فواز عطية يكتب لوطن: سوق القطانين في القدس .. صمود المعمار والأوقاف في وجه التهويد

08.10.2026 10:17 AM

 في السابع والعشرين من أيلول/سبتمبر 2026، أُجبر تجار "سوق القطانين" في البلدة القديمة بالقدس على إغلاق محلاتهم التجارية لتسهيل إقامة صلوات تلمودية فيه، إذ اقتحم مئات المستوطنين المتشددين السوق بالتناوب، فُتِح لهم خلالها الباب الصغير المطل على قبة الصخرة المشرفة التي تشكل جزءا لا يتجزأ من المسجد الأقصى المبارك.

لماذا سوق القطانين تحديدا، وفي هذا التوقيت؟
إذا كانت عين سلطات الاحتلال تتجه بالدرجة الأولى نحو "باب الرحمة" في الجهة الشرقية للمسجد الأقصى، فإن عينها الثانية تولي أهمية استراتيجية بالغة لـ "باب القطانين" وسوقه، ترجع هذه الأهمية – من وجهة نظرهم – إلى قرب السوق مما يُسمى "حائط المبكى الصغير" عبر حوش "دودو" المطل على "رباط الكرد" ووقف عائلة الشهابي وعائلات مقدسية أخرى.
كما تكمن أهمية السوق في موقعه الاستراتيجي الملاصق للسور الغربي للمسجد الأقصى، وإطلالته المباشرة على قبة الصخرة المشرفة، حيث تعتقد جماعات استيطانية متطرفة بوجود "قدس الأقداس" أسفل القبة، بل ويزعمون أن حجارة السوق بُنيت من بقايا الهيكل.
ومن هذا المنطلق، تتواصل الاعتداءات والتضييقات على التجار والسكان لدفعهم إلى إخلاء محلاتهم ومنازلهم.
وبعيدا عن هذه الأطماع، فإن الواقع القائم اليوم يُحاكم بإدراك المخططات الميدانية وتحليل أثرها المباشر على معالم المدينة وأهلها.
تاريخ وتسمية المعلم المملوكي
شاع في المزيّة التاريخية تسمية المكان بـ "سوق القطانين"، وهي تسمية ترجع أصولها إلى القرن العاشر الهجري (الخامس عشر الميلادي) حين اشتهر السوق ببيع القطن ومشتقاته، كما عُرِف أحيانا بـ "سوق العتم" نظرا للتفاوت في الإضاءة بين ممراته المسقوفة وأزقة المسجد الأقصى المكشوفة، إلا أن الاسم الأكثر أصالة وحريّا بالاعتماد هو نسبة السوق إلى مؤسسه: الأمير سيف الدين تنكز الناصري (نائب الشام في العهد المملوكي)، الذي أنشأه عام 737 هـ / 1336 م.
يُعد سوق القطانين من أضخم وأجمل أسواق القدس القديمة، إذ يمتد من طريق الواد غربا حتى المسجد الأقصى شرقا، ويتوسط السور الغربي بين باب الحديد شمالا وباب المطهرة جنوبا، ويتميز بأوصاف معمارية مدهشة.
حيث تتوزع على جانبيه عشرات المحلات التجارية المتقابلة والمتشابهة، يفصل بينها ممر مسقوف بقبو نصف برميلي محمول على ثلاثين عقدا مدببا تتخللها فتحات للإضاءة والتهوية، أما الممر الملاصق للباب المؤدي للأقصى فمسقوف بأقبية متقاطعة تُزينها الحنيات والمقرنصات بديعة الصنع التي تعكس ذروة العمارة الإسلامية المملوكية، حيث يشبه المقرنص الواحد محرابا صغيرا، أو جزء طوليا منه وهو ذو أنواع وأشكال متعددة، فضلا عن تخصيص فتحة أو أكثر لكل دكان لتهويتها وإضاءتها.
جدار الصدّ الوقفي
تتجلى الهوية العربية والإسلامية لسوق القطانين في كثرة الأوقاف الذُرية والخيرية التي أُوقِفت عليه عبر القرون، فقد كان السوق جزءا من خِطط "حي مرزبان" وفق ما تشير إليه سجلات المحكمة الشرعية – والذي يصل بين عقبة الخالدية وطريق الهكاري وصولا إلى حي القرمي.
وعلى الرغم من محاولات سلطات الاحتلال المستمرة لبسط السيطرة على السوق وتغيير معالمه، إلا أن الحجم الكبير للأوقاف كان ولا يزال السد المنيع أمام التهويد، وهذا الصمود دفع السلطات إلى اتخاذ مسارات أخرى تتلخص في الإغلاق القسري للمحلات، وفرض الضرائب الباهظة، وحظر النشاط التجاري في الأعياد اليهودية.
وقد شهدت فترة "عيد العرش" اليهودي تصعيدا غير مسبوق في المعاناة، حيث رافقت الطقوس والممارسات اعتداءات واقتحامات متكررة بمشاركة مسؤولين حكوميين، مما شجع المستوطنين على التعدي على الأهالي والممتلكات، وترويع السكان، والتضييق على رجال الدين والمارة، وهو ما يرفع من مستوى الاحتقان والتوتر في البلدة القديمة.
أرقام تؤكد حقيقة الصمود
تُظهر سجلات محكمة القدس الشرعية على أن عدد الوقفيات القائمة في سوق القطانين ومحيطه – وتحديدا الجزء المرتبط بإدارة الأوقاف الإسلامية – لا يقل عن 42  وققا خيريا تضم عددا كبيرا من الأعيان والعقارات، بالإضافة إلى ما لا يقل عن 20  وققا ذُرّيا تُدار عبر متولي الوقف من العائلات المقدسية الأصيلة.
إن هذا التواجد الوقفي المكثف يُحبط محاولات السيطرة الكاملة على السوق ومحيطه، بما في ذلك منطقة "رباط الكرد" ووقف عائلة الشهابي والعائلات المقدسية الأخرى، رغم أن السلطات تسعى جاهدة عبر التضييق النفسي والاقتصادي لحث السكان على المغادرة، إلا أن ذلك يبدو مستحيلا واقعيا وعمليا، أمام تجذر الأوقاف وصمود الأهالي، مما يتطلب استمرار دعم رباط الساكنين والتجار بكافة الوسائل المشروعة لتعزيز ثباتهم في هذه البقعة المباركة.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير