أو التنبؤ بمصيرهم، بل باعتباره تعبيراً عن رفض تحويل الاستيطان إلى حقيقة أبدية، وعن التمسّك بأن الأوضاع غير المشروعة لا تصبح مشروعة لمجرد استمرارها. فالمقصود هو زوال منطق الاستيلاء والإقصاء، وإنهاء السياسات والممارسات التي تنتهك الحقوق، وإزالة العوائق أمام ممارسة الفلسطينيين لحقوقهم المشروعة، وفق القانون الدولي، بما يضمن حماية السكان وصون كرامتهم وتحقيق العدالة.
إنّ المستقبل الذي يحفظ الحقوق لا يُبنى على الانتقام، ولا على إنكار إنسانية الآخرين، بل على إنهاء الظلم، واحترام القانون، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وضمان الحقوق دون تمييز. فالمعيار ليس من يمتلك القوة لفرض واقع جديد، بل مدى احترام حقوق الإنسان والقواعد القانونية التي تنظّم العلاقات بين الشعوب والدول وتحمي السكان في ظروف الاحتلال.
قد يطول الطريق، وقد تتراكم التحديات، وقد تستمر محاولات فرض الوقائع على الأرض، لكنّ الذاكرة الوطنية تظلّ عنصراً أساسياً في حماية الهوية، والتوثيق يظلّ ضرورةً لحفظ الأدلة، والقانون يظلّ إطاراً للمطالبة بالحقوق والمساءلة، والعمل الوطني السلمي والمؤسسي يظلّ من أدوات الدفاع عن الوجود الفلسطيني ومستقبله.
فالأرض التي تحمل أسماء أصحابها، والقرى التي تحفظ تاريخ أهلها، والحقول التي تشهد على عمل أجيالهم، لا يمكن فهمها باعتبارها مجرد مساحات قابلة للمحو من الوعي. إنها جزء من حياة شعبٍ له حقوقه وتطلعاته، وتبقى حمايتها مسؤولية تتجاوز اللحظة الراهنة إلى الأجيال القادمة.
قد تُفرض على الأرض مشاهد جديدة، لكنّ فرض المشهد لا يعني امتلاك الحق، واستمرار الواقع لا يعني اكتسابه الشرعية. وما بين الأرض والذاكرة والقانون، تبقى القضية الفلسطينية قضية حقوقٍ وكرامةٍ وعدالة؛ ويبقى الرهان على إنهاء الاحتلال والاستيطان، وحماية الإنسان وممتلكاته، وصون الحقوق المشروعة، وبناء مستقبل لا تكون فيه القوة بديلاً عن القانون، ولا يكون فيه اقتلاع الإنسان من أرضه قدراً لا يمكن تغييره.
المشهد الرابع: الأرض أرضنا
الأرض أرضنا؛ ليست شعاراً نردّده في المناسبات، ولا عبارةً تختصرها الكلمات، بل حقيقةٌ تتجسّد في تفاصيل حياتنا اليومية، وفي كل موسم زيتون، وفي كل حبّة تراب، وفي كل بيتٍ قديم، وفي كل حقلٍ حفظ خطوات أجدادنا، وفي كل حكايةٍ تنتقل من ذاكرة الآباء إلى قلوب الأبناء. إنها حقيقةٌ تحملها أسماء القرى والبلدات، وتحفظها حجارة البيوت العتيقة، وتشهد عليها الأشجار المعمّرة والمدرّجات الزراعية والطرقات التي عبرتها أجيالٌ متعاقبة، لتترك في المكان آثار حياتها وعملها ووجودها.
الأرض أرض الفلّاح الذي يستيقظ مع الفجر، ويحمل أدواته إلى حقله، ويزرع البذور وهو يعرف أن ما يغرسه اليوم قد يكون حصاداً لأبنائه غداً. أرض الأم التي تحفظ حكايات المكان، وتعرف أسماء الحقول والينابيع، وتروي لأطفالها قصص البيوت التي سكنها الأجداد، والأشجار التي زرعوها، والمواسم التي انتظروها عاماً بعد عام. وأرض الطفل الذي يتعلّم منذ خطواته الأولى أن الانتماء ليس كلمةً تُقال، بل ذاكرةٌ تُصان، ومسؤوليةٌ تُحمَل، وحقٌّ يُعرَف، وعلاقةٌ إنسانية وتاريخية تتشكّل عبر الأجيال.
في فلسطين، لا تبدأ حكاية الأرض من حدودٍ مرسومة على الخرائط، ولا تنتهي عند الحواجز التي تقطّع أوصال الجغرافيا. إنها حكاية الإنسان الذي بنى بيته، وزرع حقله، وشقّ طريقه، وأقام علاقاته الاجتماعية، ونسج تفاصيل حياته اليومية في المكان. حكاية عائلاتٍ ارتبطت بأرضها من خلال العمل والإنتاج والتوارث، ومجتمعاتٍ تشكّلت هويتها من أسماء قراها وبلداتها، ومن عاداتها وتقاليدها، ومن تراثها الثقافي والمعماري والزراعي.
ولذلك، فإن الأرض الفلسطينية ليست مجرّد أصلٍ اقتصادي أو ملكيةٍ مادية؛ إنها أيضاً عنصرٌ أساسي في الهوية الوطنية، ومصدرٌ للعيش الكريم، وامتدادٌ للذاكرة الجماعية. فالبيت القديم ليس حجارةً متراكمة، بل تاريخ عائلةٍ وملامح حياة. والحقل ليس مساحةً زراعيةً فحسب، بل مصدر رزقٍ وعلاقةٌ متوارثة بين الإنسان ومكانه. وشجرة الزيتون ليست محصولاً موسمياً فقط، بل جزءٌ من المشهد الثقافي الفلسطيني، ورمزٌ للعمل والصبر والاستمرارية.
وحين يتمسّك الفلسطيني بأرضه، فهو يتمسّك بحقه في الحياة عليها، والعمل فيها، وحماية ممتلكاته، والحفاظ على تراثه، ونقل ذاكرته إلى الأجيال القادمة. وهذا التمسّك لا يحتاج إلى أن يتحوّل إلى خطابٍ مجرّد، لأنه يتجلّى في الممارسة اليومية: في الفلّاح الذي يعود إلى حقله، وفي العائلة التي ترمّم بيتها، وفي المزارع الذي يعيد غرس شجرةٍ اقتُلعت، وفي الإنسان الذي يوثّق تاريخ قريته، ويحفظ أسماء أحيائها وحقولها ومعالمها من النسيان.
غير أن هذه العلاقة بالأرض تواجه تحدياتٍ حقيقية تتمثّل في الاحتلال والاستيطان، ومصادرة الأراضي، والقيود المفروضة على الوصول إلى بعض المناطق الزراعية، والاعتداءات التي تطال السكان وممتلكاتهم. ولا يمكن النظر إلى هذه الوقائع باعتبارها تغييراتٍ مكانيةً عابرة؛ فهي تمسّ حياة الناس وسبل عيشهم واستقرار مجتمعاتهم، وتثير مسائل قانونية تتصل بحماية الممتلكات والحقوق الفردية والجماعية، وبالالتزامات المترتبة على الاحتلال وفق القانون الدولي.
ومن الناحية القانونية، فإن حق الشعوب في تقرير مصيرها، وحماية السكان المدنيين وممتلكاتهم، واحترام قواعد القانون الدولي الإنساني، تشكّل مرتكزات أساسية في تناول القضية الفلسطينية. وقد أكّدت محكمة العدل الدولية، في رأيها الاستشاري الصادر في 19 تموز/يوليو 2024، عدم قانونية استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة، وبيّنت الالتزامات القانونية ذات الصلة بإنهاء هذا الوجود وبالأنشطة الاستيطانية. ويؤكد هذا الإطار أن الحقوق لا تُختزل في الوقائع المفروضة على الأرض، وأن معالجة النزاع لا يمكن أن تنفصل عن احترام القانون والحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
إنّ الدفاع عن الأرض لا يقتصر على إعلان الانتماء إليها، بل يتطلّب حمايةً فعليةً للحقوق، وتوثيقاً دقيقاً للانتهاكات، ومتابعةً قانونيةً للمسؤوليات، وصوناً للممتلكات والتراث، ودعماً للمزارعين والعائلات التي تواجه صعوباتٍ في الوصول إلى أراضيها أو الانتفاع بها. كما يتطلّب تعزيز الوعي الوطني لدى الأجيال الجديدة، حتى تعرف تاريخ أماكنها، وتدرك قيمة تراثها، وتفهم أن المطالبة بالحقوق مسؤوليةٌ تقوم على المعرفة والتوثيق والعمل المؤسسي والالتزام بالقانون.
نحن أبناء هذه الأرض، نحمل أسماء قرانا في قلوبنا، ونحفظ ملامحها في ذاكرتنا، ونعرف أن لكل مكانٍ حكاية، ولكل حكايةٍ شواهد، ولكل جيلٍ مسؤوليةً في حماية ما ورثه من تاريخٍ وتراث. لا نحفظ أسماء قرانا لأنها كلماتٌ في سجلاتٍ قديمة، بل لأنها جزءٌ من هويتنا ووعينا الجمعي. نحفظها لأن المكان حين يفقد اسمه في الذاكرة، يفقد جانباً من حكايته؛ ولأن التوثيق والتعليم والرواية الصادقة وسائل أساسية في حماية التراث من التغييب والنسيان.
ونورّث حكاية الأرض لأطفالنا لا لنحمّلهم أعباء الماضي وحده، بل لنمنحهم معرفةً بجذورهم، وفهماً لحقوقهم، وشعوراً بالمسؤولية تجاه مستقبلهم. نعلّمهم أن حماية الأرض تبدأ باحترامها، والمحافظة على أشجارها ومياهها وتربتها، وصون معالمها التاريخية، وأن الانتماء الحقيقي لا ينفصل عن العمل من أجل مجتمعٍ أكثر قدرةً على حماية حقوقه وموارده وتراثه.
فالوطنية ليست مجرّد كلماتٍ تُرفع، بل ممارسةٌ يوميةٌ تتجلّى في زراعة الأرض، وحماية الشجر، وتوثيق التاريخ، ومساندة أصحاب الحقوق، والحفاظ على الممتلكات الثقافية، والمطالبة بالعدالة من خلال الوسائل القانونية والمؤسسية. وهي أيضاً مسؤوليةٌ أخلاقية تقتضي الدفاع عن كرامة الإنسان وحقوقه، ورفض الاعتداء والاقتلاع والتمييز، والتمسّك بمستقبلٍ تقوم فيه العلاقات بين الشعوب على احترام الحقوق والقانون، لا على فرض الوقائع بالقوة.
قد تتغيّر ملامح بعض الأماكن، وقد تُغلق الطرق، وقد تُهدم البيوت، وقد تتعرّض الأشجار للاقتلاع، لكنّ واجب الحفاظ على الذاكرة لا يتوقّف، وحقوق الناس لا تُمحى بمجرد تغيّر المشهد. فهناك فرقٌ بين ما يحدث على الأرض وبين ما يقرّه القانون، وبين السيطرة الفعلية على مكانٍ وبين اكتساب حقٍّ مشروع فيه. ومن هنا، فإن حماية الأرض الفلسطينية ترتبط بالعمل على صون الحقوق، وإنهاء الاحتلال، ومواجهة الاستيطان بالوسائل القانونية والسياسية والحقوقية، وتثبيت حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.
إنّ الأرض أرضنا ليست عبارةً تعني أن الحكاية انتهت، بل إعلانٌ بأن مسؤولية حمايتها مستمرة؛ في الحاضر، من خلال حماية الإنسان وممتلكاته، وفي المستقبل، من خلال حفظ التراث وتعليم الأجيال وتوثيق التاريخ. إنها دعوةٌ إلى تحويل الذاكرة إلى معرفة، والانتماء إلى مسؤولية، والحقّ إلى مطالبةٍ واعيةٍ ومستمرة، والعمل الوطني إلى جهدٍ يحمي الأرض والإنسان معاً.
الأرض أرضنا؛ لأن لها في حياتنا تاريخاً، وفي ذاكرتنا مكاناً، وفي وجداننا هوية، ولأن حقوق شعبنا لا تُختزل في واقعٍ مفروض أو حدودٍ متغيّرة. هي أرض الفلّاح الذي يزرعها، والعائلة التي تحفظ حكايتها، والطفل الذي يتعلّم أسماء قراها، والأجيال التي تحمل أمانة صونها. قد يحاول البعض تغييب الحكاية، لكنّ واجبنا أن نوثّقها، ونحمي شواهدها، وننقلها بأمانة؛ وقد تشتدّ التحديات، لكنّ مسؤوليتنا تبقى واضحة: حماية الإنسان، وصون الأرض، والتمسّك بالحقوق المشروعة، والعمل من أجل مستقبلٍ تتحقّق فيه العدالة، ويُحترم فيه القانون، ويعيش فيه الفلسطيني بحريةٍ وكرامةٍ على أرضه.
المشهد الختامي: فلسطين… حكاية أرض وذاكرة وحق
من ذاكرة المكان الحيّة، إلى أشجار الزيتون المتجذّرة في أعماق الأرض، ومن مواجهة الاستيطان إلى التمسّك بالهوية الوطنية، تتواصل الحكاية الفلسطينية؛ حكاية شعبٍ ارتبط بأرضه عبر الأجيال، وحفظ أسماء قراه وبلداته في ذاكرته، وصان تراثه في تفاصيل حياته اليومية، وظلّ متمسّكاً بحقوقه المشروعة رغم ما واجهه من اقتلاع وتهجير واعتداءات.
قد تُقتلع شجرة، وقد يُهدم بيت، وقد يُحاصر طريق، وقد تتغيّر ملامح المكان تحت وطأة الوقائع المفروضة بالقوة، لكنّ الأرض لا تُختزل في مشهدٍ عابر، والتاريخ لا يُمحى بتغيير المعالم، والحقوق لا تفقد مشروعيتها لمجرّد إنكارها أو تجاهلها. فلكلّ مكانٍ ذاكرة، ولكلّ قريةٍ حكاية، ولكلّ شجرةٍ جذورٌ تمتدّ في الأرض وفي وجدان أصحابها.
إنّ حماية فلسطين ليست مجرّد استعادةٍ للماضي، بل مسؤوليةٌ تجاه الحاضر والمستقبل؛ مسؤوليةٌ تقتضي حماية الإنسان، وصون الأرض، وتوثيق الانتهاكات، والحفاظ على التراث، والتمسّك بالحقوق الوطنية المشروعة وفق القانون الدولي. فالقوة قد تفرض واقعاً ميدانياً، لكنها لا تمنح هذا الواقع، بمجرّد فرضه، شرعيةً قانونية، ولا تُسقط حقّ الشعوب في تقرير مصيرها، ولا تُنهي مسؤولية المجتمع الدولي عن احترام القانون وحماية الحقوق.
فلسطين ليست مجرّد أرضٍ نعيش عليها؛ فلسطين ذاكرةٌ نحملها، وهويةٌ نصونها، وحقٌّ ندافع عنه بالوعي والعمل، وحكايةٌ نكتب فصولها كلّ يوم. في الفلّاح الذي يعود إلى حقله، وفي شجرة الزيتون التي تُزرع من جديد، وفي البيت الذي يحفظ حكايات أهله، وفي الطفل الذي يتعلّم أسماء قراه، تستمرّ الحكاية، ويظلّ المكان حاضراً في وجدان الأجيال.
الأرض أرضنا، والذاكرة ذاكرتنا، والحكاية حكاية شعبٍ له تاريخ وحقوق وتطلّعات إلى الحرية والعدالة. ستبقى فلسطين حيّةً فينا، لا بوصفها ذكرى من الماضي، بل باعتبارها مسؤوليةً في الحاضر وأمانةً للمستقبل. جيلٌ يحفظ، وجيلٌ يوثّق، وجيلٌ يواصل الطريق؛ حتى تبقى حكاية الأرض حيّة، وتظلّ الحقوق حاضرة، ويأتي اليوم الذي يعيش فيه الشعب الفلسطيني حرّاً، متمتّعاً بحقوقه المشروعة، على أرضه، بكرامةٍ وعدالةٍ وسلام.
فلسطين… أرضٌ لها حكاية، وشعبٌ له حق، وذاكرةٌ لا تنتهي.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


