اللواء أحمد عيسى يكتب لوطن: الأساسات الستة للأمن القومي الإسرائيلي.. إسرائيل نكشف عن قوتها وهشاشتها بعد 7 أكتوبر

01.10.2026 12:36 AM

في لحظة تستعد فيها إسرائيل لانتخابات جديدة، خرجت مؤسسة Mind Israel( مايند إسرائيل) للتفكير الاستراتيجي المتقدم، التي أسسها ويرأسها اللواء المتقاعد عاموس يادلين، رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الأسبق والرئيس الأسبق لمعهد إسرائيل لدراسات الأمن القومي (INSS)، بدراسة لافتة لا تنشغل هذه المرة فقط بإيران وحماس وحزب الله، أو بسباق التسلح في المنطقة، وإنما بمحاولة الإجابة عن السؤال الأكثر عمقًا: على أي أساس ستقوم قوة إسرائيل خلال العقود المقبلة؟

شارك في إعداد هذه الدراسة نحو 100 خبير إسرائيلي، وحددت ستة ملفات تعتبرها المؤسسة قضايا حرجة تتطلب قرارات كبيرة وسريعة: المكانة الإقليمية لإسرائيل، ورأس المال البشري، والعلاقة بين الاقتصاد والأمن، والحوكمة والمناعة الوطنية، والتحولات الديموغرافية، والعلاقة مع الولايات المتحدة ويهود الشتات.
وفيما لم تنشر MIND الدراسة حتى تاريخه، فإن رسالتها المركزية جاءت على لسان نائب رئيس MIND، الدكتور أفنير غولوب، في منشور له على موقع المؤسسة على منصة X بتاريخ 20/9/2026، حيث قال: يمكن أن تصبح إسرائيل قوة إقليمية، لكن "أساساتها صدئة الآن"، وإذا لم تعالج هذه الأساسات، فإن المشكلة لا تتعلق فقط بعدم تحقيق الطموح الإقليمي، بل من المحتمل أن يتآكل البناء نفسه.
وتقترح الدراسة، كما أوضح غولوب في منشوره، تحولًا في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي، لا سيما في الأساسات التي يجب أن يقوم عليها الأمن القومي الإسرائيلي بعد السابع من أكتوبر.
الأساس الأول: من الجدار إلى الجدار
فإسرائيل، وفق غولوب، لا تستطيع أن تظل مكتفية بمفهوم جابوتنسكي المعروف بـ"الجدار الحديدي"، الذي يقوم على انتظار الخصوم عند حدودها وردعهم بالقوة. فتجربة 7 أكتوبر، في نظره، أظهرت أن الخصم يمكن أن يتطور "خلف الجدار".
لذلك تقترح MIND ما تسميه "الجدار الحديدي 2.0": الإبقاء على الجدار العسكري قويًا، ولكن بالتوازي مع محاولة تشكيل البيئة الموجودة في الجانب الآخر منه.
وهنا تدخل المنطقة العربية في صلب التصور الجديد: السعودية ومصر والأردن، إلى جانب دول أخرى، يمكن أن تشكل عناصر شبكة إقليمية تسعى إسرائيل إلى بنائها.
وتتجاوز الفكرة التطبيع السياسي إلى بناء اعتماد متبادل في التكنولوجيا والأمن والأكاديميا. أي إن إسرائيل لا تريد فقط أن تكون دولة تقيم علاقات مع جيرانها، بل أن تصبح دولة ترى هذه الدول أن مصالحها مرتبطة بالتعاون معها.
القوة العسكرية تحتاج إلى اقتصاد ومجتمع
الأساس الثاني يتعلق برأس المال البشري، والثالث بالعلاقة بين الاقتصاد والأمن.
وهنا تبرز مشكلة الحرب الطويلة: كيف تحافظ إسرائيل على ميزانية دفاعية مرتفعة، وجيش كبير، واستثمار تكنولوجي متقدم، من دون إضعاف الاقتصاد الذي يمول هذه القوة؟
فالقدرة العسكرية الإسرائيلية مرتبطة، في نهاية المطاف، بقدرة الاقتصاد على إنتاج الموارد والتكنولوجيا والمهارات.
ولهذا يصبح رأس المال البشري قضية أمن قومي. وتقول MIND إن التعليم هو العامل الموجود في قاعدة القضايا الست كلها؛ فهو الذي يؤثر في نوعية رأس المال البشري، وفي القدرة التكنولوجية، وفي فرص المشاركة الاقتصادية، وفي التماسك والمناعة الوطنية.
وهذه ليست ملاحظة هامشية، إذ كانت MIND، قد وضعت في مادة أخرى نشرتها في سبتمبر، التعليم صراحة في قلب الأمن القومي، وربطته بالحفاظ على المزايا العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية، وبزيادة فرص المشاركة بين قطاعات المجتمع المختلفة.
الداخل الإسرائيلي جزء من الأمن القومي
ربما تكون أكثر نقاط الدراسة حساسية تلك المتعلقة بالحوكمة والمناعة الوطنية.
فغولوب يستشهد بأربعة عوامل يمكن أن تؤدي إلى تآكل الدول من الداخل: تراجع التماسك الاجتماعي، وضعف الثقة بمؤسسات الدولة، وتغليب المكاسب السياسية القصيرة على المصلحة الوطنية بعيدة المدى، والجمود الذي يمنع التكيف مع المتغيرات.
وهكذا تنتقل إسرائيل من تعريف تقليدي للأمن القومي يركز على العدو الخارجي، إلى تعريف أوسع يرى أن المجتمع والدولة والمؤسسات والتعليم والاقتصاد كلها مكونات للأمن.
وهنا تكمن مفارقة الدراسة: إسرائيل قد تكون في ذروة قوتها العسكرية، لكنها تريد، في الوقت نفسه، أن تمنع تحول نقاط الضعف الداخلية إلى قيود على هذه القوة.
الديموغرافيا: الجيش والمجتمع والاقتصاد
تضع الدراسة التحولات الديموغرافية ضمن الملفات الستة، وهو أمر طبيعي في دولة تعتمد بصورة كبيرة على مشاركة السكان في الجيش والاقتصاد والضرائب.
ولهذا يرتبط السؤال الديموغرافي بقضايا التجنيد، ومشاركة الحريديم والعرب، وسوق العمل، والتعليم، والإنفاق الاجتماعي.
ويشير غولوب إلى أن الحكومة المقبلة ستضطر إلى التعامل مع مسألة التجنيد، وإدماج الحريديم والعرب، وبناء بنية تحتية ملائمة للعصر التكنولوجي، إلى جانب زيادة المشاركة في النجاح الاقتصادي للدولة.
واشنطن لم تعد كافية وحدها
أما الأساس السادس فيتعلق بالعلاقة مع الولايات المتحدة ويهود الشتات.
ولا تعني الدراسة التخلي عن التحالف الأمريكي؛ بل تدعو إلى عدم الاعتماد عليه وحده. ولذلك تقترح تنويع العلاقات وبناء شراكات إقليمية، بحيث تمتلك إسرائيل مصادر إضافية للقوة والتأثير.
وهذه النقطة تنسجم مع تصور MIND الأوسع للأمن القومي، الذي يضم، ضمن قضاياه الأساسية، الشراكة الأمريكية، والعلاقات مع أوروبا، والشرق الأوسط، والفلسطينيين.
ماذا تعني هذه الرؤية للفلسطينيين؟
تكمن أهمية الدراسة للفسطينيين ليس في استخدامها للتنبؤ بانهيار إسرائيل. فهذا ليس ما تقوله الدراسة أصلًا. بل على العكس: هدفها المعلن هو منع التآكل الداخلي واستثمار عناصر القوة الإسرائيلية بصورة أفضل.
فأهميتها تكمن في مكان آخر: فالدراسة تكشف كيف ترى مؤسسة استراتيجية إسرائيلية مصادر القوة والضعف في الدولة.
أولًا، القوة الإسرائيلية ليست عسكرية فقط. إنها منظومة تجمع الجيش والتكنولوجيا والتعليم والاقتصاد والعلاقات الخارجية والتماسك الاجتماعي.
ثانيًا، إسرائيل تريد الانتقال من احتواء البيئة الإقليمية إلى تشكيلها. وهذا يعني أن التطبيع والشراكات الاقتصادية والأمنية والتكنولوجية ليست ملفات منفصلة عن الأمن القومي الإسرائيلي، بل أصبحت جزءًا منه.
ثالثًا، القضية الفلسطينية لا يمكن عزلها عن هذه البيئة الإقليمية. فإذا كانت إسرائيل تريد بناء شبكة إقليمية تشمل السعودية ومصر والأردن، فإن مستقبل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي سيظل متداخلًا، بدرجات مختلفة، مع إعادة تشكيل النظام الإقليمي.
رابعًا، تكشف الدراسة أن إسرائيل نفسها تدرك أن القوة العسكرية لا تضمن وحدها الاستدامة. فالتعليم، والاقتصاد، والحوكمة، والديموغرافيا، والمناعة الاجتماعية أصبحت، في نظر هذه المؤسسة، جزءًا من المعركة على مستقبل الدولة.
وهنا تكمن الدلالة الأهم بالنسبة للفلسطينيين والعرب: ليس المطلوب قراءة الوثيقة بوصفها إعلانًا عن ضعف إسرائيل، وإنما باعتبارها خريطة إسرائيلية لمصادر القوة ومواطن القلق.
في الختام
يمكن اختصار رؤية MIND Israel في معادلة بسيطة: جيش قوي + اقتصاد قوي + رأس مال بشري + تماسك اجتماعي + حوكمة فعالة + علاقات إقليمية ودولية = أمن قومي مستدام.
وبالتالي، فإن "الجدار الحديدي2 " الذي تقترحه المؤسسة لا يعني التخلي عن القوة العسكرية، بل إضافة عنصر جديد إليها: بناء الجسور وتشكيل البيئة الإقليمية بدل الاكتفاء بالدفاع ضدها.
إنها، في جوهرها، محاولة إسرائيلية للانتقال من سؤال: “كيف نحمي إسرائيل من المنطقة”؟ إلى سؤال أوسع: “كيف نبني منطقة تكون فيها إسرائيل جزءًا مؤثرًا من النظام الأمني والاقتصادي والسياسي”؟ وهنا يكمن مأزق إسرائيل الإستراتيجي الذي يبدو أن إسرائيل لن تكون قادرة على الخروج منه للأبد، لا سيما بعد ارتكابها جرائم إبادة ضد الفلسطينيين، إذ أثارت هذه الجرائم في وعي شعوب المنطقة وفي مقدمتهم الفلسطينيين سؤالا: كيف يمكن العيش مع دولة ومنحها الأمن بعد أن ارتكبت ونفذت جرائم إبادة بحق مكون أصيل من مكونات شعوب المنطقة؟ الأمر الذي لن يزيل للأبد الصدأ عن معظم أساسات أمنها القومي.
وهذا التحول هو الذي يجعل الدراسة جديرة بالاهتمام العربي والفلسطيني؛ لأنها لا تقدم فقط تشخيصًا إسرائيليًا لما بعد 7 أكتوبر، بل تكشف أيضًا عن الاتجاه الذي تفكر فيه بعض النخب الاستراتيجية الإسرائيلية للمراحل المقبلة وتؤكد من جهة أخرى أن أمن إسرائيل خلف الأبواب وليس بيد واشنطن البعيدة.

(اللواء أحمد عيسى: باحث متخصص في الأمن القومي الإسرائيلي والفلسطيني)

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير