حمدي فراج يكتب لوطن: ليس مقاطعة للخطاب ، ولا للخطيب

في قاعة الأمم العالمية شبه الفارغة ، و التي بدت للمرة الأولى منذ تأسيسها قبل 81 سنة ، انها حقا متحدة ، اتحادا طبيعيا اخلاقيا إنسانيا عفويا و تم تصنيفه كأحد أضخم مشاهد الاحتجاج الدبلوماسي في تاريخ القاعة .
لم يكن الانسحاب الجماعي التاريخي ، احتجاجا على جملة او فقرة او فكرة ، كما جرت عادة الانسحابات من قبل ، او تسرب للمجتمعين ان نتنياهو سيطرحها ، و بالتالي آثروا الانسحاب قبل أن يبدأ . لقد قرروا ان لا يستمعوا له ، بغض النظر عما سيقول و يطرح ، و في هذا إن شئنا موقفا ينطوي على بعض التطرف ، فماذا لو قال شيئا مغايرا للتوقعات ، ماذا لو قال اريد الانسحاب من الضفة و القطاع و لبنان و الجولان ، أوافق على دولة مستقلة للشعب الفلسطيني و عاصمتها القدس الشرقية خلال ثلاثة أشهر ، أما كان المنسحبون سيعودون و يتدافعون الى مقاعدهم بسرعة كي لا يفوتهم أي كلمة من كلمات الخطاب . لكنهم لم يعودوا ، و واضح انهم لم يندموا على قرار انسحابهم . و هو من جهته ، لم يقصّر في التعريض بهم ، حيث ابتدأ خطابه المكتوب بهم ، واصفا إياهم بالجبناء "واذا ما ظل جبناء آخرون لم ينسحبوا ، فلينسحبوا الآن" ، بمعنى ان الذين كتبوا الخطاب ، كانوا يعلمون عن هذا الانسحاب الاممي الجماعي ، كانوا يعلمون ان الامر لا يتعلق بالخطاب ، و لا حتى بالخطيب ، انه يتعلق بدولة إسرائيل التي على مدار السنوات الثلاثة الأخيرة ارتكبت جرائم إبادة جماعية بحق الشعب الفلسطيني في غزة دون ان يرف لها جفن - أكثر من عشرين ألف طفل فقدوا حياتهم ، و وفق يائير غولان، رئيس حزب الديمقراطيين والنائب السابق لرئيس هيئة أركان الجيش "الأكثر أخلاقية في العالم" تم قتلهم كهواية - لقد كاد نتنياهو في خطابه ، يطلب منحه و جيشه و دولته ، جائزة منع حدوث إبادة جماعية في غزة .
في هذا الخطاب النوعي في سلبيته و فاشيته و عقمه و عدوانيته و عنصريته ، أطلق نتنياهو سهام السم الزعاف نحو العالم قاطبة ، بمن في ذلك حلفاؤه ، من فرنسا و بريطانيا و أولئك الذين يشكرونه سرا على ما فعله بايران ، و يقاطعون خطابه جبنا ، يقصد ربما بعض الأنظمة العربية ، التي لم تغادر كلها القاعة . لقد وصل به الامر الى مهاجمة رئيس بلدية فاز في الانتخابات الديمقراطية ، من أن اليهود في مدينته اصبحوا أقل أمنا على حياتهم بعد فوزه ، رغم ان حوالي ثلث اليهود في المدينة صوتوا لصالحه ، أكثر بكثير مما يمكن ان يحصل عليه نتنياهو ذاته . الوحيد الذي شكره هو دونالد ترامب ، ليس حبا و احتراما ، بل خوفا و تملقا . و حتى يعود العالم ليستمع الى إسرائيل ، أيا كان ممثلها ، فإن الامر يحتاج الى معجزة .
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


