المهندس منير سعد يكتب لوطن: من خربة الطيرة إلى رام الله... شهادة الأرض

تتميز محافظة رام الله والبيرة بموقعها الجغرافي وتنوعها الطبيعي والتاريخي والثقافي، وتحتضن بين تلالها ووديانها وحقولها وبلداتها طبقات متراكمة من تاريخ فلسطين. ففي مدنها وقراها تتجاور المواقع الأثرية والأماكن الدينية والبيوت الحجرية والمدرجات الزراعية والينابيع، لتروي مجتمعةً حكاية الإنسان الذي عاش على هذه الأرض، وبنى فيها وترك آثار إيمانه وحياته وثقافته عبر الأجيال.
وفي قلب هذا المشهد تبرز خربة الطيرة، الواقعة إلى الغرب من رام الله، بوصفها موقعًا أثريًا غنيًا تعاقبت عليه فترات تاريخية متعددة. وقد كشفت التنقيبات عن مجمع بيزنطي يضم كنيسة ومنشآت مرتبطة بها، كما عُثر على نقش يوناني ارتبط بذكر القديس إسطفانوس، أول شهداء المسيحية. وتشير دراسات أثرية وتاريخية إلى احتمال ارتباط الموقع بقبره قبل نقل رفاته إلى القدس في القرن الخامس.
ويبرز الشهيد إسطفانوس، رئيس الشمامسة وأول شهداء المسيحية، بوصفه أحد أبرز رموز الإيمان في الكنيسة الأولى. يروي كتاب أعمال الرسل قصته، فتصفه رجلًا مملوءًا بالإيمان والنعمة، وقف شاهدًا للحق، ثم واجه الموت بالحجارة دون أن يتخلى عن إيمانه. وفي لحظاته الأخيرة، لم تكن كلماته تعبيرًا عن الانتقام، بل عن الغفران؛ إذ صلى من أجل الذين كانوا يرجمونه. ولهذا بقي إسطفانوس رمزًا للشهادة التي تجمع بين الثبات والمحبة، وبين الدفاع عن الإيمان ورفض الكراهية.
وما يلفت النظر في خربة الطيرة ليس الجانب الديني وحده، بل التداخل بين الإيمان والطبيعة. فالأرضيات الفسيفسائية والزخارف والعناصر المعمارية التي كشفت عنها التنقيبات تحمل صورًا من عالم الطبيعة، بما يجعل الحجر والفسيفساء والنبات والطير جزءًا من لغة فنية وروحية واحدة. وهنا تبدو الطبيعة ليست خلفية للتاريخ، بل جزءًا من الذاكرة التي تركها الإنسان في المكان.
تُعدّ رام الله مدينةً متوسطة الحجم، لكنها تتجاوز حجمها الجغرافي بحضورها الاقتصادي والاجتماعي والإداري؛ فهي مركز مهم للمؤسسات الحكومية والقطاع الخاص والمنظمات الأهلية والدولية، كما تحتضن نشاطًا تجاريًا وخدماتيًا وتعليميًا وثقافيًا متنوعًا. وقد منحها موقعها وتطورها العمراني وتراكم خبرتها المؤسسية دورًا محوريًا في الحياة الفلسطينية المعاصرة، لتغدو في هذا المعنى أيقونةً من أيقونات فلسطين المعاصرة، بما اكتسبته من دور ريادي ومكانة إدارية وثقافية واقتصادية، وبما تختزنه في الوقت نفسه من ذاكرة الأرض وإرث الروح.
ويرتبط تأسيس رام الله الحديثة في منتصف القرن السادس عشر براشد الحدادين، ثم واصل أبناؤه وأحفاده، إلى جانب عائلات متعاقبة استقرت فيها، مسيرة إعمارها وتوسيعها، حتى تحولت من بلدة صغيرة إلى مركز حضري وثقافي واقتصادي. وكان المسيحيون جزءًا أصيلًا من هذا النسيج، وأسهموا، إلى جانب سائر مكونات المجتمع، في بناء الحياة المدنية وتطوير التعليم والعمل الأهلي والتجارة والخدمات.
يمتد الإرث المسيحي إلى قرى وبلدات عديدة في محافظة رام الله والبيرة. ففي عابود، تحفظ كنيسة رقاد السيدة العذراء مراحل تاريخية تمتد إلى العصر البيزنطي، كما ترتبط القرية بموقع القديسة بربارة وبقايا كنيسة بيزنطية تعود إلى القرن السادس، إلى جانب كهوف ومقابر وآثار رومانية.
وفي الطيبة، وبيرزيت، وجفنا، وعين عريك وغيرهم، تتجاور البيوت الحجرية والكنائس والآثار مع الحقول وأشجار الزيتون ، لتشكل طبقات متراكمة من الذاكرة المحلية.
ومن اللافت في محيط رام الله كثرة القرى والبلدات التي تحمل اسم "دير"، ومنها دير غسانة، ودير أبو مشعل، ودير السودان، ودير جرير، ودير دبوان، ودير عمار، ودير قديس، ودير إبزيع، ودير نظام. ويعكس انتشار هذه التسمية عمق الحضور
المسيحي في جغرافية المنطقة، ويستحضر إرثًا رهبانيًا عريقًا ازدهرت خلاله الحياة الدينية والمؤسسات الرهبانية في أجزاء واسعة من فلسطين، تاركًا آثاره في أسماء الأمكنة وذاكرتها التاريخية.
وتحتضن مدينة رام الله عددا من الكنائس التاريخية التي تنتمي إلى طوائف وتقاليد كنسية متعددة. وتأتي في مقدمتها كنيسة التجلي للروم الأرثوذكس، إلى جانب كنيسة العائلة المقدسة للاتين، وكنيسة البشارة للروم الملكيين الكاثوليك، وكنيسة القديس أندراوس الأنجليكانية، ثم كنيسة الرجاء اللوثرية. وتشكل هذه الكنائس، بتنوعها، جزءًا من المشهد الديني والتاريخي والثقافي الذي تميزت به رام الله عبر الأجيال.
ولم يقتصر الحضور المسيحي في رام الله على العبادة، بل امتد إلى التعليم والعمل الأهلي والخدمة الاجتماعية والصحية، وأسهمت الكنائس والمدارس والجمعيات في تشكيل الحياة الثقافية والاجتماعية للمدينة. وكان للكويكرز حضور تعليمي مبكر وبارز، ولا سيما في مجال تعليم البنات، إلى جانب إسهامات المؤسسات الكنسية الأرثوذكسية والكاثوليكية والأنجليكانية واللوثرية في التعليم والخدمة المجتمعية، مما أسهم في ترسيخ الحياة الثقافية والمدنية في رام الله.
وفي محيط رام الله، برزت تجربة بيرزيت التعليمية؛ ففي عام 1924 أسست السيدة نبيهة ناصر مدرسة للبنات، ثم تطورت المؤسسة عبر مراحل متتابعة إلى كلية، وصولًا إلى جامعة بيرزيت، التي أصبحت واحدة من أبرز مؤسسات التعليم العالي الفلسطينية. وتجسد هذه التجربة جانبًا من إسهام أبناء المجتمع المسيحي ومؤسساته في بناء صروح العلم والتعليم وخدمة المجتمع في الوطن.
وفي هذا الإطار الأوسع، كان المسيحيون في فلسطين، وفي رام الله ومحيطها خصوصًا، عبر الأزمنة عنوانًا للحضارة والثقافة والعلم والإبداع، وجسرًا للتواصل والانفتاح. وما زالوا حضورًا فاعلًا في نهضة المجتمع، يحملون قيم العمل والمحبة والعطاء، ويسهمون في بناء الإنسان وصون النسيج الحضاري والثقافي الفلسطيني.
غير أن هذا الإرث العريق يواجه اليوم تحديات وجودية، في ظل تراجع أعداد المسيحيين واستمرار الهجرة بسبب الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية الصعبة. ومن هنا أصبحت المحافظة على الحضور المسيحي مسؤولية تتجاوز حماية الكنائس والتراث إلى صون الإنسان وتمكينه من البقاء والمشاركة في بناء مستقبل الوطن.
ورام الله اليوم، بما لها من حضور إداري واقتصادي وتعليمي وثقافي، تقف أمام مسؤولية الحفاظ على إرثٍ يتجاوز الحجر إلى الإنسان والأرض والذاكرة. فالتنمية الحقيقية لا تمحو ملامح المكان، والحفاظ على التراث لا يعني تجميد الحياة، بل أن يمضي العمران إلى المستقبل دون أن يفقد صلته بجذوره، وأن يتكامل النشاط الاقتصادي مع صون البيئة، وتبقى المواقع الأثرية والدينية والبيوت القديمة والحقول جزءًا حيًا من هوية المدينة وذاكرتها.
وحين نتأمل خربة الطيرة، أو نمشي في أزقة عابود، أو نقف أمام كنيسة قديمة في الطيبة أو رام الله، فإننا لا نرى حجارة صامتة، بل طبقات من الإيمان والعمل والحياة؛ نرى أثر الإنسان في الأرض، وأثر الأرض في الإنسان.
لقد بقي إسطفانوس شاهدًا على الإيمان حتى النهاية، وبقيت حجارة الكنائس والمدارس والبيوت القديمة شاهدة على أجيال جاءت بعده. وبين الشهادة والحجر تتشكل حكاية واحدة: أن الحضور الحقيقي لا يُقاس فقط بما نتركه من مبانٍ، بل بما نحافظ عليه من قيم، وما نصونه من ذاكرة، وما نتركه للأجيال من أرض حية.
ورام الله، بتاريخها وإيمانها وثقافتها وتنوعها وحياتها المدنية، تظل صورةً تتعانق فيها الذاكرة مع الحاضر، والإيمان مع الإنسان، والحجر مع الطبيعة. وهي اليوم بحاجة إلى أبنائها جميعًا؛ إلى من يبقى فيها، ومن يشارك في بنائها، ومن يحافظ على نسيجها الاجتماعي وتراثها، لتظل مدينةً نابضةً بالحياة والانتماء.
إن إرث رام الله ليس صفحةً من الماضي، بل أمانةٌ للحاضر ومسؤوليةٌ تجاه المستقبل. وفي أرضٍ شهدت شهادة إسطفانوس، يصبح الحفاظ على الإيمان والإنسان والطبيعة امتدادًا حيًّا لتلك الشهادة، ورسالةً متجددةً للحياة والسلام والمحبة
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


