بسام زكارنة يكتب لوطن: حين تصير البيوت كلها بيتاً واحداً

29.09.2026 06:34 PM

في طريق العودة من جنين وبعد ساعات من الوقوف على الحواجز والالتفاف في دروب لا تعرفها الخرائط لم يكن ينتظر المتعبين إلا مشهدٌ لم يتوقعوه: شبابٌ من المزرعة الشرقية بلباسهم الأنيق كأنهم في عرس لا في محنة يوزعون الماء والطعام ويقولون للعابرين: «بيوتنا مفتوحة …بيتوا عندنا» لم يسألوا أحداً من أي بلد جاء ولا من أي عائلة انت  كان يكفيهم أنه إنسان أتعبته الطريق على هذه الأرض.

هكذا نحن حين تضيق الدروب و يغلق الاحتلال حاجزاً فنفتح باباً ويشتدّ المستوطنون في اعتداءاتهم فيشتدّ بعضنا ببعض كانهم بنيان مرصوص وما رأيناه على مفرق طريق ليس مشهداً استثنائياً بل هو الذاكرة الحية لشعب تعلّم أن الجدار الوحيد الذي لا يُهدم هو الذي يبنيه أهله حول بعضهم.

في غزة طالت  الأضرار نحو 82% من مباني القطاع و أكثر من 200 ألف منشأة دُمّر ثلثها تقريباً تدميراً كاملاً وفق تقييم مركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية ومع ذلك لم يتحول الركام إلى احباط او قطيعة بل إلى شراكة في المصير: بيتٌ بقي واقفاً صار بيتاً لأسر عدة وخيمة صارت مضافة ولقمة واحدة اقتسمها الجميع.

وفي مخيمات جنين وطولكرم وغيرها من مخيمات الضفة الغربية حين امتدت يد الدمار إلى البيوت والأزقة لم تتوقف الحياة عند حدود المخيم فقد فتحت المدن والقرى المجاورة أبوابها لأهله وتقاسم الناس معهم البيت والخبز والدفء وكأن حدود المخيم لم تعد تعني شيئاً أمام وجع واحد فالمخيم قد تُهدم جدرانه لكن لا يمكن هدم أهله ولا اقتلاع ذاكرته لأن أهله يحملونه معهم أينما ذهبوا.

وفي القرى التي أُحرقت بيوتها وسياراتها وأُحرقت أشجارها وأُتلفت محاصيلها وزيتونها كما في قرية المغير و تل و قصرة و جالوت و بيتا و مسافر يطا و الأغوار جاء الرد من أهلها قبل أي أحد : الشباب يجمعون المال والنساء يجهّزن الطعام والفراش ويفتحن بيوتهن للمنكوبين والكهول يجلسون في الديوان يوزّعون الأدوار ويحتضنون المفجوعين وذوي الشهداء بكلماتٍ تستند إلى حكمة السنين وتجربةٍ طويلة مع الألم والصبر وفي صباح اليوم التالي للحريق قبل أن يبرد الرماد يتم اضاءة البيوت المحروقة و يكون الفلاحون في الأرض يغرسون الشتلات و الغرس  مكان الأشجار المحروقة رسالتهم أبلغ من أي بيان: من أحرق شجرة ظنّ أنه اقتلعنا ونحن نغرس مكانها أخرى لنقول إننا هنا وإن الجذور لا تُحرق.

ثم جاءت حكاية الطفلة بسملة من طولكرم لم يتجاوز عمرها 13 شهراً وقد أمضت معظم عامها الأول في العناية المركزة تصارع مرضاً وراثياً نادراً هو ضمور العضلات الشوكي وكان إنقاذها معلقاً بعلاج جيني تُقدَّر كلفته بنحو 8 ملايين شيقل لم تبقَ حكايتها خلف باب أسرتها تحولت مناشدة والدها إلى حملة شعبية جمعت المبلغ خلال أيام وجاءت تحت شعار  «لبيك يا بسملة» و من كل فلسطيني و من كل بيت: تبرّع الميسور بما يقدر عليه وتبرّع محدود الدخل بثمن وجبة وتبرّعت نساء بذهبهنّ وكسر أطفال حصّالاتهم ان طفلة صغيرة كشفت أن هذا الشعب حين يقرر إنقاذ روح واحدة يتحرك كأن الوطن كله على المحك.

وأجمل ما في هذا التكاتف أنه لا يعرف الأدوار الجاهزة فالشاب يوزع الماء على الحاجز والمرأة تعجن وتطبخ لعشرات الضيوف دون أن تسأل من أين جاؤوا والكهل يفتح ديوانه وقلبه والطفل يحمل الأكياس ويركض بها بين الناس الجميع في الميدان ولا أحد ينتظر شكراً.

وهذه ليست مصادفة بل تربية قرى قالت لأبنائها منذ القدم: «الجار قبل الدار» ثم أثبتت لهم الأيام أن هذه ليست أمثالاً تُحفظ بل حياة تُعاش.

قد يملك الاحتلال الحواجز والجرافات والنار لكنه لا يملك ما نملكه: أن يكون الجار سنداً لجاره وأن تصير القرية كلها عائلة وأن يتحول الوجع إلى عمل.

وما دام في هذه الأرض من يقول لغريب متعب: «تفضل …هذا بيتك» فلن ينكسر هذا الشعب لأن في سلوكه اليومي أصدق برهان على أنه يستحق الحياة.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير