د.مروان طوباسي* يكتب لوطن: الإنتخابات والقرار الأممي ٢٨٠٣ ، تجديد الشرعية يقتضي مراجعة الخيارات

إن تمسكنا بإجراء الإنتخابات لا ينبع فقط من الحاجة إلى تجديد الشرعيات ، على أهمية وضرورة ذلك ، بل من ضرورة إعادة الشعب إلى موقعه الطبيعي باعتباره مصدر السلطات ، وصاحب الحق في اختيار ممثليه ومساءلتهم والمشاركة في تحديد الخيارات الوطنية الكبرى ، خاصة في مرحلة تتعرض فيها قضيتنا الوطنية التحررية لمحاولات إعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني ، وفصل قطاع غزة عن وحدة الأرض والولاية الوطنية الشرعية تحت المرجعية الوطنية لمنظمة التحرير الفلسطينية ، الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا ، رغم الحاجة الملحة إلى تطوير واقعها ودورها ومؤسساتها .
فالانتخابات ليست غاية بحد ذاتها ، ولا مجرد معالجة لأزمة الشرعية أو لنتائج سياسات سابقة ، بل أداة لإعادة بناء النظام السياسي وتجديد رؤيته ومؤسساته وادواته ، واستعادة وحدة القرار المستقل والولاية الفلسطينية على كامل أرض دولة فلسطين المحتلة ، وفي القلب منها القدس وقطاع غزة ، تحت مرجعية منظمة التحرير ، وما نشأ عن الاتفاقات التي أبرمتها من ترتيبات وصلاحيات للسلطة الوطنية الفلسطينية التي لا يجب ان تكون بديلا عن المشروع التحرري وحامله بل أداة في خدمة اهدافه .
ومن هذه الزاوية استمعت إلى حديث لأحد الإخوة من أعضاء اللجنة المركزية لحركة «فتح» ، وتوقفت عنده انطلاقاً من صفته الاعتبارية وموقعه القيادي ، وكذلك موقعه الحكومي السابق ، لا من باب شخصنة النقاش ، بل من باب مسؤولية النقاش الوطني الديمقراطي وتعزيز التعددية الفكرية في إطار الوحدة داخل البيت الواحد التي نحرص على تعزيزها . فقد تحدث عن ضرورة إجراء الإنتخابات وتجديد الشرعية وتأكيد وحدة الضفة الغربية وقطاع غزة ، ومواجهة الواقع الذي نشأ في القطاع في ظل قرار مجلس الأمن ٢٨٠٣.
وهو حديث مهم يستحق التوقف عنده ، لأنه يعيد إلى الواجهة سؤالاً سياسياً أوسع من الأشخاص والمواقف الفردية ، يتعلق بطريقة صناعة القرار الفلسطيني ، وبقدرتنا على مراجعة خياراتنا ومصارحة شعبنا بشأنها .
فعندما كان المشروع الأميركي ، الذي أصبح لاحقاً القرار ٢٨٠٣ ، مطروحاً أمام مجلس الأمن ، ثم جرى الترحيب به بعد إقراره ، رغم ما تضمنه من ترتيبات انتقالية لغزة ، وإنشاء «مجلس السلام» وقوة دولية للإستقرار ، وربط استعادة السلطة الفلسطينية لإدارة القطاع بشروط ومسارات لاحقة .
وقد حذرنا في حينه من خطورة هذا المسار ، ومن أن المسألة لا تتعلق فقط بوقف الحرب وإعادة الإعمار ، وهما بالتاكيد ضرورة وطنية وإنسانية عاجلة وملحة ، بالرغم من عدم وضوح مبدأ الإعمار ، بل بطبيعة الترتيبات السياسية التي يجري بناؤها تحت عنوان «اليوم التالي» بالمفاوضات التي فتحتها الادارة الأمريكية مع «حماس» بعيداً عن منظمة التحرير ، وما قد تقود إليه من إدارة للسكان والقضية بدلاً من إنهاء الأحتلال ، ومن مساس بوحدة الأرض والقضية والولاية والنظام السياسي الفلسطيني .
وكان مطروحاً آنذاك مشروع روسي بديل ، أبدت الصين خلال المشاورات موقفاً قريباً منه أو مؤيداً له لحد ما ، ولم يتضمن «مجلس السلام» بالصيغة الواردة في المشروع الأميركي ، ودعا إلى دور أممي مختلف في ترتيبات المرحلة المقبلة . ولم يُطرح المشروع الروسي في النهاية للتصويت في ظل الدعم الفلسطيني والعربي والإسلامي للنص الأميركي والذي تسبب في أمتناع روسيا والصين عن «الفيتو» الذي كان ممكناً ، فيما امتنعتا كلتى الدولتين الصديقتين عن التصويت على القرار ٢٨٠٣ ، الذي أُقر بأصوات الأعضاء الثلاثة عشر الآخرين في مجلس الأمن .
ومن هنا يصبح السؤال مشروعاً ، إذا كنا نرى اليوم أن الإنتخابات مطلوبة لتجديد الشرعية الفلسطينية ، وتأكيد وحدة الضفة بما فيها القدس وغزة ، ومواجهة ما ترتب على القرار ٢٨٠٣ ، فلماذا لم تكن هذه المخاطر نفسها سبباً لإعادة النظر في الموقف الفلسطيني عندما كان مشروع القرار الأمريكي لا يزال قيد النقاش ، وقبل أن يتحول إلى قرار أممي؟
وهنا يمتد السؤال أيضاً إلى «اللجنة الوطنية لإدارة غزة» ، فقد رحب الموقف الفلسطيني الرسمي لاحقاً بتشكيلها ودعم توليها مسؤوليات إدارة القطاع خلال المرحلة الانتقالية وانشاء مكتب ارتباط بها ، رغم تجاوز الدور الفلسطيني الشرعي الرسمي في تشكيلها . وإذا كنا نحذر من تحول الترتيبات الانتقالية إلى صيغة تفصل إدارة غزة عن النظام السياسي الفلسطيني ، أو تستبدل الولاية الوطنية بإدارة مؤقتة مفتوحة الأجل قد تمتد لأكثر من عامين ، فمن حق شعبنا أن يعرف بوضوح أين تقف رؤيتنا الوطنية من هذه الترتيبات ، وما حدود القبول بها ، وكيف تنسجم مع وحدة النظام السياسي والمرجعية الوطنية لمنظمة التحرير والولاية الفلسطينية الشرعية على قطاع غزة كما على الضفة الغربية التي اصبحت اليوم ايضا مهددة بفعل سياسات الأستيطان والضم والحصار وفرض القوانين الإسرائيلية على معظم المناطق منها وإمكانية نسخ ما يجري من ترتيبات في غزة اليها تحت عنوان مشروع الادارة السكانية على ما تبقى من أرض مفتتة بالضفة الغربية بعد عزل القُدس .
المشكلة ليست في مراجعة المواقف ، فالمراجعة السياسية ضرورة ، والأعتراف بخطأ التقدير إن وقع مسؤولية وطنية ، خاصة عندما تتغير الظروف أو تتكشف نتائج لم تكن محسوبة بما يكفي . المشكلة أن ننتقل من موقف إلى آخر دون مراجعة مُعلنة ، أو أن نعترض على النتائج دون العودة إلى المقدمات والخيارات التي أسهمت في إنتاجها .
فلم يعد ممكناً إدارة قضايانا المصيرية بمنطق الموقف الآني ، بحيث يُبرر كل قرار في لحظته ، ثم نتعامل لاحقاً مع نتائجه وكأنها منفصلة عما سبقه .
ما نحتاجه اليوم هو إرادة سياسية ووضوح في الرؤية ، ووحدة في القرار المستقل ، ومصارحة مع الشعب ، ومساءلة سياسية حول الخيارات التي تمس مستقبل القضية ووحدة الأرض والنظام السياسي .
ومن هنا تحديداً تزداد ضرورة إجراء الإنتخابات التشريعية والرئاسية وانتخابات المجلس الوطني وفق ما نصت علية الانظمة والقوانين بما يجسد وثيقة اعلان الإستقلال ، لا أن تتراجع . فالانتخابات ليست مجرد استحقاق دستوري أو وسيلة لإعادة توزيع المقاعد والمواقع ، بل فرصة لإعادة بناء العلاقة بين الشعب ومؤسساته ، وتجديد الشرعيات والأدوات ، واستعادة القدرة على اتخاذ القرار الوطني ومساءلة من يتخذه .
فالانتخابات التي نحتاجها ليست مجرد صندوق اقتراع نَستدعي الناس إليه عند الحاجة ، بل مدخل للمراجعة والتجديد وإعادة بناء النظام السياسي ، على قاعدة أن الشعب هو مصدر السلطات والشرعيات دائماً .
ويبقى السؤال الذي لا ينبغي القفز عنه ، إذا كنا نراجع اليوم نتائج القرار ٢٨٠٣ ، أفلا ينبغي أيضاً أن نراجع الموقف الذي اتخذناه منه عندما كان لا يزال مشروع قرار أمريكي ؟؟
* عضو المجلس الأستشاري لحركة «فتح»
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


