اتفاق اوسلو البائس، هل كان لحل الصراع ام لإدارة النزاع .. الجزء (1)

منذ أن قسمت بريطانيا وفرنسا المنطقة العربية إلى دول عديدة، وتم رسم حدود تلك الدول " بالمسطرة والقلم"، هذا التقسيم كان يهدف إلى إبقاء الأمة في حالة صراع دائم.
وكانت فلسطين، التي هي ليست " دولة أو موقعا على الهامش" ولا موقع استراتيجي يمكن التخلي عنه ببساطة، أو عدم اخذه بالحسبان في حسابات الجغرافيا السياسية، فهي في موقع على اطراف اسيا المطلة على افريقيا، وهي مفتاح للمنطقة عندما تطل عليها من افريقيا، كما أنها تطل على البحر المتوسط وعلى البحر الاحمر.
في فلسطين من غير الممكن لاي حالة من " الفوضى" الا أن تنعكس على الواقع الإقليمي " حتى لو أنكر البعض ذلك"، وفي المقدمة الكيان الغاصب، والاردن امتدادا إلى باقي الدول في الاقليمية.
الانتفاضة الأولى " الحجارة" كانت واحدة من أعظم الثورات الفلسطينية، وكان لها من المفاعيل وردود الأفعال ما جعل المنطقة في حالة من التوتر والغليان " حتى لو لم يكن معلنا" ، حالة التوتر تلك وتاثيرات الانتفاضة هي التي قادت إلى اوسلو اضافة الى عوامل عديدة اخرى كانت قد طرأت ومن أهمها سقوط الاتحاد السوفيتي، وغزو الكويت وما نتج عن ذلك من تطورات أثرت على وضع منظمة التحرير.
كل تلك الظروف قادت إلى ما بات يعرف بتفاهمات اوسلو، وكان العامل الحاسم والأهم في ذلك كله هو الانتفاضه المستمرة في الأراضي المحتلة.
اتفاق اوسلو، تم ترتيبه في " غرف سوداء مظلمة" بعيدة عن كل الأعين وحتى تلك التي لا تنام، أو هذا ما بات معروفا.
السؤال الذي لابد من طرحه، لماذا كانت كل تلك السرية في التعامل مع هذا الاتفاق، لماذا كل ذلك " التخفي" وكل تلك الخشية، خاصة وان المفاوضات بين الأعداء مسألة طبيعية، فالمفاوضات عبر التاريخ كانت بين الأعداء أو الخصوم، وهي لا تعتبر "خطيئة" يتم ارتكابها إذا كانت أهدافها خَيِّرَة ومراميها واغراضها نبيلة.
بعد نيف وثلاثة من العقود، اوسلو، الذي تم الاعلان عنه على حين غرة، ماذا حقق؟ ففلسطين ما زالت تحت الاحتلال، وهو من الناحية العملية لم يحقق الحد الأدنى من الاهداف التي ثار " انتفض" الناس من أجلها. فالارض المحتلة بقيت محتلة، وهي ببساطة وخلافا لمحاولات التجميل والترويج، لا تُحْكم من قبل سلطة "الحكم الذاتي".
الارض المحتلة بعد كل هذا الوقت، تُدار ولا تُحكم، وهي ارض وبعد أن كانت " موحدة" في ظل الاحتلال، اصبحت مقسمة بعد قيام السلطة، فها هي الضفة الغربية وحدها ومقسمة وتتم إدارتها " ولو شكليا" من قبل سلطة ينخرها الفساد بحسب كل المراقبين والدول في العالم، والقدس يتم تهويدها وتدار من قبل سلطة الاحتلال، وأما غزة " قبل الطوفان" فكانت تدار من قبل حركة حماس بعد أن فقدت سلطة رام الله سيطرتها على القطاع، وهو " القطاع" اصبح أثرا بعد عين يسوده الموت والدمار وحرب إبادة فاشية لم يشهد لها العالم مثيلا منذ الحرب العالمية الثانية.
عندما ندقق النظر في الضفة الغربية المحتلة وخاصة المناطق الخاضعة لسلطة رام الله فماذا نجد سوى "اقطاعيات" مستحدثة، أو "حداثية" تتلائم مع العصر ، اقطاعيات تدار من قبل " اقطاعيين" غلاظ قلوبهم، فهذا اقطاعي للمعابر، وذاك اقطاعي حصته " قطاع النفط" وثالث حصته تجارة السجائر، ورابع متخصص في عالم الاتصالات وآخر له الجمارك وهكذا في كافة القطاعات الأخرى.
ما الذي فعله اوسلو، بغض النظر عن النصوص سواء الجاهزة أو اللاحقة.
لقد اوجد "اوسلو" قوة مهيمنة، سلطة "عاتية"، امتلكت ما بات يطلق عليه أصحابه " السلاح الشرعي"، وصارت تفرض بقوة هذا السلاح أجندات وواقع جديد لا علاقة له بطموحات الناس أو تطلعاتهم، وتحول هذا السلاح الذي لم يكن مخصص ابدا لمواجهة الاحتلال '' لا يمكن للكيان أن يوافق على إدخال مجرد سكين أو حتى هراوة يعلم أنها يمكن أن يتم توجيهها إلى صدره في يوم من الايام " تحول هذا السلاح إلى أداة للقمع والبطش، والمطاردة والاغتيال لكل من يفكر بالمقاومة.
في العقل" القيادي الفلسطيني"، من يملك المال والاقتصاد والسلطة "power" والسلاح يملك القوة والقرار والتقرير، وهذا ما كانت المنظمة قد حاولت فرضه في تجارب سابقة في لبنان والاردن في فترات سوداء من التاريخ الفلسطيني.
من يمتلك تلك العوامل المشار إليها، وكاعتقاد راسخ في الذهنية القيادية، يمتلك " الشرعية" بغض النظر عن حقيقة مشروعية تلك العوامل، حتى لو كانت شرعية على الورق أو على الارفف أو في ادراج المكاتب، فهي الورقة الأهم والأقوى.
من يمتلك تلك الأوراق " بتقديرهم"، يمتلك الحق في تقرير كيف يكون حال البلد وهو صاحب القرار والتقرير حتى لو كان الحال بائسا في البلاد، طالما العالم يغض الطرف عن كل الموبقات التي يتم ارتكابها في وضح النهار أو في عتمة الليل.
واقع الحال بعد ثلاثة عقود يقول، أن هنالك قوة " تسيطر " على البلد " بعيدا" عن الاحتلال بمعنى أو بآخر، لكن بموافقته، هذه القوة اعتقدت أنها نالت اعترافا عالميا يخولها بأن تكون الشرعية الوحيدة على هذه الأرض " المحتلة" وتبحث عن فرض واقع مستدام تحت سيطرتها بدون منافس، ولهذا تجد يدها ثقيلة على كل من يفكر " بالتشويش" عليها.
هذه السلطة في الحقيقة كل همها البحث عن الهدوء، وهي تختلق كل المبررات من اجمل استمرار البقاء حتى لو كان ذلك تحت حراب الاحتلال الغاشم، وقد يكون الاحتلال آخر همومها، فهي بالنسبة إليها، البقاء في موقع السلطة "power" والسيطرة على البلد والناس والمقدرات هو أسمى غاياتها.
بالمقابل، هنالك قوة الاحتلال، القوة التي تدرس وتتمعن، وتتعلم الدروس وتأخذ العبر، وتراقب كل شاردة وواردة على الأرض المحتلة، ولا يهمها كثيرا ما تقوم به سلطة الحكم الذاتي من نهب للخيرات، فالاحتلال متواطئ في كل ما يحدث من فساد وشريك و ميسر لكل ما يجري من موبقات.
في الواقع العملي ، السلطة تنظر / تتعامل مع " الوطن" كأداة، وهذا ما يجعل المواطن مجرد تفصيل لا يحسب له حساب طالما الادوات السلطوية موجودة.
السلطةهنا، ليست دولة، وهي سلطة وظيفية، لا يمكنها ويمنع عليها بناء الدولة، وكل ما يمكن أن تقوم به هو ادارة الشأن الفلسطيني ضمن الحدود التي يرسمها الاحتلال من اجل تخفيف الاعباء عنه وهذا بحد ذاته مريح للاحتلال ولا مشكلة له بذلك.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


