زاهر أبو حمدة يكتب لوطن: رامبو - رومانوف: تسوشيما - هرمز

أمر القيصر نيكولا الثاني رومانوف، أسطوله بالتحرك الفوري من البلطيق إلى ميناء فلادفستوك على ساحل المحيط الهادئ. الوضع يتطور: الحرب وقعت بين اليابان الإمبراطورية وروسيا القيصرية. إنه شهر شباط عام 1904.
أسباب الحرب تبدأ بالمنافسة أو الصراع والنفوذ والسيطرة على منشوريا الصينية أو التحكّم بكوريا، ولا تنتهي بتأمين المنافذ والممرات البحرية. الأهم أنه قبل الحرب كانت روسيا تتمتع بهيمنة القوة، وكان يكفي التلويح بها لتكسب ما تريد. لكنّ «العناد الياباني» وإرادة الشعب والقيادة بالقتال واتخاذ القرار في الوقت المناسب، جعلت من القوة العظمى ترضخ ليُسجّل أول انتصار آسيوي على قوة أوروبية كبرى في التاريخ الحديث.
لم تكن المواجهة البرية، ولا سيما معركة موكدين، لتحسم نتائج الحرب لولا ما حصل في البحر. فكان مضيق تسوشيما هو الكمين. سقط آلاف القتلى الروس، حين اضطر أسطولهم إلى دخول المضيق بسبب نقص الفحم الحجري المُسيِّر للسفن: تدمّر الأسطول المرعب، هُزم القيصر نيكولاي الثاني، وانتصر الإمبراطور ميجي (موتسوهيتو).
ظهر الماركيز (رتبة تعني حامي الحدود) الياباني هيهاتشيرو توغو، كبطل قومي في هذه الحرب. تولّى قيادة الأسطول قبل الحرب بأربعة أشهر فقط. وضع خططه لمواجهة عدو أقوى منه بكثير حيث ينقسم الأسطول الروسي بين المحيط الهادئ وبحر البلطيق. باغت القوات الروسية بالهجوم على أسطول الشرق الأقصى في قاعدة بورت آرثر بمياه المحيط الهادئ. اشتبك بقوة لأشهر حتى أغرق سفنهم. وحين وصل أسطول البلطيق، أوقعهم في الفِخاخ بعدما نشر ألغاماً بحرية وانتظرهم لدخول مضيق تسوشيما، فأمطرهم بالقنابل. تدمّر الأسطول الروسي وأُسر قائدهم الأميرال زينوفي روجديستفينشي. وبين قوسين: رتبة أميرال أو أدميرال أصلها عربي أي أمير البحر.
شباط 2026: أتت الجحافل الأميركية. لم تهب إيران وحلفاؤها. الجزع بدل أن يكون إيرانياً تحوّل أميركياً. تغيرت الخطط الأميركية، فالنظام الإيراني لم يسقط بالضربة القاضية على الرغم من اغتيال القادة، ولا سيما الأدميرال علي رضا تنكسيري (واضع خطة السيطرة الذكية على مضيق هرمز). هذا الأدميرال سيُخلّد في التاريخ مع أنه استشهد في خضم المعركة، كما خلّد اليابانيون هيهاتشيرو توغو.
كان تعيين براد كوبر (ضابط بحرية)، بديلاً لمايكل كوريلا (ضابط مشاة)، قائداً لسنتكوم والأسطول الخامس لأن المعركة مع إيران في أصلها بحرية. لكن منظومة القيادة والسيطرة الإيرانية لم تهتز، لذلك بادرت بالقصف الفوري بعد الغارات الأولى. هكذا، بدل أن تمهّد المقاتلات الأميركية والإسرائيلية لإبرار القوات البرية إلى اليابسة الإيرانية اضطرت أن تبقى بعيدة في قواعدها وعلى حاملاتها. لا بل انكشفت هشاشة البحرية الأميركية، وتحولت السفن إلى هدف سهل القنص بالصواريخ والألغام كما القواعد في البر العربي. لذلك، قرّر البنتاغون شراء سفن حربية من اليابان وكوريا الجنوبية، بهدف توسيع البحرية الأميركية بسرعة. والأخطر أن مضيق هرمز تحوّل إلى فخ استراتيجي للأميركيين كما كان مضيق تسوشيما بالنسبة إلى الروس.
وفي كل الأحوال، إن لم ينجح المسار الدبلوماسي بإنهاء الحرب، فسيجد دونالد ترامب (رامبو) نفسه أمام خيارين: إما الانسحاب الشامل من غرب آسيا أو الهجوم الشامل ومحاولة تنفيذ عمليات إبرار وإنزال إلى وفي الجغرافيا الإيرانية. وبالنسبة إلى الجغرافيا، فإن تجددت المعركة القاسية فلا يمكن أن تتوقف هذه المرة إلا بهزيمة ماحقة لأحد الطرفين وبالتالي إمّا توسع إيران جغرافيتها أو تخسر من أرضها وربما تكون أمام مبضع التقسيم (راجع في «الأخبار» مقالة «سقوط رامبو» 13 آذار 2026).
على الرغم من كل إنجازات القيصر نيكولا الثاني، ولا سيما في القطاع الصناعي، إلا أن على يديه انتهت سلالة رومانوف. وبدأت النهاية من الهزيمة أمام اليابان وتدمير الأسطول الروسي. فبعد نهاية الحرب فوراً، اشتعلت ثورة (1905-1907) وبعدها بعشر سنوات، وبعد ثلاث سنوات من المشاركة في الحرب العالمية التي بدأت سنة 1914، اندلعت ثورة أخرى سنة 1917، أطاحت به وبالقيصرية.
أمّا رامبو ترامب، المتغطرس بقوته، فستكون نهايته أسوأ من نيكولا الثاني، وهذا لا يعني أن الولايات المتحدة ستنهار غداً بعد هزيمتها في غرب آسيا، لكن المسار يبدأ من نقطة مفصلية، وهي هدف الحرب: النفط. أراد رامبو، الاستيلاء على نفط إيران كما فعل في فنزويلا. وفي خطته كان الانتقال من إيران إلى نيجيريا والجزائر وأي دولة لا يتحكّم بثرواتها النفطية لكي يفرض سطوته على سوق الطاقة وبالتالي تركيع الصين لاحقاً. لكنه اصطدم بقوة إيرانية، ومن هنا نفهم الموقف الصيني باتجاه إيران.
الأهم أن مصير رامبو، إن كان اغتيالاً أو عزلاً، هو بداية تغيّر الولايات المتحدة. لا يُعرف تماماً إذا وقعت الحرب مجدداً كم سيرتفع سعر برميل النفط. أصلاً، ربما يُحرق النفط في المنطقة، وبالتالي مصير البشرية كلها يصبح محل سؤال.
يعرف الأميركيون أن دونالد ترامب فاسد أخلاقياً ودينياً. لديه علاقة بجزيرة إبستين وبفضائح مع ممثلة الأفلام الإباحية ستورمي دانيالز. إضافة إلى أنه مُطلّق وبالنسبة إلى المسيحيين المحافظين رجل «خاطئ»، ومع ذلك يحظى بدعم الإنجيليين. لا بل أحاط به المبشّرون في كنيسة ميامي ليدعو له، معتبرين أنه إحدى نبوءات الكتاب المقدّس. لو يحدث هذا في دولة أخرى لتحوّل الرئيس ومن حوله إلى مادة دسمة للإرهاب الديني والشعوذة والسخرية. يكفي أن «القسيسة» باولا وايت، تقول في برنامجها التلفزيوني عام 2020: «حين تقول لا للرئيس ترامب، كأنك تقول لا لله». هي المستشارة الروحية الخاصة بالرئيس الأميركي، وأصبح لديها مكتب في البيت الأبيض، مُترئِّسة «مبادرة الإيمان والفرص». ولكن لماذا يريدها الفاسد قربه دائماً؟ يبدو أنها تشارك في قراراته وتتنبأ له بما سيحصل.
وبالمناسبة هذا ليس جديداً على الزعماء. رونالد ريغان وزوجته نانسي، اعتمدا طوال فترة رئاسة الأول على تنبّؤات العرّافة جوان كويغلي، ومن بين تلك الحوادث مشورتها في تحديد موعد لقاء الرئيس السوفياتي، ميخائيل غورباتشوف، من أجل توقيع اتفاقية الحد من الصواريخ النووية في كانون الأول 1987. وهذا حدث في الإليزيه، حيث العرّافة إليزابيث تيسييه، رافقت الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران. وفي الكرملين، آمن الرئيس الروسي الأسبق بوريس يلتسين، بالتوقعات والتنبّؤات. وهذا يمتد إلى حسني مبارك ومعمر القذافي وعيدي أمين وغيرهم الكثير من الرؤساء والملوك والأمراء. وتاريخياً، حدّد عرّاف مواعيد حروب نابليون بونابرت وأبي جعفر المنصور، والكثير من القادة والزعماء لجأوا إلى العرّافين لمعرفة ماذا يفعلون. وذلك لأن السياسة في الأصل هي علم «عدم اليقين». هي ليست معادلة كيميائية أو فيزيائية إنما تجمع كل العلوم المادية والإنسانية وحتى الميتافزيقية.
بالعودة إلى باولا وايت، فهي أول امرأة في التاريخ تتلو الصلاة خلال مراسم تنصيب رئيس أميركي عند أداء ترامب اليمين في عام 2017. تقول بكل ثقة في إحدى «عظاتها»: «حين أطأ أرض البيت الأبيض، فإنّ الله يطأ أرض البيت الأبيض. لديّ كامل الحقّ والسلطة لأعلن البيت الأبيض أرضاً مقدّسة، لأنّني كنت أقف هناك، وكلّ مكان أقف فيه هو مكان مقدّس». كلام غريب، والأغرب أن أتباعها يؤمنون بأنها «كليمة الله»، إذ الله خاطبها منذ الصغر. وبما أن الله يتحدث إلى الأخت باولا، فدونالد ترامب تحوّل إلى «رامبو إلهي»، وكل ما يفعله مُقدّر من الإله وهو يفعل ما يطلبه منه. هكذا ينتزع شرعية دينية لما يفعله من آثام وإجرام. وحاشا لله أن يطلب «إبادة حضارة» أو السطو على الدول والشعوب أو اغتصاب القاصرات كما فعل مع صديقه جيفري. لكن من المذهل أن يصدّق دونالد أنه مبعوث الإله، ربما يكون ذلك متفهّماً من العام. أمّا يصدق نفسه أنه «يد الله» فهذا يذكرنا بما قاله نجيب محفوظ في رواية «ثرثرة فوق النيل»: «لم يكن عجيباً أن يعبد المصريون فرعون، ولكن العجيب أن فرعون آمن حقاً بأنه إله».
من ألغاز التاريخ، قضية ودور غريغوري راسبوتين في قصر نيكولا الثاني. وصل غريغوري إلى العاصمة سانت بطرسبرغ عام 1903، فقيراً مشرّداً باحثاً عن طعام وعمل. وبعد أن انتشر اسمه كراهب مستعرضاً قدراته الروحية، دخل القصر لعلاج ألكس ابن القيصر الوحيد المريض بداء الناعور (الهيموفيليا/ فقر الدم المنجلي). وكل ما فعله أن وضع يده على رأس الصبي وحرّك شفتيه، ومن ثم أوقف «الأسبرين» عنه لأنه مضاد للتخثر (معلومة كان يعرفها ولم تكن رائجة يومها). تحسنت صحة ألكسي، ما جعل ألكسندرا زوجة القيصر وأم الطفل تعجب به وتبقيه في القصر، حتى وصل إلى مكانة المستشار الروحي، فشارك في التعيينات واتخاذ القرارات السياسية. تقلبت سيرة راسبوتين في التاريخ الروسي بين شخصية الراهب والمشعوذ. وحين أخرج البلشفيون جثته من القبر وأحرقوها كي لا يتحول قبره إلى مزار، كانوا يعرفون تأثيره في المجتمع وليس في القصر فقط.
وفي كل الأحوال، ربما لولا فساد غريغوري وصيته السيّئ، ولا سيما علاقته بألكسندرا، ما كانت الثورة ومن ثم فلاديمير لينين ولاحقاً فلاديمير بوتين. وهذه ألكسندرا مثقّفة من طراز رفيع، حيث درست على أيدي أهم أساتذة أوروبا في قصر جدّتها ملكة بريطانيا فيكتوريا. ومع ذلك تعلقت بـ«معجزات راسبوتين»، إلى أن تحكّم بها وبزوجها. ربما الأمل بشفاء نجلها حوّلها إلى ضعيفة أمامه، لكنّ اللغز يبقى حول تنبؤاته. فهو توقّع هزيمة روسيا أمام اليابان، وأن ثورة ستندلع وبعدها يكون الاتحاد السوفياتي وخوضه الحرب العالمية وهزيمة أدولف هتلر. وكذلك تنبأ بحرب عالمية تمتد 7 أعوام تكون فيها نهاية البشرية. ربما تكون الأخت باولا هي وريثة الأخ غريغوري، أو دونالد نموذجاً يشبه نيكولا، مع كل التغيرات بعد أكثر من قرن من نهاية عائلة رومانوف المأساوية. طبعاً، هذه ليست تنبّؤات، فكاتب السطور لا يملك موهبة باولا أو غريغوري.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


