إسلام عمرو يكتب لوطن: دون غزة.. دون رواتب.. بنات فلسطين يصنعن مجداً جديداً

27.09.2026 08:02 PM

ليس عنوان هذا المقال مجازًا أدبيًا، بل خلاصة ثلاث حقائق اجتمعت في تقرير واحد، لتقدم صورة شديدة التعقيد عن واقع التعليم الفلسطيني.

فعيّنة فلسطين في اختبارات PISA 2025 لم تشمل المدارس الأكثر تأثرًا بالصراع، بما فيها قطاع غزة، فيما جاء الاختبار في ظل ظروف تعليمية واقتصادية وسياسية بالغة الصعوبة. ومع ذلك، تكشف النتائج عن مؤشرات لافتة تستحق التوقف عندها، وفي مقدمتها تفوق الفتيات الفلسطينيات على الفتيان في مجالات القراءة والعلوم والرياضيات.
وهنا تكمن المفارقة الأهم: في الوقت الذي يواجه فيه النظام التعليمي الفلسطيني ظروفًا استثنائية، وفي الوقت الذي يعاني فيه المعلم والطالب من آثار الأزمة المستمرة، تظهر داخل النتائج نفسها مؤشرات على الصمود والإنصاف وقدرة بعض الفئات على تحقيق نتائج أفضل مما قد توحي به الظروف المحيطة.
وقد صدرت نتائج PISA 2025 في الثامن من أيلول/سبتمبر 2026 عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، وهي المرة الثانية التي تشارك فيها فلسطين في هذا التقييم الدولي بعد مشاركتها الأولى عام 2022. وشملت الدورة الأخيرة 9648 طالبًا فلسطينيًا في 319 مدرسة، يمثلون نحو 50400 طالب في سن الخامسة عشرة.

أولاً: الفتاة الفلسطينية تنقذ المشهد التعليمي
أبرز ما يستوقف في قراءة النتائج الفلسطينية هو أداء الفتيات مقارنة بالفتيان. فقد تفوقت الطالبات الفلسطينيات على الطلاب في المواد الثلاث الأساسية التي يقيسها الاختبار: القراءة والعلوم والرياضيات.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة في الرياضيات، حيث لا تزال الفجوة في عدد كبير من الأنظمة التعليمية تميل لصالح الفتيان.
وفي الحالة الفلسطينية، لا تظهر المشكلة التعليمية بالحدة نفسها لدى جميع الطلبة؛ فالفجوة بين الفتيان والفتيات تشير إلى أن هناك حاجة إلى قراءة أكثر دقة لمواطن الضعف، بدل التعامل مع النتائج باعتبارها أزمة تعليم عامة ومتجانسة.
وتكشف بيانات PISA كذلك عن تفاوت واضح في نسب الطلبة الذين يصلون إلى الحد الأدنى من الكفاية التعليمية، وهو ما يجعل قضية الفتيان، وخاصة في المهارات الأساسية، واحدة من القضايا التي تستحق تدخلاً تربويًا أكثر تركيزًا.
إن تفوق الفتيات لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه مجرد رقم عابر، وإنما باعتباره مؤشرًا على أن النظام التعليمي الفلسطيني يمتلك عناصر داخلية قادرة على الصمود وتحقيق نتائج أفضل، حتى في ظل بيئة شديدة الصعوبة.

ثانياً: الأرقام تقول الحقيقة كاملة
عند الانتقال من الفجوات الداخلية إلى المتوسطات الوطنية، تصبح الصورة أكثر صعوبة. فقد بلغ متوسط أداء الطلبة الفلسطينيين في العلوم 359 نقطة، وفي القراءة 350 نقطة، وفي الرياضيات 354 نقطة، وهي نتائج أدنى من متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
وفي حل المشكلات الحاسوبي، بلغ متوسط فلسطين 393 نقطة، وهو أيضًا دون متوسط المنظمة البالغ 500 نقطة. والأكثر إثارة للقلق أن نسبة الطلبة الذين يصلون إلى الحد الأدنى من الكفاية منخفضة جدًا؛ إذ بلغ الذين حققوا المستوى الثاني أو أعلى 24% في العلوم، و17% في الرياضيات، و22% في القراءة، وفق بيانات OECD.
وهذا يعني أن غالبية الطلبة لا يصلون بعد إلى المستوى الذي تعتبره PISA حدًا أدنى من الكفاية في هذه المجالات.
أما في مستويات التميز الأعلى، فإن عدد الطلبة الفلسطينيين الذين يصلون إلى المستويين الخامس والسادس يكاد يكون معدومًا، الأمر الذي يمثل تحديًا حقيقيًا أمام بناء قاعدة واسعة من الطلبة القادرين على قيادة الاقتصاد المعرفي والبحث العلمي والتكنولوجي في المستقبل.

ثالثاً: ليست كل الأخبار سيئة
رغم قسوة الأرقام، فإن القراءة المتأنية للنتائج تكشف مجموعة من المؤشرات التي تستحق البناء عليها. أول هذه المؤشرات هو الصمود النسبي في القراءة. ووفق OECD، بقي أداء الطلبة الفلسطينيين في القراءة قريبًا من مستواه في 2022، في حين شهدت الرياضيات والعلوم تراجعًا.
وثانيها أن الفجوة التعليمية المرتبطة بالوضع الاقتصادي والاجتماعي تبدو أقل اتساعًا في فلسطين مقارنة بمتوسط دول المنظمة؛ فقد بلغ الفرق في العلوم بين الطلبة الفلسطينيين الأكثر امتيازًا والأكثر حرمانًا اجتماعيًا واقتصاديًا 43 نقطة، مقابل متوسط يبلغ 85 نقطة في دول OECD. كما يفسر الوضع الاجتماعي والاقتصادي نحو 5% من التباين في أداء العلوم لدى الطلبة الفلسطينيين، مقابل 12% في متوسط دول المنظمة، وهنا يظهر مفهوم مهم يجب ألا نغفل عنه: الصمود الأكاديمي.
فقد تمكن نحو 18% من الطلبة الفلسطينيين المحرومين اقتصاديًا واجتماعيًا من الوصول إلى الربع الأعلى من الأداء في العلوم داخل فلسطين، وهي نسبة أعلى من متوسط دول OECD البالغ 12%.
هذه النتيجة تقول شيئًا مهمًا: الظروف الصعبة لا تحدد وحدها مستقبل الطالب الفلسطيني، وأن المدرسة والمعلم والبيئة التعليمية لا تزال قادرة، في حالات كثيرة، على تعويض جزء من أثر الظروف الاجتماعية والاقتصادية.

رابعاً: الاحتلال والظروف القسرية جزء من معادلة التعليم
لا يمكن قراءة نتائج التعليم الفلسطيني بمعزل عن البيئة التي يعمل فيها النظام التعليمي. فبيانات OECD نفسها تشير إلى أن نتائج PISA 2025 في فلسطين لا تشمل المدارس الأكثر تأثرًا بالصراعات المتطورة في الشرق الأوسط، وهو أمر مهم جدًا عند تفسير النتائج، لأن العينة لا تمثل كامل الواقع التعليمي الفلسطيني في المناطق الأكثر تضررًا.
أما في قطاع غزة، فقد أدت الحرب إلى تدمير أو تعطيل واسع للمنظومة التعليمية، وحرمان مئات آلاف الأطفال من انتظامهم في التعليم، وفي الضفة الغربية والقدس، يواجه الطلبة والمعلمون قيودًا على الحركة، وإغلاقات للطرق، واقتحامات واعتداءات تطال المؤسسات التعليمية، فضلًا عن أوامر الهدم التي تهدد عددًا من المدارس.وهذه ليست ظروفًا هامشية يمكن وضعها في هامش التقرير؛ إنها عوامل تؤثر بصورة مباشرة في انتظام العملية التعليمية، وفي قدرة الطالب على الوصول إلى المدرسة، وفي قدرة المعلم على الوصول إلى صفه، لذلك، فإن مقارنة النتائج الفلسطينية بنتائج دول مستقرة لا ينبغي أن تتم بمعزل عن السياق الذي أنتج هذه النتائج.

خامساً: المعلم الفلسطيني.. البطل الذي لا يظهر في جدول الأرقام
وراء كل رقم في تقرير PISA معلم فلسطيني. معلم يدخل الصف في ظروف مالية صعبة، ويعمل في مدارس تواجه نقصًا في الموارد، ويجد نفسه مطالبًا بتحقيق نتائج تعليمية في بيئة لا توفر دائمًا الشروط الطبيعية للعملية التعليمية.
وتشير بيانات PISA 2025 نفسها إلى أن 42% من الطلبة الفلسطينيين كانوا في مدارس أفاد مديروها بأن نقص الكادر التعليمي يعيق التدريس، ولو بدرجة ما، فيما أفادت نسب أخرى بوجود نقص في المواد التعليمية والبنية التحتية، ومع ذلك، فإن المعلم الفلسطيني واصل أداء رسالته.
إن الصمود الأكاديمي الذي تظهره النتائج، والقدرة التي يمتلكها بعض الطلبة المحرومين على التفوق، لا يمكن فصلهما عن المدرسة والمعلم. ولهذا فإن أي إصلاح حقيقي للتعليم يجب أن يبدأ من المعلم: تثبيت راتبه، وجدولة متأخراته، وتطوير قدراته، ورفع مكانته المهنية، وربط التدريب المستمر بالاحتياجات الفعلية للطلبة والمدارس.

سادساً: من تشخيص الأزمة إلى خطة العمل
إن التعامل مع نتائج PISA لا ينبغي أن يتحول إلى مناسبة سنوية لاستعراض الأرقام، بل إلى أداة لاتخاذ القرار، وقد شهد ملف النتائج تفاعلًا حكوميًا مع أهمية استخلاص الدروس منها، وصولًا إلى برامج تستهدف معالجة الفاقد التعليمي والتعلم المُسرّع، لكن المطلوب هو الانتقال من رد الفعل إلى سياسة تعليمية طويلة المدى، تقوم على القياس المستمر والتدخل المبكر.

ومن هنا، يمكن طرح خمس أولويات عملية:
1. إعلان رقم وطني سنوي للقياس: إجراء تقييم وطني سنوي للقراءة والحساب في الصفوف المبكرة، وإعلان النتائج بصورة شفافة، بحيث يصبح لدينا خط أساس واضح يمكن من خلاله قياس التحسن أو التراجع عامًا بعد عام.
2. توجيه برامج التعلم المُسرّع نحو الفجوات الفعلية: الاستفادة من نتائج PISA لتحديد الفئات الأكثر حاجة للتدخل، مع إيلاء الفتيان في الصفوف المبكرة اهتمامًا خاصًا لمعالجة الفجوة الملحوظة بينهم وبين الفتيات.
3. تفعيل رخصة المعلم وربطها بالأثر: لا يكفي أن يحصل المعلم على تدريب؛ بل يجب أن يكون التدريب مرتبطًا بتحسن قابل للقياس في تعلم الطلبة، وأن تتطور برامج إعداد المعلمين في الجامعات وفق النتائج الفعلية داخل المدارس.
4. تأسيس مسار وطني للموهوبين:يجب ألا ننظر فقط إلى الطلبة الذين يعانون من الضعف، بل أيضًا إلى أولئك الذين يظهرون قدرات استثنائية، خصوصًا في مجالات التكنولوجيا وحل المشكلات. وهنا يمكن للجامعات ووزارة التربية والتعليم أن تتعاونا في إنشاء مختبرات وبرامج وأولمبيادات وطنية.
5. إقرار بروتوكول وطني للتعليم في حالات الطوارئ:في ظل واقع الإغلاقات والتصعيد، يجب أن تكون هناك قواعد واضحة للانتقال السريع إلى بدائل التعليم المتاحة، مع آليات لتعويض الفاقد التعليمي فور عودة الطلبة إلى المدارس.
وأخيراً: لا نريد تجميل الصورة.. بل إصلاحها نتائج PISA 2025 ليست شهادة نجاح، وليست شهادة فشل.
إنها مرآة.
والمرآة تقول إن التعليم الفلسطيني يعاني فجوات عميقة في العلوم والرياضيات والقراءة، وأن نسب الوصول إلى الحد الأدنى من الكفاية ما زالت منخفضة جدًا، وأن التميز الأكاديمي يمثل تحديًا حقيقيًا.
لكن المرآة نفسها تقول إن هناك صمودًا، وإنصافًا نسبيًا، وطلبة محرومين استطاعوا تجاوز ظروفهم، ومعلمات وطالبات حققن نتائج لافتة، ومعلمين واصلوا العمل في أصعب الظروف.
والأهم أن هذه النتائج تعطينا خريطة طريق.
فإذا كان الاحتلال والحرب والأزمة المالية قد فرضت على المدرسة الفلسطينية ظروفًا استثنائية، فإن الرد لا يمكن أن يكون بخفض سقف التوقعات من الطالب الفلسطيني. بل العكس. يجب أن نرفع سقف التوقعات، ونوفر للطالب الأدوات، وللمعلم الاستقرار، وللمدرسة الموارد، وللنظام التعليمي البيانات التي يحتاجها لاتخاذ القرار.
أما بنات فلسطين اللواتي تقدمن في المواد الثلاث، فهن لا يحتجن إلى احتفال عابر بإنجازهن بقدر ما يحتجن إلى أن نقرأ رسالتهن جيدًا: حين تتوافر الإرادة والبيئة التعليمية المناسبة، يستطيع الطالب الفلسطيني أن يصنع الفارق، حتى عندما تكون الظروف كلها ضده.
ـــــــ 
"د. م. إسلام عمرو: نائب رئيس الجامعة العربية الأمريكية لشؤون تطوير الأعمال"

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير