محمود كلّم يكتب لوطن: علاء الريماوي ونزار بنات... روحٌ مثقلة بالوداع

حين خرج علاء الريماوي من المعتقل، في أكتوبر 2025، تواصلت معه وأرسلت إليه كتابي:
«الشهيد نزار بنات: حين يُغتال الصوت ولا تموت الحقيقة»، الذي صدر عن دار بيسان في بيروت، في أكتوبر 2025.
لم أرسل له الكتاب وحده؛ أرسلت إليه شيئاً من ذاكرة نزار، وشيئاً من وجع تلك الأيام التي لم تنتهِ بانتهاء الجنازة.
كنت قد كتبت مقدمة الكتاب بلسان علاء. لم أرد أن أتحدث باسمه، بقدر ما حاولت أن أتخيّل الكلمات التي يمكن أن تخرج من روح رجل عاش الوداع، وحمل في ذاكرته صورة نزار، وكل ما تركه رحيله من ألم.
بعد أن أرسلت الكتاب، انتظرت ردّة فعله.
ماذا سيقول؟
هل سيجد نفسه في الكلمات التي كتبتها؟
جاء ردّه مختصراً، لكنه بقي في داخلي طويلاً.
قال علاء الريماوي لي:
«كم أنت جميل، وتحكي ما يعتري الروح المثقلة بالوداع. سلام عليك وعلى نزار.»
توقفت عند عبارة واحدة:
الروح المثقلة بالوداع.
فهمت عندها أن علاء لم يقرأ الكلمات فقط، بل قرأ الحزن الذي كان خلفها.
لم يتحدث عن الكتاب، ولا عن المقدمة، ولا عن اللغة؛ تحدّث عن روحٍ تعرف معنى أن تفقد شخصاً، ثم تواصل الحياة وهي تحمل غيابه معها.
فالذين نحبهم لا يرحلون مرة واحدة؛ يرحلون يوم يموتون، ثم نعيد وداعهم كلما تذكرناهم: في صورة قديمة، في مكان مررنا به معهم، في جملة كانوا يقولونها، أو في لحظة نريد أن نحكي لهم فيها شيئاً، ثم نتذكر أنهم لم يعودوا موجودين معنا في هذه الحياة.
وهذا ما أردت أن أفعله بكتاب نزار بنات. كنت أريد فقط ألّا يتحول الغياب إلى نسيان، وأن يبقى لنزار بنات صوت، وأن تبقى لدموع علاء الريماوي وذاكرته في تلك اللحظة معنى.
فبعض المقدمات لا تُكتب بالكلمات وحدها؛ تُكتب بالذاكرة.
ولهذا بقيت جملة علاء في قلبي:
«سلام عليك وعلى نزار.»
سلام على نزار، الذي غاب جسداً وبقي صوته.
وسلام على علاء، الذي حمل شيئاً من تلك الذاكرة ومضى.
وسلام على كل روحٍ أثقلها الوداع، ولم تجد سوى الكتابة لتقول:
أنا ما زلت أتذكر، ولهذا أكتب، لا لأن الكتابة قادرة على أن تعيد من رحلوا، بل لأنها قادرة على أن تمنع الغياب من أن يكون الكلمة الأخيرة.
أكتب كي لا يصبح الموت نهاية الحكاية، وكي لا تتحول الذاكرة إلى قبرٍ آخر.
وكان هنا معنا رجلٌ اسمه نزار بنات؛ غاب جسده، لكن صوته بقي حيّاً.
بقي في ذاكرة من عرفه، وفي وجع من أحبّه، وفي الكلمات التي ما زالت تُكتب عنه.
وربما لهذا قال علاء الريماوي:
«سلام عليك وعلى نزار.»
كان سلاماً على رجلٍ غاب، وعلى روحٍ ما زالت تحمل غيابه.
سلامٌ على نزار، الذي رحل بجسده ولم ترحل كلماته.
وسلامٌ على علاء، الذي بقي يحمل شيئاً من ذلك الوداع.
وسلامٌ على كل روحٍ أثقلها الوداع، ثم وجدت في الكتابة طريقةً لتقول:
من نحبّهم قد يغيبون عن أعيننا، لكنهم يبقون في القلب، مهما طال الغياب.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


