محمود الإفرنجي يكتب لوطن: تأجيل الانتخابات التشريعية انتهاك لحق كل فلسطيني تستدعي مقاضاة طالبها

01.10.2026 07:43 PM

يشكل الحق في تقرير مصير الشعوب، بمن فيهم نحن الفلسطينيين، حقًا غير قابلًا للتصرف، وقاعدةً آمرة من قواعد القانون الدولي.  وقد أوضحت لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة بأن أهمية الحق في تقرير المصير تنبع من حقيقة أن إعماله شرط أساسي لضمان حقوق الإنسان الفردية واحترامها فعلياً .  وقد تجلت مركزية الحق في تقرير المصير في القانون الدولي من خلال إدراجه المادة الأولى المشتركة في كل من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.  وللعلم بالشيء، فقد استندت محكمة العدل الدولية على هذا الحق الآمر في رأيها الاستشاري المؤرخ في 19 يوليو 2024 تحت عنوان: "الآثار القانونية الناشئة عن سياسات إسرائيل وممارساتها في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية"، وتحديدًا في الفقرة (233) .  وهو الرأي القانوني الذي طالما طالبت القيادة الفلسطينية من المجتمع الدولي احترامه وتطبيقه، باعتباره ضمانة لحق الإنسان الفلسطيني فرديًا لاختيار طبيعة نظامه السياسي على أرضه.

وعليه، لم يغفل المشرع الفلسطيني عند صياغته للقانون الأساسي لسنة 2003، هذا الحق، وكفل في المادة (10) منه بأن: "1. حقوق الإنسان وحرياته الأساسية ملزمة وواجبة الاحترام."  وزاد على ذلك بالتأكيد على أن للفلسطينيين حق المشاركة في الحياة السياسية أفرادًا وجماعات، وإمعانًا في التأكيد على هذا الحق الأصيل للفلسطينيين أفرادًا وجماعات، فصّله المشرع إلى الحق في تشكيل الأحزاب السياسية، والحق في تشكيل النقابات والجمعيات، والحق في التصويت والترشح لاختيار ممثلين منهم، وهو الحق الذي استدعى منا كل هذه المقدمة للتأكيد على التالي:

الفلسطيني هو صاحب الحق الأصيل في تشكيل الأحزاب السياسية والنقابات والجمعيات، وليس لأي حزب سياسي أيًا كان أن يتخذ مبادرة أو مطالبة أو ممارسة أي فعل ينتهك هذا الحق أو يقوضه، أو يفرغه من مضمونه؛

أكد ذات القانون الأساسي بأن مدة المجلس التشريعي هي أربع سنوات من تاريخ انتخابه، وتجري الانتخابات مرة كل أربع سنوات بصورة دورية، وأن مدة رئاسة السلطة الفلسطينية هي أربع سنوات أيضًا؛

وقد جاء قرار بقانون الانتخابات العامة لسنة 2007 وتعديلاته، وهو قانون أدنى درجة من القانون الأساسي، ليمنح الرئيس صلاحية إدارية بإصدار مرسوم رئاسي كاشف لموعد الانتخابات خلال مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر قبل تاريخ انتهاء مدة ولايته أو ولاية المجلس التشريعي.

وبالفعل، أصدر الرئيس مرسومًا رئاسيًا بتاريخ 09 يوليو 2026 بشأن الدعوة لإجراء الانتخابات التشريعية بتاريخ 28 نوفمبر 2026، وللعلم بالشيء، فهو المرسوم الثاني للدعوة بإجراء الانتخابات التشريعية، بعد أن كان قد صدر المرسوم الأول بتاريخ 15 يناير 2021 والقاضي بعقد الانتخابات التشريعية بتاريخ 22 مايو 2021، وهي التي تأجلت إلى حين توفر شروط إجرائها في الأراضي الفلسطينية كافة بموجب مرسوم صادر بتاريخ 30 أبريل 2021، وقبل الشروع في فترة الدعاية الانتخابية بيوم واحد.

ومنذ الدعوة لإجراء الانتخابات التشريعية هذا العام، انسكبت التصريحات السياسية ما بين مؤيدة لعقد الانتخابات التشريعية والرئاسية أيضًا، في موعدها باعتبارها حقًا أصيلُا للمواطن الفلسطيني، وإحدى أدوات نضال الشعب الفلسطيني لمواجهة السياسيات والجرائم الإسرائيلية بتفتيت وحدة الشعب الفلسطيني وجغرافيته ومكوناته، خاصة جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية المستمرة في قطاع غزة، وجرائم التهجير القسري في الضفة الغربية، بما فيها القدس، وجرائم التمييز العنصري والتطهير العرقي والاضطهاد ضد كافة أفراد الشعب الفلسطيني، ولمواجهة رؤية الإدارة الأمريكية وتوجهها لفصل قطاع غزة عن الضفة الغربية جغرافيًا وإداريًا.

وتصريحات سياسية أخرى مطالبة بتأجيلها لحين توفر متطلبات عقدها، مستندة إلى ضرورة التوافق الوطني وفتح حوار فصائلي يسفر عن إصلاح النظام السياسي الفلسطيني، الذي يشهد أسوأ أحواله اليوم منذ نشأة السلطة الفلسطينية في العام 1993، والانقسام السياسي في العام 2007، متناسية الجهود الإقليمية من خلال إعلان مكة 2007، وإعلان صنعاء 2008، واتفاق القاهرة 2011، واتفاق الدوحة 2012، واتفاق القاهرة مرة أخرى 2017، وإعلان الجزائر 2022، لدرجة وصلنا إلى مرحلة التدويل حيث لقاء موسكو 2024 وإعلان بكين في ذات العام، كل ذلك عدا عن الاتفاقات والتوافقات الداخلية، غافلين بأن الانتخابات هي ساحة منافسة سياسية ليثبت فيها كل حزب جدارته بالفوز بثقة الناخب، لا ساحة للتوافق.

المطالبات السياسية بالتأجيل لحين التوافق مستغربة ومستهجنة، فالمثل الفلسطيني يقول "من جرب المتجرب عقله مخرب"، خاصة وأنه منذ الإعلان الأخير عن الانتخابات شرعت طائفة واسعة من الشعب الفلسطيني بالتحضير لها بترتيب أوراقها وجمع صفوفها، خاصة فئات الشباب والمستقلين، وإلى جانبهم بعض الأحزاب السياسية، فمنذ فتح باب الترشح في 26 سبتمبر المنصرم، قدمت 8 قوائم أوراق ترشحها.

وبعيدًا عن الأهواء السياسية لبعض الأحزاب التي تسعى لضمان مقاعد لها داخل النظام السياسي ضمن "التوافق الوطني"، خشية من فشلها في الانتخابات، أو تشرذمها بسبب الانتخابات، فإن الأرضية الصلبة التي يستند إليها برنامج إصلاح أي نظام سياسي، بما فيها الفلسطيني، تتمثل في دورية عقد الانتخابات، وإعادة الحق إلى صاحبه، فالفلسطيني فردًا وجماعات هو صاحب الحق الأصيل في تقرير مصيره غير القابل للتصرف، من خلال حقه في تشكيل الأحزاب السياسية، والتكتلات الانتخابية المستقلة، وهو صاحب الحق الأصيل بمنحها وزنها الحقيقي من خلال صندوق الاقتراع.

وعليه، فإن أي مطالبة حزبية سياسية، وبغض النظر عن نواياها، بتأجيل عقد الانتخابات، تشكل انتهاكًا صارخًا لحق المواطن الفلسطيني الدستوري بتقرير مصيره، وتحديد شكل نظامه السياسي ووحدة جغرافيته، تستدعي مقاضاة طالبها؛ وقصورًا في فهم منطوق وجوهر الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية، المذكور أعلاه، والذي أقر لنا حقنا في تقرير مصيرنا كحق أساسي من حقوق الإنسان كغيرنا من الشعوب، فكيف لنا أن نطالب العالم باحترامه وتطبيقه، ونحن نتجاهل فهمه.

 

المراجع:

  الأمم المتحدة، لجنة حقوق الإنسان، التعليق العام رقم 12 الصادر بتاريخ 13 مارس 1984، (وثيقة رقم A/39/40 (SUPP))، للمزيد: (https://docs.un.org/ar/A/39/40(Supp))


   محكمة العدل الدولية، راي استشاري بعنوان: ""، صادر بتاريخ 19/07/2024. للمزيد (https://www.icj-cij.org/sites/default/files/case-related/186/186-20240719-jud-01-00-en.pdf)

قرار بقانون رقم (1) لسنة 2007 بشأن الانتخابات العامة وتعديلاته، المادة (2) من باب الأحكام العامة. للمزيد: (www.elections.ps/Portals/0/ge-law2026Final.pdf)

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير