محمود كلّم يكتب لوطن: ما سرّ عداء المستوطنين لشجرة الزيتون الفلسطينية؟

23.09.2026 11:59 AM

 في فلسطين، لا تبدو شجرة الزيتون مجرد شجرة.

إنها ذاكرة متجذرة في الأرض، تشبه أصحابها الذين تعاقبت أجيالهم عليها، وبقيت هي شاهدة على ما مرّ من حروب واقتلاع ومصادرة وتهجير.

تمتد أشجار الزيتون فوق أراضٍ عرفت عائلات فلسطينية جيلاً بعد جيل. شجرة تكبر ببطء، لكنها تحمل في جذعها سنوات طويلة من العمل والانتظار والارتباط بالأرض.

ولهذا يبدو السؤال موجعاً:
ما سرّ هذا العداء لشجرة الزيتون الفلسطينية؟

لماذا تُقتلع شجرة احتاجت سنوات طويلة حتى تكبر؟ ولماذا تُحرق أو تُقطع أو تُكسر أغصانها؟ ولماذا يتحول موسم قطاف الزيتون، الذي يفترض أن يكون موسم فرح للعائلات، إلى موسم خوف وحذر في بعض المناطق؟

الأمر ليس مجرد اعتداء على شجرة.

حين تُقتلع شجرة زيتون، لا تُقتلع ثمرة موسم واحد فقط. فالزيتون محصول يحتاج سنوات حتى يصل إلى مرحلة الإنتاج، ولذلك فإن تدمير شجرة قديمة يعني خسارة تمتد لسنوات، وربما قطع علاقة عائلة بأرضها.

وتوثق الأمم المتحدة، عبر مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، اعتداءات مرتبطة بموسم الزيتون شملت مهاجمة المزارعين، وتخريب الأشجار، وسرقة المحاصيل وأدوات الزراعة، إضافة إلى القيود المفروضة على وصول الفلسطينيين إلى أراضيهم. وفي موسم 2023، وثّق المكتب 113 حادثة مرتبطة بالقطاف، تضررت خلالها أكثر من ألفي شجرة، وقدّر أن أكثر من عشرة آلاف شجرة زيتون فلسطينية تعرضت للتخريب خلال عام 2023.

أما في موسم 2025، فقد وثق المكتب أكثر من 6,000 شجرة وشتلة زيتون تعرضت للتخريب، وهو أعلى مستوى من أضرار الأشجار والشتلات التي سجلها خلال ست سنوات. كما وثق 178 اعتداءً مرتبطاً بموسم القطاف بين الأول من أكتوبر و30 نوفمبر 2025، شملت أضراراً للممتلكات وسرقة المحاصيل وأدوات القطاف وتخريب الأشجار والشتلات.

لكن الأرقام، مهما كانت كبيرة، لا تستطيع أن تشرح وحدها معنى شجرة زيتون بالنسبة إلى الفلسطيني.

هناك شجرة زرعها الجد، ثم اعتنى بها الأب، ثم ورثها الابن، وهناك شجرة تقف في طرف قطعة أرض، يعرف صاحبها أغصانها، ويتذكر متى زرعها، وكم مرة جلس تحت ظلها، وكم موسماً جمع من ثمرها.

لذلك فإن الاعتداء على الزيتون لا يُفهم فقط باعتباره إتلافاً لمحصول زراعي. إنه يمس مصدر رزق، وذاكرة عائلية، وعلاقة متجذرة بالأرض.

وتصف الأمم المتحدة موسم الزيتون بأنه حدث اقتصادي واجتماعي وثقافي أساسي للفلسطينيين، وتشير إلى أن عشرات الآلاف من العائلات تعتمد على الزيتون وزيته كمصدر دخل أساسي أو إضافي.

قد لا يكون العداء للشجرة بوصفها شجرة، بل لما تمثله.

فالزيتونة، بصمتها الممتد عبر السنين، تقول:
هذه أرض عاشت عليها عائلة، وهنا كان أب، وهنا أم، وهنا أبناء.

وهذه شجرة زرعها فلسطيني، وانتظر سنوات طويلة حتى أثمرت.

لهذا تصبح الشجرة، في سياق الصراع على الأرض، أكثر من مجرد نبات.

تصبح شاهداً، والشاهد الذي لا يستطيع أحد إسكات صوته قد يكون أحياناً شجرة زيتون.

لكن الزيتونة لا تصرخ حين تُقطع، ولا تطلب النجدة، ولا تستطيع أن تهرب.

كل ما تفعله أنها تبقى في مكانها، صامتة، حتى تأتي اليد التي تقطعها.

لهذا تبدو صورة شجرة زيتون فلسطينية مقتلعة من جذورها أكثر قسوة من كثير من الكلمات؛ لأنها تختصر حكاية أرض كاملة في جذور خرجت من التراب.

ومع ذلك، فإن اقتلاع الشجرة لا يعني اقتلاع الذاكرة.

قد تسقط شجرة عمرها عشرات السنين، لكن أبناء صاحبها يستطيعون أن يزرعوا شجرة أخرى. وقد تحترق أغصانها، لكن الأرض لا تنسى من زرعها. وقد يُمنع صاحبها من الوصول إليها موسماً أو أكثر، لكن علاقته بها لا تنتهي بقرار أو حاجز أو اعتداء.

وهنا تتجاوز الحكاية شجرة الزيتون نفسها، لتصل إلى قضية أوسع: الاحتلال وما يرتبط به من استيطان وممارسات تمس الأرض والمزارعين الفلسطينيين.

فالاعتداء على شجرة لا يحدث في فراغ؛ إنه يقع في سياق صراع طويل على الأرض والوصول إليها والقدرة على زراعتها وحمايتها. وتوثق الأمم المتحدة، إلى جانب الاعتداءات على الأشجار، حالات واسعة من تقييد وصول المزارعين الفلسطينيين إلى أراضيهم القريبة من المستوطنات. وفي موسم 2023، بقي أكثر من 96 ألف دونم من الأراضي المزروعة بالزيتون في الضفة الغربية من دون حصاد بسبب القيود على الوصول إليها، وفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.

وفي مواجهة هذا الواقع، يواصل الفلسطينيون التمسك بأرضهم وزراعتها، وتبقى شجرة الزيتون واحدة من أبرز صور هذا الارتباط.

وقد يظن البعض أن اقتلاع شجرة، أو التضييق على مزارع، أو مصادرة أرض، يمكن أن ينهي علاقة شعب بأرضه.

لكن تاريخ الفلسطينيين خلال عقود طويلة يقول شيئاً آخر: فقد بقيت الأرض حاضرة في الذاكرة، وبقيت العودة إليها حلماً، وبقيت الزراعة والقرية والبيت والشجرة جزءاً من الحكاية التي تنتقل من جيل إلى جيل.

وكأن الاحتلال، ومعه المستوطنون، وقعوا وعلقوا مع الشعب الغلط؛ شعبٌ استعصت هزيمته على كل محاولات اقتلاعه من أرضه وذاكرته. شعبٌ واجه حروباً وتهجيراً ومصادرة واحتلالاً، وتعرض لضغوط من قوى وأطراف كثيرة، لكنه ظل متمسكاً بوجوده وذاكرته وأرضه.

وربما لا توجد صورة تختصر ذلك أكثر من شجرة الزيتون.

تُقتلع، ثم تُزرع من جديد، تُحرق، ثم تنبت الأرض غيرها، يُقطع غصنها، فتنبت أغصاناً جديدة، وكأنها في صمتها، تقول إن الجذور أعمق من أن تقتلعها يد واحدة.

في فلسطين، لا تقف الزيتونة في الأرض وحدها؛ تقف معها حكاية عائلة، وذاكرة أجيال، وعلاقة لا تُقاس بعمر موسم واحد.

وحين ننظر إلى أشجار الزيتون في فلسطين، لا ينبغي أن نراها مجرد أشجار خضراء تمتد على سفوح الأرض.

ينبغي أن نراها كما يراها أصحابها:

أعماراً معلقة بالأرض، وذكريات باقية، وشهوداً صامتين على حكاية لم تنتهِ.

في فلسطين، الزيتونة ليست شجرة فقط؛ إنها ذاكرة وطن وشعب، راسخة في الأرض والتاريخ، ولها جذور لا تُقتلع.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير