هل تتغير قواعد الصراع؟
د. أشرف عكة يكتب لوطن: الشرق الأوسط أمام إعادة تعريف للنظام الإقليمي وأثر التحولات الأميركية على القضية الفلسطينية

في سبتمبر/أيلول 2026، لم تكن الدورة الحادية والثمانون للجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد منصة سنوية لخطابات قادة العالم، بل بدت أقرب إلى مرآة لتحول أعمق في النظامين الدولي والإقليمي، ففي نيويورك، أكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن «أميركا عادت»، رابطًا القوة الأميركية بحماية المصالح ومواجهة التهديدات، بينما شدد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش على أن القوة يجب أن تكون مقيدة بالقانون، محذرًا من أن أزمات الشرق الأوسط باتت تتشابك بصورة تهدد النظام الدولي نفسه.
وبين الخطابين يبرز السؤال الحقيقي الذي يتجاوز مسألة تراجع الهيمنة الأميركية أو استمرارها: هل تتغير طريقة ممارسة الولايات المتحدة لنفوذها، وهل يؤدي ذلك إلى إعادة تشكيل قواعد الصراع الإقليمي؟
الحديث عن نهاية الهيمنة الأميركية يبدو مبكرًا، لكن الحديث عن استمرارها بالشكل ذاته يبدو أكثر ابتعادًا عن الواقع، فالولايات المتحدة لم تخرج من الشرق الأوسط، ولم تتخل عن موقعها المركزي في أمن المنطقة وملفاتها الكبرى، لكنها أصبحت تعمل في بيئة أكثر تعقيدًا؛ إذ لم تعد قوى مثل السعودية ومصر وتركيا وقطر وباكستان وإيران وإسرائيل، إلى جانب روسيا والصين، مجرد أطراف تتلقى قواعد النظام الإقليمي، بل أصبحت تسعى بدرجات مختلفة إلى التأثير في صياغتها.
وعليه، فإن التحول الجاري لا يمكن اختزاله في «فراغ أميركي»، بل في إعادة توزيع لمصادر القوة والنفوذ، والانتقال من نظام يستطيع فيه طرف واحد التأثير الحاسم في مسارات الصراع إلى نظام تتعدد فيه مراكز القدرة على التأثير والتفاوض والتعطيل.
خطاب ترامب في الأمم المتحدة مهم ليس فقط بما حمله من تأكيد للقوة الأميركية، وإنما بما يكشفه عن فلسفة السياسة الأميركية الحالية: استعادة القوة، حماية المصالح الأميركية، استخدام القوة عند الضرورة، وتقليص القيود التي ترى واشنطن أنها تعرقل حركتها، لكن المشكلة الاستراتيجية ليست في امتلاك الولايات المتحدة للقوة، بل في تحويل هذه القوة إلى ترتيبات سياسية مستقرة وقابلة للاستمرار، فقد أثبت الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة أن التفوق العسكري لا ينتج بالضرورة تسوية سياسية، وأن القدرة على التدخل لا تعني القدرة منفردة على إدارة النتائج.
ولهذا تبدو واشنطن أمام معادلة مختلفة: تستطيع التدخل، لكنها تحتاج إلى شركاء لإدارة النتائج. وتظهر غزة في قلب هذه المعادلة؛ فالولايات المتحدة ما زالت طرفًا مركزيًا في
ترتيباتها، بينما تؤدي مصر وقطر وتركيا أدوارًا أساسية، فيما اجتمعت في نيويورك دول عربية وإسلامية عدة لبحث تنفيذ خطة غزة والحفاظ على وقف إطلاق النار والانتقال إلى مراحل التعافي وإعادة الإعمار، وهذا يعكس انتقالًا محتملًا من الهيمنة المنفردة إلى إدارة متعددة الأطراف للصراع؛ وهو ليس بعدُ نظامًا إقليميًا مكتملًا، لكنه مؤشر إلى أن المنطقة بدأت تبحث عن قدرة أكبر على إدارة أزماتها بدل الاكتفاء بتلقي ترتيبات الآخرين.
وفي هذا السياق، كشفت اجتماعات الجمعية العامة اتساع الفجوة بين منطق القوة ومنطق الشرعية، فقد حظيت فلسطين بدعم واسع داخل الجمعية العامة، فيما أكد غوتيريش أن حل الدولتين على أساس حدود ما قبل 1967 ما زال المسار الذي يستند إليه المجتمع الدولي، محذرًا من تآكل شروط قيام الدولة الفلسطينية، وداعيًا إلى وقف الاستيطان ومنع الضم ودعم المؤسسات الفلسطينية، مع التأكيد على ضرورة أن تبقى غزة والضفة والقدس الشرقية ضمن إطار سياسي فلسطيني واحد.
وهنا تكمن المفارقة: بينما تتقدم إسرائيل والولايات المتحدة بمنطق الأمن والقوة، يتقدم جزء واسع من المجتمع الدولي بمنطق الشرعية والقانون والدولة الفلسطينية، لكن السؤال الحقيقي هو: هل تستطيع الدول العربية والقوى الدولية تحويل هذا الفارق السياسي والقانوني إلى ترتيبات فعلية على الأرض؟
غزة هي الاختبار للنظام الإقليمي كله، لأنها المكان الذي تتقاطع فيه التحولات الدولية والإقليمية والفلسطينية، فما يجري فيها لم يعد مجرد وقف لإطلاق النار أو مساعدات أو إعادة إعمار، بل أصبح سؤالًا حول «اليوم التالي»: من يحكم غزة؟ من يوفر الأمن؟ من يدير إعادة الإعمار؟ وما طبيعة العلاقة بين غزة والضفة؟
إذا نجح المجتمع الدولي في إعادة إعمار غزة وترتيب أوضاعها الأمنية والإدارية، بينما استمر الاستيطان والضم في الضفة، فإن النتيجة ستكون إعادة إنتاج للصراع بأدوات جديدة، أما إذا ارتبطت إعادة إعمار غزة بمسار سياسي يعيد توحيد الأراضي الفلسطينية ويقود إلى تقرير المصير والدولة، فقد تصبح غزة مدخلًا لإعادة صياغة قواعد الصراع.
وهنا يظهر التحدي الإسرائيلي أيضًا؛ فاختزال الصراع في الأمن ومنع التهديدات المستقبلية لا يقدم إجابة سياسية لجذوره، فالأمن الإسرائيلي لا يمكن فصله عن الأمن الإقليمي، والأمن الإقليمي لا يمكن فصله عن استمرار الصراع الفلسطيني، والصراع الفلسطيني لا يمكن اختزاله في غزة وحدها، وبالتالي فإن استمرار الاستيطان والضم وتهويد القدس وإضعاف السلطة الفلسطينية سيجعل أي ترتيب أمني في غزة هشًا، لأن جذور الصراع ستظل قائمة في الضفة والقدس.
لكن السؤال لا يتعلق فقط بما تفعله إسرائيل أو الولايات المتحدة، بل بما يستطيع الفلسطينيون أنفسهم فعله في هذه اللحظة المفصلية، فالقضية الفلسطينية تمتلك رصيدًا دوليًا مهمًا، لكن الرصيد الدبلوماسي لا يتحول تلقائيًا إلى قوة سياسية، ولذلك تحتاج القيادة
الفلسطينية والفصائل إلى الانتقال من إدارة الانقسام إلى إدارة المرحلة، ومن رد الفعل إلى صناعة المبادرة، ومن التمثيل إلى إعادة بناء الشرعية.
ويبدأ ذلك بأربعة تحولات مترابطة: توحيد المرجعية السياسية الفلسطينية، وإعادة بناء الشرعية عبر مسار انتخابي ومؤسسي، وتوحيد القرار الوطني مع الحفاظ على التعدد السياسي، ثم منع تحويل غزة إلى كيان إداري منفصل عن المشروع الوطني الفلسطيني.
أما الفصائل، فالمطلوب ليس إلغاء اختلافاتها السياسية، وإنما إعادة تعريف وظيفتها داخل النظام الفلسطيني المقبل: من قوى تتنافس على السلطة إلى قوى تشارك في بناء النظام السياسي، عبر مرجعية وطنية وبرنامج مشترك وآلية واضحة لاتخاذ القرار، مع بقاء التنافس السياسي داخل المؤسسات والانتخابات.
ويمتلك الفلسطينيون أدوات متعددة للتأثير: الدبلوماسية، والقانون الدولي، وإعادة بناء الشرعية، والعمل العربي المشترك، وبناء التحالفات الدولية، لكن التحدي هو الانتقال من الاعتراف السياسي إلى الالتزامات العملية، ومن البيانات إلى آليات التأثير، ومن الدعم العربي السياسي إلى دور عربي أكثر فاعلية في ضمان أي تسوية مقبلة.
وهنا يصبح السؤال الفلسطيني الأصعب: من يمتلك حق تعريف المصلحة الوطنية الفلسطينية في المرحلة المقبلة؟ فإذا بقي هذا السؤال مفتوحًا، فإن القوى الأخرى ستشارك في تعريف «اليوم التالي» وفق مصالحها، أما إذا نجح الفلسطينيون في إعادة بناء مركز قرار وطني موحد، فسيدخلون عملية إعادة تشكيل المنطقة بوصفهم طرفًا سياسيًا، لا مجرد موضوع لترتيبات الآخرين.
وفي ضوء ذلك، تبدو المنطقة أمام ثلاثة مسارات محتملة: إعادة إنتاج الهيمنة الأميركية بصيغة أكثر اعتمادًا على الشركاء الإقليميين، أو الانتقال إلى نظام إقليمي متعدد المراكز، أو الدخول في نظام هجين مضطرب تتداخل فيه القوى الكبرى والإقليمية من دون قواعد مستقرة.
وفي كل هذه المسارات، تبقى فلسطين متغيرًا رئيسيًا لا هامشيًا، فإذا تحولت إلى جزء من عملية إعادة بناء النظام الإقليمي، يمكن أن يصبح الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي مدخلًا لتسوية أوسع، أما إذا بقيت مجرد ملف أمني وإنساني، بينما تستمر خرائط المنطقة في التغير، فإن خطر إعادة إنتاج الصراع سيظل قائمًا.
إن الشرق الأوسط لا يدخل ببساطة مرحلة ما بعد الهيمنة الأميركية، بل يدخل مرحلة ما بعد احتكار القرار الإقليمي، وستبقى الولايات المتحدة لاعبًا رئيسيًا، لكنها ستعمل داخل بيئة أكثر تعددًا وتعقيدًا وأقل قابلية للضبط المنفرد،أما التحدي الحقيقي فهو أن تتغير قواعد إدارة الصراع من دون أن تتغير قواعد الصراع نفسه،فالشرق الأوسط لا يحتاج فقط إلى نظام جديد لإدارة أزماته، بل إلى نظام قادر على معالجة مصادرها.
ومن هنا فإن السؤال الذي تطرحه المرحلة ليس: هل تتراجع أميركا؟
بل: من سيضع قواعد الشرق الأوسط عندما لا يعود طرف واحد قادرًا على وضعها منفردًا؟وفي الإجابة عن هذا السؤال تحديدًا سيتحدد مستقبل فلسطين، ومستقبل الأمن الإقليمي، وربما شكل النظام الشرق أوسطي خلال العقد المقبل
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


