بسام زكارنة يكتب لوطن: الهند وفلسطين… من غاندي وعرفات إلى شراكة المستقبل

حين نتحدث عن الهند وفلسطين لا ينبغي أن نبدأ من السنوات الأخيرة ولا من تنامي العلاقات الهندية الإسرائيلية وكأن العلاقة بين الهند وفلسطين بدأت وانتهت بميزان المصالح الآنية فهذه العلاقة أعمق بكثير وقد تشكلت في زمن كانت فيه الهند تخوض معركة التحرر من الاستعمار بينما كان الشعب الفلسطيني يخوض معركته من أجل الحرية والاستقلال وتقرير المصير ولذلك لم يكن تضامن الهند مع فلسطين مجرد موقف دبلوماسي عابر وإنما ارتبط منذ البداية بفلسفة الحركة الوطنية الهندية وقيمها في مقاومة الاستعمار والتمسك بالحرية والعدالة وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
أن تضامن الهند مع الشعب الفلسطيني تأثر بتجربة حركة التحرر الهندية بقيادة المهاتما غاندي ثم ترسخ في السياسة الخارجية الهندية في عهد جواهر نهرو ولهذا فإن استحضار غاندي في الحديث عن العلاقات الفلسطينية الهندية ليس استحضاراً لشخصية تاريخية فحسب بل تذكير بجذور فكرية وأخلاقية مشتركة فقد أصبح غاندي رمزاً عالمياً للحرية والعدالة ومقاومة الاستعمار وهي قيم وجد الفلسطينيون فيها تعبيراً عن تطلعاتهم إلى إنهاء الاحتلال وتحقيق حقهم في الحرية والاستقلال.
ومع استقلال الهند حمل نهرو هذه الرؤية إلى السياسة الخارجية فلم تنظر الهند إلى فلسطين باعتبارها قضية عربية فقط وإنما باعتبارها قضية ترتبط بمبدأ أوسع هو حق الشعوب في تقرير مصيرها ومن هنا نفهم المواقف الهندية التاريخية تجاه القضية الفلسطينية فقد كانت الهند عام 1974 أول دولة غير عربية تعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني وكانت عام 1988 من أوائل الدول التي اعترفت بدولة فلسطين.
وفي قلب هذه العلاقة التاريخية كان ياسر عرفات الذي لم يكن في الهند مجرد رئيس فلسطيني يزور دولة صديقة بل شخصية ارتبطت بصورة فلسطين في الذاكرة السياسية الهندية وبالعلاقة الخاصة بين الهند ومنظمة التحرير الفلسطينية وقد أدرك عرفات مبكراً أهمية الهند ومكانتها وحرص على إبقاء العلاقة معها في أعلى مستوياتها انطلاقاً من إدراكه أن الهند كانت دولة كبرى تنظر إلى القضية الفلسطينية من منظور التحرر الوطني وحق الشعوب في تقرير مصيرها وليس من منظور المصالح السياسية العابرة فقط.
ولم تنته هذه العلاقة برحيل الرمز ابو عمار فعندما زار رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي رام الله عام 2018 في أول زيارة لرئيس وزراء هندي إلى فلسطين حرص على زيارة ضريح ياسر عرفات في إشارة حملت دلالة سياسية وإنسانية على عمق الذاكرة المشتركة بين الشعبين كما أكدت الهند في تلك المرحلة استمرار دعمها للشعب الفلسطيني ولتنمية مؤسساته وهو ما يدل على أن العلاقة التاريخية لم تختف حتى وإن تغيرت البيئة الإقليمية والدولية من حولها.
لكن العلاقة الفلسطينية الهندية لم تكن يوماً علاقة حكومات وسفارات فقط وهذه ربما إحدى أهم النقاط التي ينبغي أن نستعيدها اليوم فعلى مدى عقود التحق عدد كبير من الفلسطينيين في الجامعات والمعاهد الهندية وعاشوا سنوات من حياتهم في المدن الهندية وعادوا إلى فلسطين وهم يحملون معهم معرفة باللغة والثقافة والمجتمع الهندي إلى جانب ذكريات وتجارب شخصية لا تستطيع الاتفاقيات الرسمية وحدها أن تصنعها بل إن عدداً من هؤلاء الطلاب تزوجوا من هنديات وتكونت أسر فلسطينية هندية امتدت جذورها بين البلدين ولا يزال أبناؤها يعيشون في الهند أو فلسطين ويحملون في ذاكرتهم وانتمائهم صلة مباشرة بالمجتمعين.
هذه التجربة الإنسانية تمثل ثروة دبلوماسية حقيقية لم نستثمرها بما يكفي فخريجو الجامعات الهندية الفلسطينيون والأسر الفلسطينية الهندية والطلاب الذين عاشوا في الهند وأصدقاؤهم الذين تعرفوا إلى فلسطين من خلالهم يمكن أن يشكلوا جسوراً طبيعية ومستدامة بين الشعبين ويمكن للدبلوماسية الفلسطينية والجامعات ومؤسسات المجتمع المدني أن تعيد التواصل مع هذه الشريحة وتنظمها ضمن إطار أوسع للتبادل الثقافي والأكاديمي والاقتصادي بما يحول العلاقات الشخصية المتراكمة على مدى عقود إلى قوة ناعمة تساهم في إعادة بناء العلاقة الفلسطينية الهندية.
فالعلاقات بين الدول لا تُبنى في السفارات وحدها وإنما تُبنى أيضاً في الجامعات والبيوت ومراكز البحث والأسواق وبين الناس وقد تكون علاقة طالب فلسطيني بجامعة هندية أو أسرة فلسطينية هندية أو صداقة نشأت قبل عقود بين فلسطيني وهندي أكثر قدرة على الاستمرار والتأثير من كثير من العلاقات الرسمية التي تتغير بتغير الحكومات.
ومن هنا نصل إلى السؤال الأكثر أهمية: ماذا حدث خلال العقود الماضية؟ من المؤكد أن الهند تغيرت كما تغير العالم من حولها فالهند اليوم قوة اقتصادية وتكنولوجية وسياسية كبرى ولها مصالح استراتيجية واسعة وقد تطورت علاقاتها مع إسرائيل بصورة كبيرة منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية الكاملة بين البلدين عام 1992 وأصبحت هذه العلاقات تشمل مجالات التكنولوجيا والدفاع والزراعة والمياه والأمن وغيرها وتطورت بصورة خاصة خلال السنوات الأخيرة.
لكن قراءة هذا التطور باعتباره دليلاً على أن الهند تخلت عن فلسطين ستكون قراءة ناقصة فالهند ما زالت تؤكد رسمياً دعمها لقيام دولة فلسطينية مستقلة وواصلت تقديم المساعدات التنموية والإنسانية لفلسطين كما حافظت على علاقاتها السياسية مع القيادة الفلسطينية وبالتالي فإن المسألة ليست ببساطة أن الهند ابتعدت عن فلسطين وإنما أن طبيعة السياسة الهندية ومصالحها الدولية تغيرت وأن على الدبلوماسية الفلسطينية أن تسأل نفسها بجدية عما إذا كانت قد واكبت هذه التحولات بالقدر الكافي.
وهنا تبرز مسؤولية فلسطينية حقيقية ليس من باب جلد الذات وإنما من باب مراجعة الأدوات والأساليب فالهند التي تعامل معها عرفات ونهرو وقيادات الحركة الوطنية الفلسطينية في القرن الماضي ليست هي الهند نفسها اليوم لقد أصبحت دولة رائدة في التكنولوجيا والاقتصاد والذكاء الاصطناعي والصناعة والبحث العلمي ولديها جامعات ومراكز أبحاث وشركات وشباب وقطاع خاص يشكلون جميعاً مكونات مهمة في سياستها الخارجية وفي صورتها عن العالم.
لذلك لا يكفي أن نتذكر المواقف التاريخية للهند تجاه فلسطين بل يجب أن نبني عليها ونقدم لها مضموناً جديداً نحن بحاجة إلى استراتيجية فلسطينية متكاملة تجاه الهند تقوم على تعزيز الزيارات السياسية والبرلمانية وتوسيع التبادل الجامعي والثقافي وبناء شراكات في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والصحة والزراعة والمياه والطاقة والتعليم وتشجيع الاستثمار الهندي في فلسطين وفتح المجال أمام الشركات والمؤسسات الهندية للمساهمة في بناء الاقتصاد والمؤسسات الفلسطينية.
كما أن علينا أن نعيد تفعيل الدبلوماسية الشعبية بصورة منهجية وأن نستفيد من آلاف الفلسطينيين الذين درسوا في الهند ومن خريجي الجامعات الهندية ومن الأسر الفلسطينية الهندية ومن شبكة الأصدقاء والعلاقات التي تكونت بين الشعبين على مدى عقود فهؤلاء يستطيعون أن يكونوا جزءاً من مشروع إعادة بناء الجسور وأن يساهموا في تعريف الجيل الهندي الجديد بفلسطين وفي الوقت نفسه تعريف الفلسطينيين بالهند الجديدة.
ولا ينبغي أن تقوم هذه الرؤية على مطالبة الهند بالاختيار بين فلسطين وإسرائيل فهذا ليس منطق العلاقات الدولية ولا يعكس طبيعة المصالح الهندية المطلوب هو أن نحافظ على حضور فلسطين في السياسة والوعي الهندي وأن نذكّر بأن القيم التي قامت عليها حركة التحرر الهندية وفي مقدمتها العدالة والحرية وحق الشعوب في تقرير مصيرها لا تزال تمثل أساساً مهماً يمكن أن يجمع الشعبين.
إن قوة العلاقة الفلسطينية الهندية لا تكمن فقط في الماضي وإنما في إمكانية تحويل هذا الماضي إلى مستقبل مشترك فمن غاندي ونهرو إلى عرفات والقيادات الفلسطينية التي بنت جسور العلاقة مع الهند إلى آلاف الطلاب الفلسطينيين الذين درسوا في جامعاتها ومنهم من تزوج هنديات وأسس عائلات لا تزال جذورها ممتدة بين فلسطين والهند هناك تاريخ سياسي وإنساني غني يشكل أساساً يمكن البناء عليه.
لقد وقفت الهند إلى جانب فلسطين في مرحلة كانت فيها القضية الفلسطينية تبحث عن الاعتراف والدعم في العالم واليوم تحتاج فلسطين إلى أن تنظر إلى الهند باعتبارها أكثر من صديق تاريخي تحتاج إليها كشريك محتمل في التعليم والتنمية والتكنولوجيا والاقتصاد وبناء المؤسسات وفي المقابل تحتاج الهند إلى أن ترى في فلسطين شريكاً حقيقياً في منطقة ذات أهمية استراتيجية لها لا مجرد قضية تُناقش في المحافل الدولية.
إن الصداقة التاريخية لا تعني أن نبقى أسرى للماضي وإنما أن نستخدم هذا التاريخ لبناء المستقبل ولذلك فإن المطلوب ليس استعادة العلاقة الفلسطينية الهندية كما كانت في عهد عرفات وإنما إعادة صياغتها بما يناسب الهند الجديدة وفلسطين التي نريد بناءها.
من غاندي إلى نهرو ومن نهرو إلى عرفات ومن عرفات إلى آلاف الفلسطينيين الذين عاشوا ودرسوا في الهند وبنوا فيها صداقات وعائلات تمتد خيوط علاقة تاريخية وإنسانية لا ينبغي أن نسمح لها بأن تضعف.
إن الهند ليست مجرد صديق تاريخي لفلسطين وإذا أحسنا قراءة التحولات واستثمرنا ما بيننا من تاريخ وقيم وروابط إنسانية فإنها تستطيع أن تكون شريكاً مهماً في مستقبل فلسطين.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


