د. عيسى العملة يكتب لوطن: إلى الرئيس أبو مازن: الانتخابات أولاً أم إنقاذ المشروع الوطني؟

26.09.2026 11:51 AM

في أكثر المراحل حساسية في تاريخ القضية الفلسطينية، يقف الشعب الفلسطيني أمام استحقاقات وطنية وسياسية تفوق في أهميتها أي استحقاق انتخابي. فالقضية اليوم لا تواجه تحديًا سياسيًا واحدًا، وإنما تواجه تحديات متشابكة تمس وحدة الشعب، ومستقبل المشروع الوطني، ومستقبل القرار الفلسطيني المستقل.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس رفض الانتخابات من حيث المبدأ، فالانتخابات حق ديمقراطي واستحقاق وطني، وإنما: هل الظروف الراهنة هي الظروف المناسبة لإجرائها؟ وهل يمكن أن تكون الانتخابات في هذه المرحلة عامل توحيد وبناء، أم أنها قد تضيف تعقيدًا جديدًا إلى واقع فلسطيني مثقل بالانقسام؟
إن الدعوة إلى تأجيل الانتخابات، في حال توافق الفلسطينيون عليها، لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها تراجعًا عن الديمقراطية، وإنما باعتبارها دعوة إلى إعطاء الأولوية لترتيب البيت الفلسطيني وإنهاء حالة الانقسام، بحيث تصبح الانتخابات وسيلة لتجديد الشرعية وتوحيد المؤسسات، لا مناسبة جديدة لتجديد الخلافات.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الانقسام السياسي الفلسطيني لم يعد مجرد خلاف بين قوى سياسية، بل أصبح قضية تمس مختلف جوانب الحياة الفلسطينية، وألقى بظلاله على وحدة القرار وعلى قدرة المؤسسات الوطنية على العمل ضمن رؤية سياسية واحدة.
وفي ظل الظروف التي يعيشها قطاع غزة، وما يواجهه الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية والقدس من تحديات متصاعدة، فإن الأولوية يجب أن تكون لتوحيد الصف الفلسطيني، وحماية القرار الوطني، وتعزيز صمود المواطنين، وإعادة بناء الثقة بين مختلف مكونات المجتمع السياسي الفلسطيني.
فلسطين أولاً، والمشروع الوطني أولاً، ووحدة الشعب والقرار أولاً.
وهذا لا يعني إلغاء الاستحقاق الديمقراطي، بل إعادة ترتيب الأولويات الوطنية بما يضمن أن تأتي الانتخابات في بيئة سياسية وقانونية ومجتمعية تسمح بمشاركة فلسطينية شاملة، وتمنح نتائجها القدرة على توحيد المؤسسات والشارع الفلسطيني.
إن الرئيس محمود عباس، بما يمثله من موقع سياسي وتاريخي في النظام السياسي الفلسطيني، أمام مسؤولية وطنية كبيرة في هذه المرحلة. والمسألة لا تتعلق بشخص أو فصيل، وإنما بمستقبل شعب وقضية.
ولذلك فإن المطلوب هو إطلاق حوار وطني شامل يشارك فيه الجميع، من القوى السياسية والفصائل والشخصيات الوطنية والمجتمع المدني، للوصول إلى تفاهمات حول المرحلة المقبلة، ووضع خريطة طريق لإعادة بناء الوحدة الوطنية، وتوحيد المؤسسات والقرار، ثم تحديد التوقيت الأنسب لإجراء الانتخابات.
فالانتخابات التي نريدها ليست انتخابات تزيد الانقسام، وإنما انتخابات تفتح صفحة جديدة من الشراكة الوطنية.
ولا نريد أن يتحول صندوق الاقتراع إلى صندوق آخر للخلافات، بل نريده أن يكون مدخلًا إلى تجديد الحياة السياسية الفلسطينية، واستعادة ثقة المواطن، وإعادة الاعتبار للمؤسسات الوطنية.
لقد دفع الشعب الفلسطيني أثمانًا كبيرة خلال سنوات الانقسام والاحتلال والحروب والدمار. ومن غير المقبول أن تستمر الخلافات السياسية في استنزاف طاقاته بينما تتطلب المرحلة توحيد كل الجهود لحماية القضية الفلسطينية.
إن تأجيل الانتخابات، إذا تم بتوافق وطني واضح ومحدد الأهداف والمدة، يجب ألا يكون تأجيلًا مفتوحًا أو وسيلة لتعطيل الحياة الديمقراطية، بل فرصة لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني، وإنجاز المصالحة، وتوفير الشروط التي تضمن انتخابات شاملة ونزيهة وذات مصداقية.
فالمطلوب اليوم ليس الانتصار لفصيل على فصيل، ولا لطرف على طرف، وإنما الانتصار لفلسطين.
فلسطين أكبر من الجميع، والمشروع الوطني أكبر من الفصائل، ووحدة الشعب أغلى من أي مكسب سياسي مؤقت.
وفي هذه اللحظة التاريخية، ربما يكون القرار الأصعب هو أن نتوقف قليلًا، ونضع مصلحة الوطن فوق الحسابات السياسية، ونفتح الباب أمام حوار حقيقي يعيد بناء الثقة ويجمع الفلسطينيين حول برنامج وطني جامع.
فإذا كانت الانتخابات ستقود إلى مزيد من الانقسام، فإن تأجيلها لحين توفير شروط الوحدة قد يكون موضوعًا يستحق نقاشًا وطنيًا جادًا. أما إذا أمكن ضمان مشاركة وطنية شاملة وبيئة انتخابية تساهم في إنهاء الانقسام، فإن الانتخابات يمكن أن تكون إحدى أدوات إعادة بناء الشرعية والمؤسسات.
المهم أن يكون القرار فلسطينيًا، وأن تكون بوصلته فلسطين، وأن يكون هدفه حماية المشروع الوطني ووحدة الشعب والقرار.
هذه ليست لحظة حسابات فصائلية، بل لحظة مسؤولية تاريخية.
فلسطين أولاً... ثم تأتي كل التفاصيل الأخرى.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير