د. مروان إميل طوباسي يكتب لوطن: الحركة الوطنية أمام تحولات المرحلة.. التجديد ضرورة لا خَيار

لم يعد ممكناً قراءة واقع الحركة الوطنية الفلسطينية، وفي مقدمتها حركة «فتح» ، بالأدوات والمقاربات ذاتها التي حكمت أداءها خلال العقود الماضية. فما جرى منذ السابع من أكتوبر ٢٠٢٣، وما تبعه من حرب إبادة وتدمير وتحولات سياسية واجتماعية وإقليمية ودولية ، كشف عن أزمة عميقة في بنية النظام السياسي الفلسطيني ، وفي قدرة قواه على الاستجابة لمتطلبات مرحلة تتغير فيها الوقائع أسرع من قدرتنا على مراجعة الخيارات وتجديد الأدوات .
لقد عرف تاريخ شعبنا منعطفات كبرى أعادت تشكيل حركته الوطنية ، من جريمة الأقتلاع "نكبة" عام ١٩٤٨، وتأسيس منظمة التحرير عام ١٩٦٤، وانطلاقة «فتح» عام ١٩٦٥، وهزيمة حزيران ١٩٦٧، وصولاً إلى الإعتراف العربي والدولي بالمنظمة ممثلاً شرعياً للشعب الفلسطيني عام ١٩٧٤ ، وانتخابات البلديات عام ١٩٧٦ التي أسقطت مشروع الادارة المدنية ، وانتفاضة الحجارة عام ١٩٨٧ وما رافقها من عزلة اسرائيل ، وإعلان الإستقلال عام ١٩٨٨ وما رافقه من بدايات الاعترافات الأممية بالدولة والانطلاق نحو مؤتمر مدريد . فقد كانت تلك محطات أعادت صياغة الوعي الوطني وأشكال التنظيم والنضال ، ورسخت الهوية الفلسطينية والقرار الوطني المستقل في مواجهة طبيعة الصراع المتنامي مع اهداف الحركة الصهيونية .
واليوم ، وبعد أكثر من ستة عقود ، تواجه «فتح» ومعها مكونات الحركة الوطنية اختباراً تاريخياً مختلفاً ، في ظل مشروع استعماري استيطاني إحلالي يستهدف وحدة الأرض والشعب ، ويعيد تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا والسياسة معاً . ولم تعد المسألة الحفاظ على المواقع التنظيمية والمؤسسية ، بل استعادة وظيفة الحركة الوطنية باعتبارها الحامل السياسي والأجتماعي لمشروع التحرر ، وتعزيز صمود الشعب وبقائه على أرضه نحو تحقيق اهدافه بالحرية والأستقلال الوطني .
إن التراجع الذي أصاب «فتح» ومكونات الحركة الوطنية ليس نتاج أخطاء أشخاص وحدهم ، بل حصيلة تراكمات سياسية وتنظيمية وفكرية ، أبرزها تراجع الديمقراطية الداخلية ، وتداخل الحركة مع السلطة ، واتساع الفجوة بين القيادة والقواعد ، وتغليب الولاءات ومراكز النفوذ على الكفاءة والتعددية ، وغياب المراجعة النقدية لتجربة أوسلو وما أعقبها ، وصولاً إلى الانقسام وتداعيات الحرب على غزة ومحاولات استبدال المشروع الوطني بترتيبات الإدارة السكانية والفصل الجغرافي الذي تحاول فرضه مكونات ما سُمي بمجلس السلام برئاسة ترامب .
ولعل ما جرى في المؤتمر العام الثامن لحركة «فتح» ، قبل أشهر ، وما رافقه من ملاحظات وانتقادات حول مدخلات العضوية والتمثيل وغياب المراجعة الجادة للسياسات والبرامج ، كان يفترض أن يشكل مناسبة لتصويب المسار . غير أن إشكالياته عادت للظهور في ترتيبات بمسميات مختلفة لاختيار مرشحي الحركة للإنتخابات التشريعية التي كان مفترض اجراءها .
فقد جرى اعتماد مُجمعات انتخابية ولجان اختيار في المحافظات ، وكأن كل محافظة وحدة سياسية مستقلة ، رغم أن الوطن دائرة انتخابية واحدة وفق التمثيل النسبي ونظام الإنتخابات العامة ، وفي غياب آلية وطنية موحدة على مستوى الوطن تختار المرشحين على أساس الكفاءة والخبرة والسيرة الوطنية والقدرة على تمثيل البرنامج السياسي للحركة باجراءات تتفق ولا تتعارض مع نصوص النظام الداخلي للحركة .
والأكثر دلالة أن إجراءات الترشح والتعهدات المتعلقة بقبول الآليات ونتائجها سبقت الإعلان عن برنامج انتخابي سياسي واجتماعي واقتصادي ورقابي واضح لِ « فتح »، يفترض أن يكون أساس الالتزام قبل أي تعهد تنظيمي . فالقائمة الانتخابية ليست مجرد تجميع أسماء وفق اعتبارات جغرافية وتنظيمية ، بل تعبير عن رؤية وبرنامج ومسؤولية وطنية بقائمة انتخابية تُمثل الوطن .
وتزداد المفارقة مع تصاعد مؤشرات تأجيل الانتخابات او حتى شبه تاكيدها لحي صدور قرار رسمي ننتظر بذلك ، وما يُتداول حول حوارات القاهرة واحتمال توصية اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير بالتأجيل . فإذا كانت احتمالات التأجيل حاضرة لدى مراكز القرار وفق التوصية التي سترفعا «فتح» للمنظمة بعد غد السبت ، فلماذا أُدخلت الكوادر في إجراءات تنافس وترشيحات وتشكيل «مُجمعات انتخابية» و «لجان حكماء» شابها استبعادات ومزاجات التشكيل ، قبل مصارحتها بالتقديرات السياسية؟ ولماذا بقي النقاش حول المصير الانتخابي محصوراً في دوائر ضيقة ، بعيداً عن المؤسسات والقواعد التنظيمية؟
إن هذه الإشكالية تتجاوز الإجراءات إلى مفهوم الديمقراطية والمشاركة والمساءلة . فالتوافق الفصائلي الوطني ، مهما بلغت أهميته في مرحلة التحرر ، لا يمكن أن يكون بديلاً عن الإرادة الشعبية أو تفويضاً دائماً للقوى القائمة بأحتكار القرار .
ولا يمكن تجاهل معيقات الأحتلال في القدس وغزة والضفة ، والتوسع الاستيطاني وإرهاب المستوطنين ، غير أن مواجهتها تستدعي تحويل الإنتخابات إلى معركة سياسية وقانونية حول السيادة والولاية الوطنية ، لا الاكتفاء بتأجيلها استباقاً لما قد يفرضه الأحتلال .
أما حوارات القاهرة ، فينبغي أن تفضي إلى خريطة طريق وطنية واضحة لتجديد الشرعيات ، وإجراء انتخابات شاملة للمجلس الوطني والتشريعي والرئاسة ، وإعادة بناء النظام السياسي تحت مظلة منظمة التحرير ببرنامج وطني يتم التوافق علية بما له علاقة بمكانة المنظمة والتزاماتها الدولية ، بمشاركة الشباب والنساء والكفاءات والمستقلين ، وببرنامج وطني تحرري جامع يربط النضال الوطني بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية والحريات ويحدد طبيعة الصراع وأشكال النضال بما يحقق البقاء والصمود على الأرض .
إن «فتح» التي نحتاجها ليست حركة تستمد شرعيتها من تاريخها وحده ، بل تجددها من خلال برنامجها وممارستها وعلاقتها بالشعب ، ومن خلال حماية التعددية والنقد والانتخاب والمساءلة ، وبما يعيد الاعتبار إلى الكفاءة والعمل الشعبي والمبادرة .
فالتاريخ لا يمنح أي حركة حقاً دائماً في القيادة ، مهما عظمت تضحياتها . والوفاء لتاريخ «فتح» لا يكون بحماية أدوات استنفدت قدرتها ، بل بشجاعة مراجعتها وتغييرها .
إن تأجيل الانتخابات ، الذي بات مقرراً ، لا يجوز أن يصبح تأجيلاً للتجديد ، أو مهلة لإعادة إنتاج الأزمة . فالتحولات التاريخية لا تنتظر القوى السياسية حتى ترتب خلافاتها ، والزمن الذي نستهلكه في تأجيل التغيير قد يصبح زمناً نخسر فيه قدرتنا على صناعة المستقبل ، بل وعلى حماية حاضرنا.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


