محمود كلّم يكتب لوطن: معلمو غزة… يُعلِّمون الحياة من تحت الركام

07.10.2026 01:09 PM

ما يجري في غزة وصمة عار في وجه الإنسانية. غزة تُذبح أمام العالم، فيما تتراكم فوق أهلها صور الحرب والدمار والألم، حتى أصبح الركام جزءاً من يومهم، وأصبح البقاء نفسه امتحاناً يومياً للحياة.

وفي وسط هذا المشهد القاسي، يقف معلمو غزة أمام أطفالهم، يحاولون أن يعلّموهم شيئاً عن المستقبل، بينما حاضرهم محاصر بالموت.

في غزة، تغيّر كل شيء. لم تعد المدرسة ذلك المكان الذي يعرفه الأطفال؛ جدرانٌ ملونة، مقاعد مرتبة، سبورة تنتظر الدرس، وجرس يعلن بداية الحصة ونهايتها. كثير من تلك الأماكن صار ركاماً، وبعضها لم يبقَ منه سوى ذاكرة في عيون من كانوا يجلسون فيه.

وتقول الأرقام إن الاحتلال قتل أكثر من 800 معلم فلسطيني، وأصاب نحو 3000 آخرين، واعتقل 170 معلماً في ظروف قاسية. لكن الأرقام، مهما كبرت، لا تستطيع أن تختصر حكاية معلم غاب، أو طفل انتظر معلمه ولم يأتِ، أو أسرة فقدت من كان يعود إليها كل مساء.

حين دُمّرت المدارس، نصب المعلمون الخيام. وحين اختفت الصفوف، صنعوا من المساحات الضيقة أماكن للتعلم. لم تكن الخيمة مدرسة بالمعنى الذي نعرفه، لكنها حملت شيئاً أهم؛ فرصة للطفل كي يمسك كتابه، ويجلس إلى جانب رفاقه، ويشعر، ولو لساعات، أن العالم لم ينتهِ.

تلك الخيام لا تخفي حجم المأساة، لكنها تكشف شيئاً آخر.
تكشف أن المعلم نفسه، وهو يحمل وجعه، ما زال يجد في نفسه القدرة على الوقوف أمام الأطفال. قد يكون فقد بيتاً أو قريباً أو زميلاً، وقد تكون صور الأيام الماضية أثقل من أن تُروى، لكنه يدخل إلى الخيمة ويبدأ الدرس.

ربما لا يعرف الطفل كل ما يحمله معلمه في قلبه.
يراه فقط أمامه، يكتب كلمة على لوحة صغيرة، يشرح مسألة، يصحح دفتراً، ويسأل تلاميذه إن كانوا فهموا الدرس.

وفي تلك اللحظة، يصبح التعليم أكثر من حروف وأرقام، يصبح محاولة لحماية الطفولة من أن تبتلعها الحرب.
فالطفل الذي يفتح كتاباً وسط الخراب يقول، من دون أن يتكلم، إن له حقاً في الغد. والمعلم الذي يجلس أمامه لا يمنحه المعرفة وحدها، بل يمنحه شيئاً من الأمان، ونافذة صغيرة يرى من خلالها حياة مختلفة عن تلك التي تحاصره الآن.

كم هو مؤلم أن يتعلم الأطفال عن المستقبل، بينما حاضرهم محاصر بالموت.

وكم هو موجع أن يتحدث المعلم عن الأحلام، وهو يعرف أن بعض أحلام تلاميذه دُفنت تحت الركام.

لكن ربما تكون هذه هي مهمة المعلم في أقسى الظروف؛ أن يحافظ على شعلة صغيرة حين يبدو كل شيء من حوله مظلماً.

في يوم المعلم العالمي، لا ينبغي أن نتذكر فقط من يقفون أمام السبورة، بل أولئك الذين رحلوا قبل أن يكملوا رسالتهم، والمصابين الذين حملوا جراحهم، والمعتقلين الذين غابوا خلف القضبان، وكل معلم واصل عمله رغم أن الحياة من حوله لم تعد تشبه الحياة التي عرفها.

إلى معلمي غزة…
نعرف أنكم لا تستطيعون إعادة المدارس التي هُدمت، ولا إعادة الذين رحلوا، ولا محو الخوف من قلوب الأطفال.

لكنكم تفعلون شيئاً لا يقل أهمية؛ تحاولون أن تمنعوا الحرب من سرقة المستقبل أيضاً.

ستُبنى المدارس يوماً، وستعود المقاعد إلى صفوفها، وستُفتح النوافذ، وسيعود الأطفال إلى ساحاتٍ لا يعلو فيها إلا صوتهم.

أما اليوم، فلكل خيمة قصة، ولكل معلم حكاية، ولكل طفل يحمل دفتراً بين يديه حلمٌ مؤجل.

وفي غزة، حيث أصبح الركام جزءاً من المشهد، ما زال هناك من يكتب على اللوح:

درس اليوم: لا تفقدوا الأمل.

إلى معلمي غزة… كل عام وأنتم بخير، وكل عام وأنتم تحرسون حق أطفالكم في العلم والحياة والمستقبل.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير