إسلام أبو عرة يكتب لوطن: الانتخابات التشريعية الفلسطينية: عودة السياسة واختبار الأسماء الجديدة

مع اقتراب موعد الاقتراع، تتشكل خريطة انتخابية جديدة تجمع قوى سياسية تقليدية وائتلافات ناشئة وشخصيات من خارج المشهد الحزبي... وبينما يبقى احتمال تأجيل الانتخابات حاضرًا في النقاش، يبرز سؤال آخر: هل يفتح هذا الاستحقاق الباب أمام وجوه جديدة وخبرات مختلفة؟
بعد 20 سنة من غياب المجلس التشريعي عن الحياة السياسية الفلسطينية، تبدو الانتخابات المقررة في 28 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل وكأنها تعيد فتح واحدة من أكثر المساحات السياسية حساسية في النظام الفلسطيني: من يمثل الفلسطينيين داخل المؤسسة التشريعية، وما الذي يمكن أن يفعله هذا المجلس في مرحلة استثنائية بكل المقاييس؟
منذ فتح باب الترشح في 26 سبتمبر، بدأت ملامح المنافسة تتشكل تدريجيًا، وأعلنت لجنة الانتخابات المركزية استقبال طلبات عدد من القوائم، فيما تقرر تمديد فترة الترشح حتى 13 أكتوبر، مع بقاء موعد الاقتراع المعلن في 28 نوفمبر قائمًا حتى الآن.
وبحسب ما أعلنته اللجنة، تقدمت حتى الآن قوائم ائتلاف فلسطين المستقبل، والعدالة والبناء، والوحدة والتغيير الديمقراطي، والمبادرة الوطنية، ومسار جديد، والعمل، والفينيق بطلبات ترشح، على أن تخضع الطلبات للمراجعة والتدقيق قبل اعتماد القوائم بصورة نهائية.
لكن الأسماء والعناوين الانتخابية لا تعكس وحدها طبيعة المشهد.
فالقوى السياسية الفلسطينية تدخل هذه الانتخابات وهي تحمل معها إرثًا طويلًا من الانقسام والتجاذب، فيما تظهر إلى جانبها محاولات لتشكيل قوائم وائتلافات تتجاوز الاصطفافات التقليدية، وتفتح المجال أمام شخصيات مستقلة أو ذات خلفيات مهنية واقتصادية ومجتمعية.
وهنا تحديدًا تكمن إحدى أكثر النقاط إثارة للاهتمام في الانتخابات المقبلة.
مشهد سياسي لم يكتمل بعد
يصعب قراءة الانتخابات المقبلة بمعزل عن الواقع الذي تجري فيه.
الحرب في غزة وما خلفته من خسائر بشرية ودمار واسع، والوضع الأمني والسياسي في الضفة الغربية، وتعقيدات القدس، ومستقبل قطاع غزة، إلى جانب الانقسام الفلسطيني، كلها عوامل تجعل من تنظيم انتخابات متزامنة وشاملة تحديًا يتجاوز الجانب الإجرائي.
ولهذا، ظل احتمال تأجيل الانتخابات حاضرًا في النقاش السياسي والإعلامي.
لكن حتى هذه اللحظة، لا يوجد إعلان رسمي عن تأجيل الاقتراع، فيما تواصل لجنة الانتخابات تنفيذ الجدول المعلن، وتتعامل مع الاستحقاق باعتباره قائمًا في موعده المحدد.
وهذا يضع المشهد أمام احتمالين مفتوحين: استمرار المسار الانتخابي وصولًا إلى صناديق الاقتراع، أو حدوث تطورات سياسية أو ميدانية قد تعيد النظر في الموعد.
وفي الحالتين، فإن مجرد عودة الحديث الجدي عن المجلس التشريعي تعني أن النقاش الفلسطيني انتقل من سؤال غياب المؤسسة إلى سؤال أكثر تعقيدًا: أي مؤسسة تشريعية نريد، ومن نريد أن يشكلها؟
من الأحزاب إلى الخبرات
ربما يكون التغيير الأهم في المشهد الانتخابي المرتقب ليس في عدد القوائم، وإنما في طبيعة بعض الأسماء التي يمكن أن تدخل المنافسة.
فإلى جانب الشخصيات الحزبية المعروفة، يبرز اتجاه نحو استقطاب أصحاب الخبرة في الاقتصاد والإدارة والتعليم والمجتمع المدني، في محاولة لتوسيع قاعدة التمثيل السياسي.
وهذا الاتجاه ليس فلسطينيًا بحتًا.. ففي العديد من التجارب الديمقراطية، دخل رجال أعمال وأكاديميون ومهنيون إلى المؤسسات التشريعية بعدما راكموا خبرات طويلة خارج السياسة، لكن انتقالهم إلى العمل العام ظل دائمًا موضع اختبار: هل تكفي الخبرة المهنية لإدارة الشأن العام؟
في الحالة الفلسطينية، تبدو المسألة أكثر حساسية.
فالمجلس التشريعي المقبل، في حال انعقاده، سيجد أمامه اقتصادًا منهكًا، وبطالة مرتفعة، واحتياجات ضخمة لإعادة الإعمار، وضغوطًا مالية، وتحديات أمام القطاع الخاص، فضلًا عن ملفات التعليم والصحة والشباب والتحول الرقمي والاستثمار.
وفي مثل هذه البيئة، تصبح الخبرة الاقتصادية والإدارية عنصرًا مهمًا، لكنها لا تكفي وحدها.
فالعمل التشريعي لا يقوم فقط على القدرة على إدارة المؤسسات أو إطلاق المشاريع، وإنما يتطلب أيضًا القدرة على صياغة القوانين، ومراقبة الحكومة، وتمثيل مصالح قطاعات اجتماعية مختلفة، والعمل داخل مؤسسة تقوم على التعدد والمساءلة.
بشار مصري.. حالة مختلفة في المشهد
من بين الأسماء التي يبرز احتمال حضورها في النقاش الانتخابي بشار مصري، رجل الأعمال الذي ارتبط اسمه خلال العقود الثلاثة الماضية بالاستثمار وتطوير المشاريع وبناء المؤسسات داخل فلسطين.
المصري لا يأتي إلى المجال العام من خلفية سياسية تقليدية... تجربته الأساسية تشكلت في عالم الأعمال، حيث ارتبط اسمه بمجموعة مسار وباستثمارات في قطاعات متعددة، قبل أن يتحول مشروع روابي إلى التجربة الأكثر وضوحًا في مسيرته.
روابي لم تكن مجرد مشروع عقاري كبير، فإنشاء مدينة فلسطينية جديدة من الصفر كان مشروعًا اقتصاديًا وعمرانيًا واجتماعيًا في آن واحد؛ من التخطيط والبنية التحتية إلى استقطاب الشركات والسكان والمؤسسات التعليمية والخدمية.
ولهذا حظيت التجربة باهتمام خارج فلسطين أيضًا. فتناولت مجلة «Fortune» مشروع روابي وتجربة المصري، كما قدم برنامج «60 Minutes» على شبكة CBS تقريرًا عن المدينة، واضعًا التجربة في سياق أوسع يتعلق ببناء مدينة فلسطينية حديثة في بيئة سياسية واقتصادية شديدة التعقيد.
وهذه النقطة تحديدًا تجعل احتمال دخول المصري إلى الانتخابات مختلفًا عن دخول رجل أعمال آخر إلى السياسة.
فهو لا يقدم فقط سيرة رجل أعمال يدير شركات، وإنما يحمل معه تجربة في تنفيذ مشروع طويل الأجل داخل فلسطين، في بيئة يعرف المستثمرون جيدًا صعوبة العمل فيها.
السؤال، في هذه الحالة، لا يصبح فقط: هل يستطيع رجل الأعمال أن يصبح مشرّعًا؟
بل: هل يمكن تحويل الخبرة التي راكمها في بناء المشاريع والمؤسسات إلى رؤية للسياسات العامة؟
ما الذي يمكن أن تضيفه هذه الخبرة؟
قد تكون هذه هي النقطة الأكثر أهمية في تقييم أي شخصية اقتصادية تدخل الحياة العامة.
فالنجاح في الأعمال لا يعني تلقائيًا النجاح في السياسة، كما أن إدارة شركة ليست شبيهة بإدارة دولة أو مؤسسة تشريعية.
لكن الخبرة العملية يمكن أن تكون ذات قيمة كبيرة عندما تتصل بملفات مثل الاستثمار، وتسهيل الأعمال، وخلق فرص العمل، والشراكة بين القطاعين العام والخاص، والتحول الرقمي، ودعم الشركات الناشئة، وإعادة الإعمار.
وفي الحالة الفلسطينية تحديدًا، حيث تتداخل السياسة مع الاقتصاد بصورة تكاد تكون يومية، يصعب الفصل الكامل بين السؤالين.
الاقتصاد الفلسطيني لا يعمل في فراغ، فهو يتأثر بالقيود السياسية والحركة والتجارة والموارد والتحويلات والعمالة والعلاقة مع الاقتصاد الإسرائيلي والمساعدات الدولية.
وهذا يجعل أصحاب الخبرة الاقتصادية قادرين، على الأقل من الناحية العملية، على تقديم زاوية مختلفة للنقاش العام.
لكن دخولهم إلى المجلس التشريعي يضعهم في الوقت نفسه أمام مسؤولية أخرى: إثبات أن هذه الخبرة يمكن أن تتحول من معرفة خاصة إلى سياسات عامة، وأن المصالح التجارية السابقة لا تتحول إلى تضارب مع المصلحة العامة.
الاختبار الحقيقي يبدأ بعد الانتخابات
لهذا، فإن الانتخابات المقبلة لا ينبغي أن تُقرأ فقط من زاوية أسماء القوائم أو فرص هذا الحزب أو ذاك.
الاختبار الحقيقي سيبدأ بعد ظهور النتائج، إذا عاد المجلس التشريعي بالفعل، فسيواجه مجموعة من أكثر الملفات صعوبة في التاريخ الفلسطيني الحديث: إعادة إعمار غزة، الاقتصاد وفرص العمل، المالية العامة، الاستثمار، التعليم، الشباب، العلاقة بين القطاعين العام والخاص، والإصلاح المؤسسي.
وفي هذه الملفات، لن يكون السؤال عن الخلفية السياسية وحدها.
سيكون السؤال أيضًا عن الكفاءة.
هل يستطيع النائب أن يقرأ موازنة الدولة؟ هل يفهم أثر التشريع على القطاع الخاص؟ هل يستطيع مساءلة الحكومة بالأرقام؟ هل يعرف كيف يوازن بين جذب الاستثمار وحماية المصلحة العامة؟ وهل يستطيع العمل مع خصومه السياسيين عندما تتطلب المصلحة العامة ذلك؟
هذه الأسئلة قد تكون أكثر أهمية من الشعارات الانتخابية نفسها.
انتخابات تبحث عن شكل جديد للتمثيل
ربما لهذا السبب تحمل الانتخابات المقبلة أهمية تتجاوز موعد الاقتراع.
فهي، في حال إجرائها، ستكون اختبارًا ليس فقط للقوى السياسية، وإنما أيضًا لرغبة المجتمع الفلسطيني في رؤية وجوه وخبرات جديدة داخل مؤسسات صنع القرار.
وإذا دخلت شخصيات اقتصادية ومهنية مستقلة إلى السباق، فإن حضورها لن يعني بالضرورة تراجع الأحزاب، لكنه قد يعيد تعريف معنى التمثيل السياسي نفسه.
بشار مصري يمثل، في هذا السياق، حالة تستحق المتابعة لا باعتباره رجل أعمال فحسب، وإنما باعتباره مثالًا على سؤال أكبر يطرح نفسه في المجتمع الفلسطيني: هل حان الوقت لتوسيع دائرة من يشاركون في صناعة القرار لتشمل أصحاب الخبرة المتراكمة في الاقتصاد والإدارة والمجتمع، إلى جانب السياسيين التقليديين؟
الإجابة لن تأتي من السيرة الذاتية لأي مرشح، ولا من حجم المشاريع التي أنجزها، ولا من الحملات الانتخابية.
ستأتي من قدرته على تقديم ما هو أبعد من ذلك: رؤية قابلة للنقاش، ومواقف واضحة، وقدرة على تحويل الخبرة إلى تشريع، والمشروع إلى سياسة، والنجاح الفردي إلى منفعة عامة.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم في انتخابات 2026 هو فقط من سيفوز؟
بل ربما يكون السؤال الأهم:
أي نوع من الأشخاص نريد أن نراه داخل المجلس التشريعي عندما يبدأ الفلسطينيون مرحلة جديدة بكل ما تحمله من أعباء وفرص؟
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


