د. وحيد جبران يكتب لوطن: رفع شأن المعلم في فلسطين وإصلاح حاله: حجر الزاوية لأي إصلاح تربوي حقيقي

07.10.2026 10:39 AM

هذه المقالة بمناسبة اليوم العالمي للمعلمين، وهي تنطلق من أن رفع شأن المعلم في فلسطين يشكل حجر الأساس في الإصلاح التربوي، وينبغي أن يصبح مبدأً منظمًا للإصلاح التربوي، وأن يقوم على مسؤولية مشتركة بين الدولة والنظام التعليمي، والمجتمع، والمعلم نفسه.

مقدمة
كثيرة هي الخطط والاستراتيجيات والمبادرات التي تتحدث عن تطوير التعليم وتحسين نوعية التعلم، وتحديث المناهج، وتوظيف التكنولوجيا، وتعزيز التعليم الجامع، ومعالجة الفاقد التعليمي. غير أن أثر هذه الجهود سيظل محدودًا إذا لم يكن المعلم في مركز الإصلاح التربوي، لا بوصفه منفذًا لما تقرره السياسات فحسب، وإنما باعتباره مهنيًا وشريكًا في صناعة التغيير، وصاحب الدور الأكثر مباشرة في تحويل السياسات والمناهج إلى خبرة تعلم حقيقية داخل الصف.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في فلسطين، حيث يعمل المعلم في نظام تعليمي يواجه، إلى جانب التحديات المعتادة، ظروفًا متكررة من عدم الاستقرار والأزمات، وضغوطًا اقتصادية ومهنية ونفسية، وتفاوتًا في ظروف العمل، وأعباء تعليمية وإدارية متزايدة. وفي مثل هذا السياق، لا ينبغي أن يبدأ الحديث عن الإصلاح التربوي بسؤال: ما البرامج الجديدة التي نحتاج إلى إضافتها؟ وإنما بسؤال أكثر جوهرية: كيف نعيد بناء مكانة المعلم وظروف عمله ودوره المهني بحيث يصبح قادرًا على قيادة الإصلاح والمساهمة الفاعلة في إنجاحه؟
إن رفع شأن المعلم ليس احتفاءً رمزيًا بالمهنة في المناسبات، ولا يختزل في زيادة الراتب، رغم الأهمية البالغة للأجر المنتظم والعادل. إنه مشروع متكامل لإعادة بناء العلاقة بين المعلم والنظام التعليمي والمجتمع، على أساس المهنية والثقة والاحترام والحقوق والمسؤوليات والتطوير المستمر.

معنى رفع شأن المعلم
يقدم الإطار الدولي الأهم في هذا المجال، وهو التوصية المشتركة لليونسكو ومنظمة العمل الدولية بشأن أوضاع المعلمين لعام 1966، فهمًا يتجاوز النظرة الضيقة إلى مكانة المعلم. فالتوصية تعرف «شأن المعلم»  بأنه يشمل، من جهة، المكانة والاعتبار اللذين يحظى بهما المعلم في المجتمع، ومن جهة أخرى ظروف العمل والأجور والمزايا المادية مقارنة بالمجموعات المهنية الأخرى  (ILO & UNESCO, 1966).
وهذا التعريف مهم لأنه يوضح أن احترام المعلم لا يمكن أن يكون منفصلًا عن الطريقة التي يُعامل بها مهنيًا وماديًا. فالمجتمع لا يستطيع أن يطالب المعلم بمكانة مهنية عالية إذا كانت ظروف ممارسته للمهنة لا تعكس هذه المكانة. كما تؤكد التوصية أن التعليم يعتمد بدرجة كبيرة على مؤهلات المعلمين وقدراتهم، وأن التدريس ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مهنة تتطلب معرفة متخصصة ومهارات مهنية، ودراسة مستمرة، وإحساسًا بالمسؤولية تجاه تعليم الطلبة ورفاههم  (ILO & UNESCO, 1966).

ومن ثم، فإن رفع شأن المعلم في فلسطين ينبغي أن يُفهم بوصفه عملية متكاملة تشمل ثلاثة أبعاد مترابطة:

- أولًا: البعد الاجتماعي والرمزي، ويتمثل في تعزيز احترام المجتمع للمهنة، وتحسين الصورة العامة للمعلم، وإبراز دوره بوصفه مهنيًا وقائدًا تربويًا وصانعًا للمعرفة، وليس مجرد منفذ للتعليمات.
- ثانيًا: البعد المهني، ويتمثل في تعزيز استقلالية المعلم المهنية، وإشراكه في صنع القرارات التربوية، وتوفير إعداد وتطوير مهني عالي الجودة، وبناء مسارات واضحة للنمو والترقي المهني.
- ثالثًا: البعد المادي وظروف العمل، ويشمل انتظام الأجور وعدالتها، والحماية الاجتماعية، ووضوح شروط العمل، وتوفير الموارد، وتنظيم أعباء العمل، وتهيئة بيئة آمنة وصحية ومهنية.
ولا يمكن فصل هذه الأبعاد عن بعضها. فمن الصعب أن نطلب من المجتمع احترام مهنة التدريس إذا كانت ظروف ممارستها لا تعكس هذا الاحترام، كما يصعب أن نطالب المعلم بمستويات أعلى من الأداء والابتكار إذا لم يحصل على الوقت والموارد والدعم والفرص المهنية التي تمكنه من ذلك.
أهمية رفع شأن المعلم
إن الاستثمار في مكانة المعلم ليس قضية تخص المعلمين وحدهم؛ بل يرتبط مباشرة بجودة النظام التعليمي واستدامته.
فالمهنة الجذابة والقادرة على توفير فرص التطور المهني وظروف العمل الملائمة تكون أكثر قدرة على استقطاب الكفاءات والاحتفاظ بها. وقد أكد التقرير العالمي عن المعلمين لعام 2024 أن أزمة المعلمين عالمية، وأن معالجة النقص في أعداد المعلمين وجاذبية المهنة واستدامتها تتطلب سياسات شاملة تشمل الاستقطاب والإعداد والتطوير والدعم وتحسين ظروف العمل  (UNESCO & International Task Force on Teachers for Education 2030, 2024).

كما أن المعلم الذي يتمتع بالثقة والدعم والمساحة اللازمة للحكم المهني يكون أكثر قدرة على الاستجابة للفروق الفردية بين الطلبة، وتكييف التدريس، واستخدام التقويم بصورة فاعلة، وتجريب طرائق جديدة، والمساهمة في تطوير المدرسة.
وتتضاعف أهمية ذلك في حالات الأزمات. ففي الظروف التي تتعرض فيها المدارس للتعطيل أو النزوح أو نقص الموارد، يصبح المعلم عنصرًا أساسيًا في الحفاظ على استمرارية التعلم. ولذلك فإن رفع شأن المعلم ليس فقط استثمارًا في جودة التعليم، بل هو أيضًا استثمار في صمود النظام التعليمي وقدرته على الاستجابة للأزمات والتعافي منها.

من المعلم المنفذ إلى المعلم المهني
لعل أحد أهم التحولات المطلوبة هو الانتقال من النظر إلى المعلم بوصفه منفذًا للسياسات والتعليمات إلى النظر إليه بوصفه مهنيًا يمتلك المعرفة والحكم المهني والقدرة على اتخاذ القرارات التربوية. فالمنهج قد يكون وطنيًا وموحدًا، والسياسة قد تحدد الأهداف العامة، لكن التعلم يحدث في النهاية داخل الصف، في تفاعل مباشر بين معلم وطلبة يختلفون في قدراتهم وخبراتهم وحاجاتهم وظروفهم.
ومن هنا، فإن الإصلاح الذي لا يمنح المعلم مساحة للمبادرة والتكيف والاستجابة للسياق يظل إصلاحًا جزئيًا. غير أن الاستقلالية المهنية لا تعني غياب المعايير أو المساءلة؛ بل تعني الجمع بين الاستقلالية والمسؤولية.
يحتاج المعلم إلى إطار واضح للكفايات المهنية، ومعايير شفافة للتقييم، وفرص حقيقية للتطوير، وفي الوقت نفسه إلى مساحة لاتخاذ القرارات المهنية التي تخدم تعلم الطلبة. وهذا يتفق مع التوجهات الواردة في تقرير اليونسكو العالمي عن المعلمين، الذي يدعو إلى مقاربة شاملة للمهنة تشمل إعداد المعلمين واستقطابهم ودعمهم وتطويرهم وتحسين ظروف عملهم، إلى جانب تعزيز جاذبية المهنة واستدامتها  (UNESCO & International Task Force on Teachers for Education 2030, 2024) .

الأطراف التي تتحمل مسؤولية رفع شأن المعلم
من الخطأ التعامل مع مكانة المعلم باعتبارها مسؤولية طرف واحد. إنها مسؤولية مشتركة بين ثلاثة أطراف، هي: الدولة والنظام التعليمي، والمجتمع، والمعلم نفسه.

الطرف الأول: النظام التعليمي ومسؤوليته في رفع شأن المعلمين
تبدأ مسؤولية الدولة ببناء سياسة وطنية متكاملة للمعلمين تغطي دورة الحياة المهنية كاملة: الإعداد قبل الخدمة، والتوظيف، والتأهيل، والترخيص المهني، والراتب، والتطوير المهني، والتقييم، والترقية، والحوافز، والقيادة التربوية، وظروف العمل، والحماية والرفاه.
وقد عرفت فلسطين بالفعل خطوات مهمة في هذا الاتجاه. فقد أعدت وزارة التربية والتعليم العالي استراتيجية إعداد وتأهيل المعلمين في فلسطين عام 2008، وهي وثيقة أساسية في مسار مهننة التعليم الفلسطيني (وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية، 2008). كما أن إنشاء هيئة تطوير مهنة التعليم عام 2009 جاء بناءً على توصيات تلك الاستراتيجية، وعملت الهيئة على تطوير المعايير المهنية، وآليات إجازة مزاولة المهنة، والرتب المهنية للمعلمين، ومن بينها: معلم جديد، ومعلم، ومعلم أول، ومعلم خبير (وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية، د.ت.). وهذا يوفر أساسًا مهمًا يمكن البناء عليه، لكن التحدي الحقيقي يتمثل في تحويل هذه الأطر إلى منظومة مهنية متكاملة وفاعلة في الممارسة اليومية، وترجمة التوصيات وتنفيذها عمليا.
مسار مهني قائم على الكفاءة
من جانب آخر، يحتاج المعلم إلى أن يعرف بوضوح: أين يبدأ؟ وما الذي يتوقع منه؟ وكيف يتطور؟ وما الذي يحتاج إليه للانتقال من مستوى مهني إلى آخر؟ لذلك ينبغي تعزيز المسار المهني للمعلم بحيث لا تكون الترقية مجرد نتيجة للأقدمية، وإنما تعكس مزيجًا متوازنًا من الكفاءة المهنية، والتطوير المستمر، وجودة الممارسة، والمبادرة، والمساهمة في تعلم الزملاء، والأثر في تعلم الطلبة. ويجب أن يكون التقويم المهني أداة للنمو، لا أداة للعقاب. ويمكن أن يستند إلى مجموعة من الأدلة، مثل الملاحظة الصفية، وملف الإنجاز المهني، وخطة التطوير الفردية، والتأمل في الممارسة، وتحليل أعمال الطلبة، والتغذية الراجعة.

تغيير فلسفة التطوير المهني
أما فيما يتعلق ببرامج التطوير المهني التي تنفذها وزارة التربية والتعليم العالي للمعلم، فهي تحتاج إلى تغيير في فلسفتها: إذلا يمكن رفع شأن المعلم بمجرد زيادة عدد الدورات التدريبية. فالمشكلة ليست دائمًا في قلة التدريب، وإنما في مدى ارتباط التطوير المهني بالممارسة اليومية واحتياجات المعلمين الفعلية. ولهذا ينبغي أن ينتقل جزء أكبر من التطوير المهني من نموذج الدورة المركزية المنفصلة عن العمل إلى نموذج التعلم المهني المستمر داخل المدرسة.
ويمكن تحقيق ذلك من خلال:

وتتسق هذه الرؤية مع معايير INEE للتعليم في حالات الطوارئ، التي تجعل التدريب والتطوير المهني والدعم المستمر للمعلمين معيارًا مستقلًا، وتؤكد أن المعلمين والعاملين في التعليم يحتاجون إلى تدريب منتظم وملائم ومنظم يتناسب مع احتياجاتهم وظروفهم  (INEE, 2024, Standard 14) .

ظروف العمل ليست قضية ثانوية
لا يمكن أن نطالب المعلم بجودة أعلى من دون أن نسأل عن نوعية البيئة التي يعمل فيها. فانتظام الأجر، وعدالة التعويض، ووضوح شروط العمل، وتوفير الموارد التعليمية، وتقليل الأعباء غير التعليمية، وتنظيم ساعات العمل، والحماية من العنف، وتوفير بيئة مدرسية آمنة، كلها ليست امتيازات إضافية؛ بل هي جزء من البنية الأساسية لمهنة محترمة.
وتؤكد معايير INEE لعام 2024 بوضوح أن المعلمين والعاملين في التعليم ينبغي أن تكون لديهم شروط عمل محددة بوضوح وأن يحصلوا على تعويض مناسب، كما تضع الدعم والإشراف ضمن المعايير الأساسية المتعلقة بإدارة ودعم الكوادر التعليمية  (INEE, 2024, Standards 16–17) .
وتكتسب هذه القضية أهمية مضاعفة في المناطق المهمشة والمتأثرة بالأزمات. فالمعلم الذي يعمل في منطقة نائية أو معرضة للتهديدات، أو في مدرسة تستقبل طلبة متأثرين بالنزوح والصدمات، قد يواجه أعباء أكبر بكثير من زميله في بيئة مستقرة.
ومن ثم، فإن العدالة لا تعني دائمًا معاملة الجميع بالطريقة نفسها؛ بل قد تتطلب دعمًا وحوافز إضافية لمن يعملون في الظروف الأصعب.

عندما تتعرض المدارس للتعطيل أو النزوح أو الضرر، يصبح المعلم أحد أهم عناصر استمرارية التعليم. وقد يتحول دوره، بصورة مؤقتة، من التدريس التقليدي إلى إدارة مجموعات تعلم صغيرة، والتواصل مع الأسر، ودعم الطلبة اجتماعيًا ونفسيًا، واستخدام التعلم عن بعد أو الموارد منخفضة التقنية، وتكييف المحتوى، ومتابعة الطلبة الذين تعرضوا للفقد التعليمي.
لذلك لا ينبغي أن تكون سياسات المعلمين في الطوارئ مجرد نسخة مخففة من السياسات العادية. بل ينبغي أن تتضمن ترتيبات واضحة بشأن:

وتوفر معايير INEE لعام 2024 أساسًا مهمًا لذلك، إذ تضع المعلمين والعاملين في التعليم ضمن صلب الاستجابة التعليمية، وتربط بين شروط العمل، والدعم والإشراف، والرفاه، وجودة التعليم في الأزمات  (INEE, 2024) .
وفي الوقت نفسه، ينبغي الحذر من أن تتحول الاستجابات الطارئة المؤقتة إلى بديل دائم عن المهنية. فقد يكون الاستعانة بمعلمين مساعدين أو متطوعين ضروريًا أثناء الأزمة، لكن ينبغي أن يكون الهدف هو تأهيلهم ودمجهم تدريجيًا في مسارات مهنية معترف بها، لا تكريس نموذج دائم من العمالة التعليمية غير المؤهلة.

العناية برفاه المعلم واعتباره جزء من جودة التعليم
لطالما حظي الدعم النفسي والاجتماعي للطلبة باهتمام متزايد في سياقات الأزمات، وهذا أمر ضروري. لكن من الصعب بناء بيئة تعلم آمنة ومستقرة إذا كان المعلم نفسه يعمل تحت ضغط مستمر ومن دون دعم.
فالمعلم في الأزمة لا يعيشها من الخارج؛ إنه جزء من المجتمع المتأثر بها. وقد يتعرض هو نفسه للفقد أو الخوف أو النزوح أو الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وفي الوقت ذاته يُطلب منه أن يوفر للطلبة الإحساس بالأمان والاستقرار.
ولهذا فإن رفاه المعلم ليس قضية منفصلة عن جودة التعليم، بل هو أحد شروط استمراريته وجودته.
وقد أصدرت شبكة INEE في عام 2022 Guidance Note on Teacher Wellbeing in Emergency Settings، وهي إرشادات مخصصة لوضع رفاه المعلم في مركز جهود الاستجابة والتعافي في البيئات المتأثرة بالأزمات والصراعات  (INEE, 2022) .
وينبغي أن يتحول هذا المبدأ إلى إجراءات عملية، منها:

 

نحو عقد  تربوي مهني جديد
إذا أردنا فعلًا رفع شأن المعلم في فلسطين، فإن المطلوب ليس مجموعة أخرى من المشاريع المنفصلة، بل عقد تربوي ومهني جديد يحدد بوضوح ما الذي يقدمه النظام للمعلم، وما الذي يتوقعه منه.
ويمكن أن يقوم هذا العقد على خمسة التزامات مترابطة:
• أولًا: سياسة وطنية واضحة للمعلم تغطي كامل المسار المهني، من الإعداد والتوظيف إلى الترخيص والتطوير والتقييم والترقية.
• ثانيًا: إطار مهني للكفايات والمسارات الوظيفية يجعل التقدم في السلم المهني قائمًا على الكفاءة والنمو والأثر، وليس على الأقدمية وحدها.
• ثالثًا: ظروف عمل تحفظ كرامة المعلم من خلال انتظام الرواتب، وعدالة الحوافز، وتوظيف التكنولوجيا، خاصة الذكاء الاصطناعي، في تقليل الأعباء غير التعليمية، وتوفير الحماية والموارد والدعم.
• رابعًا: نظام تطوير مهني مستمر ينتقل من التدريب الموسمي أو الطارىء إلى التعلم المهني القائم على المدرسة والممارسة داخل الصف والتأمل والتعاون بين المعلمين الزملاء.
• خامسًا: شراكة مجتمعية جديدة تجعل الأسرة والإعلام والجامعة والمجتمع المحلي جزءًا من منظومة دعم المعلم، لا مجرد جهات للحكم عليه، أو انتقاد ممارساته.
وتنسجم هذه الرؤية مع التوجهات التي تطرحها استراتيجية التعليم الفلسطينية 2025–2027، والتي تضع تعزيز كفاءة النظام التعليمي وصموده وقدرته على تقديم تعليم ذي جودة في ظل الظروف الصعبة ضمن أهدافها الأساسية (وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية، 2025).

رفع شأن المعلم في ظل محدودية الموارد
قد يبدو رفع شأن المعلم مشروعًا مكلفًا، خصوصًا في ظل الضغوط المالية التي يواجهها النظام التعليمي الفلسطيني. لكن الإصلاح لا يبدأ بالضرورة من الإجراءات الأكثر كلفة. فبعض التدخلات الأساسية قد تكون ذات أثر كبير، مثل:
• انتظام الرواتب واستدامتها.
• تخفيف الأعمال الورقية والإدارية المتكررة.
• تحسين الدعم الإداري للمعلمين.
• توفير قنوات واضحة للشكاوى والحماية.
• تفعيل مجتمعات التعلم المهنية.
• توسيع التوجيه والزمالة بين المعلمين.
• توفير موارد وأدلة تدريسية عملية.
• إتاحة فرص تقدير مهني غير مالية.
• إشراك المعلمين في اللجان والمبادرات وصنع القرار.
• توفير حوافز مستهدفة للمعلمين العاملين في المناطق الأشد صعوبة.
وقد تكون الحوافز في بعض المناطق مالية، مثل بدل النقل أو السكن، أو غير مالية، مثل الأولوية في التدريب أو فرص القيادة والتطور المهني. والأهم أن يكون الإصلاح تدريجيًا وقابلًا للقياس. ويمكن أن تبدأ المرحلة الأولى بتحسين شروط العمل الأساسية وتخفيف الأعباء، ثم الانتقال إلى بناء مجتمعات التعلم والتوجيه المهني، وبعد ذلك تطوير مسارات الترقية والحوافز والقيادة المهنية.

الطرف الثاني: المجتمع ومسؤوليته كشريك في رفع شأن المعلم
لا تستطيع وزارة التربية والتعليم وحدها أن تعيد للمعلم مكانته الاجتماعية؛ فهذه المكانة تُبنى أيضًا داخل الأسرة، والإعلام، والجامعة، والمجتمع المحلي، ومؤسسات المجتمع المدني.
وهنا نحتاج إلى تغيير الخطاب العام حول المعلم. فبدلًا من أن يظهر المعلم في النقاش العام باعتباره طرفًا في مشكلة التعليم، ينبغي إبراز دوره بوصفه أحد أهم عناصر الحل.
ولا يعني احترام المعلم إعفاءه من المساءلة، كما أن مساءلته لا ينبغي أن تعني الانتقاص من مكانته. المطلوب هو بناء علاقة تقوم على الثقة والمهنية والمساءلة المتوازنة. ويمكن للمجتمع أن يسهم من خلال:

 

 

الطرف الثالث: المعلم نفسه ومسؤوليته كشريك في رفع شأن المهنة
رفع شأن المعلم لا يعني أن الدولة والمجتمع وحدهما مطالبان بالتغيير. فالمهنية حق، لكنها أيضًا مسؤولية.
والمعلم المهني هو الذي ينظر إلى تعلمه وتطوره بوصفهما جزءًا أصيلًا من عمله؛ فيضع أهدافًا للتطور، ويتأمل في ممارسته، ويستفيد من التغذية الراجعة، ويشارك في مجتمعات التعلم، ويوثق أثر عمله، ويجرب ممارسات جديدة بصورة مسؤولة.
كما يستطيع المعلم أن يمارس القيادة من موقعه داخل الصف، حتى من دون أن يكون مديرًا أو مشرفًا. فقد يقود مبادرة لتحسين القراءة، أو يساعد زملاءه في توظيف استراتيجية جديدة، أو يطور موردًا تعليميًا ويشاركه مع المدرسة، أو يقود مجتمع تعلم مهني، أو يوثق تجربة ناجحة ويحولها إلى معرفة قابلة للمشاركة. وهنا ينبغي توسيع مفهوم القيادة التربوية ليشمل القيادة من داخل الصف.
أما فيما بتعلق بالوكالة المهنية للمعلم، أي استقلالية المعلم في اتخاذ قرارات تؤثر في ممارساته وتعليم طلابه، مدعومة بالحرية والدعم اللازمين لاتخاذ اختيارات مستنيرة داخل إطار واضح، فمن أهم مظاهرها:

 

 

 

مؤشرات نجاح سياسة رفع شأن المعلم
حتى لا يبقى رفع شأن المعلم شعارًا عامًا، لا بد من بناء مجموعة محدودة من المؤشرات التي تساعد على معرفة ما إذا كان التغيير يحدث بالفعل.
ومن المؤشرات الممكنة:
• نسبة المعلمين المشاركين سنويًا في تطوير مهني مرتبط بالممارسة.
• انتظام دفع رواتب المعلمين في مواعيدها الشهرية.
• نسبة المعلمين الذين لديهم خطط تطوير مهني فردية.
• نسبة الترقيات المستندة إلى معايير مهنية وأدلة أداء وتطوير.
• مستوى رضا المعلمين عن ظروف العمل والدعم المهني.
• نسبة المدارس التي تعمل فيها مجتمعات تعلم مهنية بصورة منتظمة.
• عدد المبادرات التعليمية التي يقودها المعلمون.
• معدلات الاحتفاظ بالمعلمين، خاصة في المناطق ذات الظروف الصعبة.
• مؤشرات رفاه المعلمين والدعم النفسي والاجتماعي.
• مستوى مشاركة المعلمين في تطوير السياسات والمناهج والتقويم.
• مدى استخدام نتائج التقويم المهني في التطوير، وليس في العقوبة فقط.
لكن الأهم من كثرة المؤشرات هو استخدامها لتحسين السياسات والممارسات، لا لإضافة عبء إداري جديد على المعلمين.

رفع شأن المعلم استثمار في صمود النظام التعليمي وجودة التعليم
في النهاية، لا ينبغي النظر إلى قضية رفع شأن المعلم باعتبارها قضية تخص المعلمين وحدهم؛ إنها قضية تخص مستقبل التعليم الفلسطيني كله. فالمعلم الذي يشعر بأن مهنته محترمة، وأن صوته مسموع، وأن جهده مقدر، وأن لديه فرصة للنمو، وأن ظروف عمله تحفظ كرامته، يكون أكثر قدرة على بناء علاقة إيجابية مع طلبته، وعلى التعلم والتجديد، وعلى مواجهة الأزمات، وعلى قيادة التحول داخل المدرسة. وفي المقابل، فإن أي إصلاح يطالب المعلم بمزيد من المسؤوليات من دون أن يوفر له الأجر المنتظم والعادل، والوقت، والثقة، والدعم، والحماية، والمسار المهني الواضح، سيظل معرضًا للفجوة نفسها بين ما تقوله السياسات وما يحدث في الصف.

لذلك، ينبغي ألا يكون رفع شأن المعلم في فلسطين بندًا فرعيًا في استراتيجية التعليم، بل مبدأً منظمًا للإصلاح التربوي كله.
المطلوب في المرحلة المقبلة ليس فقط أن نقول للمعلم إننا نقدر دوره، وإنما أن نبني نظامًا تعليميًا يترجم هذا التقدير إلى سياسات وحقوق وفرص وظروف عمل وثقة ومساحة للمهنية والقيادة. فإذا كان الطالب هو محور العملية التعليمية، فإن المعلم هو أحد أهم الشروط التي تجعل هذا المحور ممكنًا. ومن هنا، فإن الاستثمار في المعلم ليس إنفاقًا على فئة مهنية؛ بل هو استثمار مباشر في جودة التعليم، وفي صمود النظام التعليمي، وفي مستقبل الأجيال الفلسطينية.

المراجع
• International Labour Organization (ILO) & UNESCO. (1966). ILO/UNESCO Recommendation concerning the Status of Teachers. Adopted on 5 October 1966, Paris.
• Inter-agency Network for Education in Emergencies (INEE). (2022). Guidance Note on Teacher Wellbeing in Emergency Settings.
• Inter-agency Network for Education in Emergencies (INEE). (2024). INEE Minimum Standards for Education: Preparedness, Response, Recovery, 2024 Edition.
• UNESCO & International Task Force on Teachers for Education 2030. (2024). Global Report on Teachers: Addressing Teacher Shortages and Transforming the Profession. Paris: UNESCO. DOI: 10.18356/9789231006555.
•
• وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية. (2008).  استراتيجية إعداد وتأهيل المعلمين في فلسطين. رام الله: وزارة التربية والتعليم العالي.
• وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية. (2025). Education Strategy 2025–27.  رام الله: وزارة التربية والتعليم العالي.
• وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية. (د.ت.). هيئة تطوير مهنة التعليم: طبيعة عمل الإدارة ومجالاتها. رام الله: وزارة التربية والتعليم العالي.

 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير