محمود كلّم يكتب لوطن: عبد الهادي أبو شمسية.. رجل الخير الذي غيّبته القضبان

27.09.2026 07:11 PM

هناك رجال لا يبحثون عن الأضواء، ولا ينتظرون تكريماً أو منصباً. يكفيهم أن يروا مريضاً وجد دواءه، ومحتاجاً وجد من يمدّ له يد العون، وعائلةً مكلومةً شعرت بأن هناك من يقف إلى جانبها.

ومن هؤلاء عبد الهادي أبو شمسية «أبو أيمن»، الذي قارب السبعين من عمره، وكرّس جانباً كبيراً من حياته للعمل الاجتماعي والوطني والإصلاح بين الناس.

عُرف أبو أيمن بسعيه إلى إصلاح ذات البين وحل الخلافات بين العائلات، وشارك في الفعاليات الوطنية، ووقف إلى جانب عائلات الأسرى والشهداء، كما ساهم في جمع الطعام والملابس وتوزيعها على الأسر المحتاجة.

وكان المرضى حاضرِين في اهتمامه أيضاً؛ إذ ساهم في تأمين الأدوية لمرضى السرطان وإيصالها إلى المحتاجين، بالتنسيق مع أهل الخير وباستشارة الأطباء، حتى لا يبقى مريض عاجزاً عن الوصول إلى دوائه.

وبدلاً من أن يُكرّم على سنوات العطاء، يقبع أبو أيمن اليوم خلف قضبان سلطة رام الله.

ولم تكن قصة اعتقاله وليدة اليوم. ففي أغسطس/آب 2021، اعتُقل خلال حملة طالت نشطاء على خلفية فعاليات واحتجاجات مرتبطة بقضية الشهيد نزار بنات، قبل أن يُفرج عنه.

وفي 14 أكتوبر/تشرين الأول 2022، اعتُقل مجدداً بعد مشاركته في مسيرة داعمة للقدس وجنين ونابلس. وكان حينها ناشطاً سياسياً ومرشحاً عن حراك «طفح الكيل» في الانتخابات التشريعية التي أُلغيت.

ثم جاء 24 سبتمبر/أيلول 2026، ليجد أبو أيمن نفسه خلف قضبان سلطة رام الله مرة أخرى.

ثلاث محطات على الأقل من الاعتقال، وبينها سنوات من العمل والحضور بين الناس، وخدمة المحتاجين، والسعي إلى الإصلاح وحل الخلافات.

ومن المؤسف أن تصل الأمور إلى هذا الحد؛ أن تلاحق سلطة رام الله ناشطاً اجتماعياً، وتنكّل به وتعتقله، وهو الذي أمضى سنوات من عمره في خدمة الناس، ومساعدة المرضى والمحتاجين، والإصلاح بين العائلات.

إن ملاحقة النشطاء وأصحاب المبادرات الاجتماعية والسياسية ليست مجرد قضية اعتقال عابر، بل هي مساس بمساحة العمل العام، ورسالة مقلقة لكل من يحاول أن يخدم مجتمعه، أو يرفع صوته، أو يعترض على السياسات القائمة.

والأكثر إيلاماً أن السلطة، التي يُفترض أن تكون عنواناً لحماية المواطن وحقوقه، تبدو في ممارساتها تجاه بعض النشطاء وكأنها تكرر أساليب طالما عانى منها الفلسطينيون تحت الاحتلال؛ ملاحقة، وتضييق، واعتقال، وإسكات للأصوات التي لا تنسجم مع رواية السلطة.

بل إن الأمر يتجاوز مجرد التشابه في الأسلوب؛ فعندما تنشغل السلطة بملاحقة أبنائها ونشطائها، فإنها لا تضعف خصومها فقط، وإنما تضعف المجتمع نفسه، وتمنح الاحتلال ذريعةً إضافية للقول إن الفلسطينيين لا يستطيعون إدارة شؤونهم وحماية حرياتهم.

ومن المؤسف أن يصبح رجل مثل عبد الهادي أبو شمسية، الذي كان يطرق أبواب الناس بحثاً عن دواء لمريض، أو مساعدة لمحتاج، أو حل لخلاف بين عائلتين، هو نفسه اليوم خلف باب السجن.

أي رسالة تريد السلطة أن توجهها للناس؟ هل تريد من المواطن أن يصمت؟ هل تريد من الناشط أن يتراجع؟ وهل أصبح العمل الاجتماعي والسياسي تهمة تستوجب الملاحقة؟

اعتقال أبو أيمن ليس مجرد غياب رجل عن بيته، بل هو غياب للعدالة حين يُحرم إنسان من حريته، وخسارة للمجتمع بأسره. إن استمرار اعتقاله يضع مؤسسات سلطة رام الله أمام اختبار حقيقي ومسؤولية واضحة: هل تُصان كرامة الإنسان وحريته وحقوقه، أم تصبح هذه الحقوق رهينةً لقرارات مشبوهة لا تخدم إلا الاحتلال؟

العدالة لا تكون انتقائية، والحرية ليست امتيازاً يُمنح ويُسحب، وكرامة الإنسان يجب أن تبقى مصونة مهما كانت الظروف. إن قضية أبو أيمن ليست قضية فرد وحده، بل قضية مجتمع يطالب بحقه في العدالة والحرية والكرامة.

فالاحتلال لا يحتاج دائماً إلى أن يغلق كل الأبواب بنفسه؛ يكفي أحياناً أن نغلقها نحن في وجه بعضنا بعضاً.

هكذا غيّبت القضبان رجلاً اعتاد أن يكون بين الناس، لكنها لم تستطع أن تغيّب أثره في قلوبهم.

عبد الهادي أبو شمسية خلف القضبان، والرجل الذي أفنى عمره بين الناس ولأجلهم، يقضي أيامه اليوم بعيداً عنهم. وما أقسى أن يكون جزاء من فتح بابه للمحتاجين، وسعى للإصلاح بين الناس، أن تُغلق في وجهه أبواب الحرية.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير