محمود كلّم يكتب لوطن: أنيس النقاش ونزار بنات.. رحل الرجال وبقيت الكلمات

هناك كلمات لا تنتهي بانتهاء أصحابها، تبقى معلّقة في الذاكرة، وتعود إلينا كلما تغيّر المشهد، وكلما وجدنا أنفسنا أمام أحداث تجعلنا نعيد قراءة ما قيل بالأمس بعين اليوم.
قبل وفاته عام 2021، تحدث المفكر الاستراتيجي أنيس النقاش عن مستقبل الصراع حول فلسطين، محذّراً من أن ينتقل من حدود السياسة والإعلام والتطبيع إلى مواجهة عسكرية تتشكل فيها معسكرات متقابلة.
قال مخاطباً الفلسطينيين والعرب والمسلمين:
«ما الذي سنواجهه في المستقبل؟ هو حرب تتجمع فيها القوى الصهيونية مع قوى عربية قتالياً… في القتال سيكون هناك جبهتان تتقاتلان… الذي يحصل هو حلف استراتيجي بين هذه الدول والكيان الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني وضد القضية الفلسطينية… الآن أصبح هناك معسكران منفصلان تماماً، والقادم هو معركة عسكرية، وليس فقط إعلامية. عسكرية، وأصرّ على ذلك».
وكان يعود إلى ما قاله منذ عام 2007، عندما تحدث عن احتمال دخول دولتين في الحرب، قبل أن يرى أن المشهد قد يتسع، وأن الجغرافيا نفسها قد تصبح أوسع.
اليوم وبعد مرور سنوات على رحيله، نعود إلى كلمات أنيس النقاش في ضوء ما شهدته المنطقة بعد السابع من أكتوبر 2023، من اتساع رقعة المواجهة العسكرية، وتداخل الجبهات، وتصاعد التحولات السياسية والعسكرية التي وضعت القضية الفلسطينية في قلب صراع إقليمي مفتوح.
عندها ندرك أن تحذيره لم يكن متعلقاً بحرب محتملة فحسب، بل بطبيعة المعسكرات التي تتشكل في المنطقة، وبمستقبل قضية فلسطينية تجد نفسها في مواجهة اختلالات كبيرة في موازين القوة، فيما تتقدم المصالح السياسية على حقوق الشعب الفلسطيني وتطلعاته إلى الحرية.
لقد تحققت جوانب جوهرية من قراءته؛ فالمواجهة لم تعد محصورة في حدود فلسطين، بل اتسعت جبهاتها وتشابكت أطرافها، وظهرت الاصطفافات التي حذّر منها قبل رحيله.
رحل أنيس النقاش، لكن ما قاله بقي حاضراً.
ورحل كثيرون ممن حملوا همّ فلسطين، وتركوا وراءهم كتباً ومقالات وشهادات وتحذيرات وأسئلة لم تجد أجوبتها بعد.
وهنا يصبح الحزن أكبر من رحيل رجل.
إنه حزن على زمنٍ يغادر فيه أصحاب الكلمة والرؤية واحداً بعد آخر، بينما تبقى فلسطين معلّقة بين حرب لا تنتهي، وسياسة لا تصل إلى العدالة، وعالم يتابع المأساة ويبحث عن مخارج تحفظ مصالحه قبل أن تحفظ حياة الإنسان.
في فلسطين، لا يموت الأشخاص وحدهم؛ أحياناً تموت معهم أجزاء من الذاكرة، وتغيب أصوات كانت تذكّرنا بما حاول العالم أن ينساه.
أنيس النقاش كان واحداً من أولئك الذين اختاروا أن يتحدثوا بصوت مرتفع، وأن يضعوا الأسئلة الصعبة أمام الجميع، وأن يحذّروا من مستقبل كان كثيرون لا يريدون رؤيته.
واليوم ونحن نستعيد كلماته بعد رحيله، لا نملك إلا أن نتساءل: كم من الكلمات نسمعها متأخرين؟ وكم من الأصوات لا ندرك قيمتها إلا بعد أن تصمت إلى الأبد؟
وربما لهذا تبدو كلمات الشهيد نزار بنات، التي قالها في لحظة أخرى، وكأنها تختصر هذا الوجع كله:
«تعازينا لهذه الأمة العظيمة باستشهاد عظمائها».
تعازينا لفلسطين، ولأمةٍ تفقد رجالها واحداً تلو الآخر، بينما لا تزال القضية التي حملوها في قلوبهم تبحث عن طريقها إلى الحرية والعدالة.
رحم الله أنيس النقاش، ورحم الله نزار بنات، ورحم كل من رحل وهو يحمل فلسطين في قلبه.
تبقى الكلمات… حين يرحل أصحابها.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


